قلب الأمير الغائب الجزء الثالث

انعكاسات الماضي على الحاضر

بقلم مريم الحسن

بعد اكتشاف سر السلطان الغاضب ونفي ليلى، شعر الأمير تركي وكأن جزءاً من الغموض الذي كان يحيط بحياته قد انقشع، لكنه كشف عن طبقةٍ أعمق من المشاكل. لم يعد الأمر مجرد حلمٍ مزعج، بل أصبح واقعاً يحمل إرثاً ثقيلاً من الظلم. كان البحث عن مكان نفي ليلى أشبه بمطاردة شبح، فالسجلات القديمة لم تقدم سوى إشاراتٍ مبهمةٍ للغاية.

"الصحراء المنسية" كانت عبارةً متكررةً في اللفيفة، لكنها لم تحدد موقعاً جغرافياً دقيقاً. في تلك الأيام، كانت الصحراء المنسية تشمل مساحاتٍ واسعةً وغير مأهولة.

"هل تعتقد يا أركان أن هناك من لا يزال يفضل بقاء هذا السر مدفوناً؟" سأل تركي، وهو يتأمل في خارطةٍ قديمة.

"بالتأكيد يا أمير. إذا كان هناك من استفاد من هذا النفي، أو حتى من عائلاتٍ لا تزال تحتفظ بهذه الأسرار، فمن الممكن أن يعارضوا أي محاولةٍ لكشف الحقيقة. ربما يكونون قد نسوا الأمر، أو ربما يكون لديهم مصلحةٌ في بقائه مدفوناً." أجاب أركان.

بدأ تركي يشعر بقلقٍ متزايد. كان يدرك أن أي تحركٍ مفاجئٍ للكشف عن ظلمٍ قديمٍ يمكن أن يثير ردود فعلٍ غير متوقعة. خاصةً وأن السلطان الغاضب كان سلفاً له، وأن الاعتراف بخطئه يعني الاعتراف بعيبٍ في سلالته.

في هذه الأثناء، بدأت تظهر تأثيراتٌ غير متوقعةٍ على حياته في القصر. كان يشعر بأن أعين الناس تراقبه، وأن همساتٍ متفرقةً تتبعه في الممرات. كان ذلك مؤشراً إلى أن أخبار بحثه، وإن كانت غير واضحة، قد بدأت تتسرب.

كان الأمير فارس، ابن عم تركي، من بين الأشخاص الذين لاحظوا هذا التغيّر. فارس، المعروف بطموحه وحذره، كان دائماً ينظر إلى تركي بعينٍ فيها شيءٌ من الريبة.

"سمعت أنك تقضي وقتاً طويلاً في الأرشيف، يا تركي." قال فارس في إحدى اللقاءات الرسمية. "هل تبحث عن شيءٍ مهم؟"

ابتسم تركي ابتسامةً خفيفة. "مجرد اهتمامٍ بتاريخ العائلة، يا فارس. فالتاريخ يحمل لنا دروساً لا تقدر بثمن."

"بالتأكيد." رد فارس، وعيناه تضيقان قليلاً. "لكن البعض قد يجد في التاريخ ما لا يريد الآخرون أن يُكتشف."

شعر تركي بأن فارس يحاول استكشافه، واكتشاف ما الذي يخفيه. كان يعلم أن فارس طموحٌ، وأنه قد يرى في أي اضطرابٍ يزعزع استقرار القصر فرصةً لتحقيق أهدافه.

في جانبٍ آخر من القصة، كانت الأميرة سلمى، التي كانت تكنّ مشاعر قويةً لتركي، تشعر بالضيق والغضب. كانت ترى الابتعاد المستمر لتركي، والغموض الذي يلفه. لم تفهم سبباً لهذا التغيّر، وكانت تخشى أن يكون السبب امرأةً أخرى.

"لماذا تتجنبني يا أمير؟" سألت سلمى تركي في لقاءٍ غير متوقع. "هل هناك ما فعلته، أو ما قلته، أغضبك؟"

نظر تركي إليها، وشعر بالأسف. كان يعلم أن سلمى فتاةٌ طيبةٌ، وأن مشاعرها تجاهه صادقة. لكنه لم يستطع أن يشاركها الحقيقة. لم يكن يعرف حتى الآن ما إذا كان البحث عن ليلى سيؤدي إلى نتائج إيجابية أم سلبية.

"لا يا سلمى، الأمر ليس كذلك." قال تركي بصوتٍ حنون. "أنا مشغولٌ ببعض الأمور الهامة، بعض المسائل التي تخص تاريخ عائلتنا. آمل أن تتفهمي."

"التاريخ؟" كررت سلمى، وظهرت علامات خيبة الأمل على وجهها. "لكنك كنت دائماً تتحدث عن المستقبل، عن بناء مملكةٍ قوية. لماذا أصبحت مهتماً بالماضي الآن؟"

لم يكن تركي يملك إجابةً شافيةً. كان يعلم أن هذا الابتعاد يؤلمها، لكنه شعر بأنه لا يملك خياراً آخر. كان عليه أن يكتشف الحقيقة أولاً.

بينما كان تركي منهمكاً في بحثه، بدأت تظهر له رسائلٌ مبهمةٌ، ورموزٌ غامضةٌ على جدران غرفته، وكأن أحداً يحاول تحذيره. كانت تلك الرسائل تحمل معانيً مزدوجة، بعضها يبدو ودياً، وبعضها الآخر يحمل تهديداً مبطناً.

"يجب أن تتوقف عن البحث، وإلا ستندم."

"الحقيقة قد تكون مؤلمة، فهل أنت مستعدٌ لمواجهتها؟"

"هناك قوىً لا ترغب في أن تُكشف. اختر طريقك بحكمة."

كانت هذه الرسائل تزيد من قلقه، لكنها في نفس الوقت تزيد من تصميمه. كان يشعر بأن هناك أطرافاً أخرى تسعى للتأثير على مسار البحث. من يكونون؟ وما هي مصالحهم؟

في إحدى الليالي، وبينما كان تركي يتأمل في الخارطة القديمة، سمع صوتاً خافتاً قادماً من خارج نافذته. اتجه نحو النافذة، ليجد رجلاً غامضاً يقف في الظلام. كان الرجل يرتدي عباءةً سوداء، وكان وجهه مخفياً في الظل.

"الأمير تركي." قال الرجل بصوتٍ عميقٍ ورخيم. "لقد تجاوزت الحدود. ما تبحث عنه ليس لك."

شعر تركي بالخطر يحيط به. "من أنت؟ وما الذي تريده؟"

"أنا لست سوى ظلٍ لمن لا يريد أن تُكشف أسرارهم." أجاب الرجل. "هذا الماضي يجب أن يظل مدفوناً. إذا واصلت البحث، فستجد نفسك في مواجهةٍ مع قوىً تفوق تصورك."

"لن أتوقف." قال تركي بصلابة. "لقد اكتشفت ظلماً وقع، وعليّ أن أبحث عن الحقيقة."

ضحك الرجل ضحكةً خافتةً. "الحكمة تقتضي التراجع في بعض الأحيان، يا أمير. وإلا، ستكون الخسارة أكبر مما تتخيل."

ثم اختفى الرجل في الظلام، تاركاً تركي في حيرةٍ وقلق. كان يعلم أن هذا لم يكن مجرد تهديدٍ فارغ، بل كان تحذيراً جاداً. كان عليه أن يكون أكثر حذراً، وأن يفكر جيداً في خطواته القادمة.

في تلك اللحظة، أدرك تركي أن صراعه لم يعد مع شبحٍ من الماضي، بل أصبح صراعاً مع حاضرٍ معقد، صراعاً مع قوىً حيةٍ تسعى جاهدةً للحفاظ على أسرارها. كان عليه أن يوازن بين رغبته في العدالة، وبين ضرورة حماية نفسه ومن يحب. كان عليه أن يكتشف طبيعة هذه القوى، وأن يجد طريقةً لمواجهتها دون أن يقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه أجداده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%