قلب الأمير الغائب الجزء الثالث
وهج الأمل في ظلال الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات الصباح العليلة تتسلل عبر نوافذ قصر الأمير فهد، حاملةً معها عبق الياسمين وندى الزهور المتفتحة في حدائق القصر المترامية. لكن هذه الأجواء الرقيقة لم تكن لتزيل الثقل الذي استقر في صدر الأمير، ثقلٌ صنعه حديثه الأخير مع جدته، الأميرة الكريمة. لم يكن الأمر مجرد استعادة لذكريات قديمة، بل كان استحضاراً لواقعٍ لم يكن ليقوى على قبوله بسهولة.
"يا بني،" كانت كلمات جدته تتردد في أذنيه، "الأمير بدر، والدك، لم يكن مجرد حاكمٍ قوي، بل كان رجلاً يدرك قيمة الوفاء والعهد. قضية الأميرة ليلى لم تكن مجرد نزاعٍ عائلي، بل كانت مسألة شرفٍ وديعةٍ في عنقه. لم يتدخل إلا بعد أن تأكد من أن الحق معها، وأن مصالح شعبنا كانت مهددة."
أغمض فهد عينيه، متذكراً تلك الصورة الباهتة لوالده، رجلٌ اتسم بالحكمة والرزانة، وقد سمع عنه الكثير من القصص التي تبرز عدله وإنصافه. لكنه لم يدرك يوماً عمق هذه المسألة، ولا الأبعاد السياسية والدبلوماسية التي اكتنفتها. بدا الأمر وكأن التاريخ يطرق بابه مجدداً، يطالبه بفهمٍ أعمق لما حدث، وبإعادة تقييم لوجهة نظره التي ظلت حبيسة سنواتٍ طويلة.
في الغرفة المجاورة، كانت الأميرة نورة، خطيبة فهد، تستيقظ على شعاع شمسٍ ساطعٍ يتسلل من خلال ستائرها. جلست على طرف السرير، متأملةً رقعة التطريز التي كانت قد وضعتها بجوارها. كانت قد وعدت جدتها الأميرة بالانتهاء منها قبل موعد إعلان الخطوبة الرسمي، وهي لم تكن لتخلف بوعدها. تطريزٌ بسيطٌ لزهرة الرمان، رمزٍ للخصوبة والحياة، ولكنها أرادت أن تحمل هذه الزهرة معاني أعمق، معاني الفرح والأمل الذي بدأ ينمو في قلبها ببطء.
كانت العلاقة بينها وبين الأمير فهد تسير بخطى ثابتة، خطىً لم تكن لتسمح بالعجلة، بل اعتمدت على التفاهم المتبادل والاحترام العميق. كانت تدرك تماماً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ليس فقط كأميرٍ يحكم، بل كشخصٍ يحمل إرثاً عائلياً ثقيلاً. كانت تراه أحياناً شارد الذهن، مثقلاً بالهموم، وتتمنى لو أنها تستطيع أن تخفف عنه، أن تشاركه عبء ما يمر به.
في قصر عمها، الأمير سلطان، كانت الأمور تسير بوتيرة مختلفة. كان الأمير سلطان، المعروف بطموحه الجامح ورغبته في تعزيز نفوذه، ينظر إلى خطوبة فهد ونورة كخطوةٍ استراتيجيةٍ بالغة الأهمية. كانت عائلتها، عائلة آل شهاب، ذات مكانةٍ مرموقةٍ ولها علاقاتٌ قويةٌ في الأوساط التجارية والسياسية.
"يا بني،" قال الأمير سلطان لابنه، الأمير خالد، وهو يحتسي قهوته العربية المرة، "هذه الخطوبة ستزيد من قوة فهد، وبالتالي ستزيد من قوتنا. نحن بحاجةٍ إلى تحالفاتٍ قويةٍ في هذه المرحلة، وفهد يدرك ذلك. لا تدع أي شيءٍ يعكر صفو هذه العلاقة."
كان الأمير خالد، شابٌ في ريعان شبابه، يمتلك طموحاً مشابهاً لطموح والده، ولكنه كان يتسم ببعض التهور وعدم الحذر. كان يرى في الأمير فهد منافساً، ولكنه كان في الوقت نفسه يدرك أن هذا التنافس يجب أن يكون ضمن إطارٍ مقبولٍ قانونياً وسياسياً.
"أبي،" أجاب خالد، "أنا أفهم. لكنني أشعر أن هناك أموراً تخفى علينا. فهد يبدو مشغولاً بأمرٍ ما، وأنا لست متأكداً مما هو. هل تعتقد أنه قد يكون هناك شيءٌ يتعلق بقضية الأميرة ليلى؟"
عبس وجه الأمير سلطان قليلاً. "قضية الأميرة ليلى؟ هذه مسألةٌ قديمةٌ جداً. لا أعتقد أن لها أي علاقةٍ بما يحدث الآن. ركز على مهامك، وعلى تعزيز علاقاتك. هذا هو الأهم."
في إحدى أزقة المدينة القديمة، حيث تتشابك الحارات الضيقة وتتلاصق البيوت الأثرية، كانت زينب، خادمة الأميرة ليلى السابقة، تعيش حياةً بسيطةً وهادئة. كانت تعمل في سوق الخضار، تبيع ما تنتجه من أرضٍ صغيرةٍ ورثتها عن والديها. كانت قد تجاوزت سنوات الشباب، ولكن عينيها ما زالتا تحملان بريقاً من الحكمة والخبرة.
في أحد الأيام، وبينما كانت تضع بضاعتها أمام دكانها، مرت بها سيدةٌ ذات هيبةٍ ووقار، يرافقها اثنان من الحرس. توقفت السيدة، ونظرت إلى زينب بعمق.
"هل أنتِ زينب؟" سألت بصوتٍ هادئٍ ولكنه مفعمٌ بالسلطة.
ارتعشت زينب قليلاً. لم تتعرف على السيدة، ولكن نظراتها كانت تحمل شيئاً مألوفاً. "نعم، أنا زينب. تفضلي."
"أنا الأميرة الكريمة، جدة الأمير فهد."
اتسعت عينا زينب بصدمةٍ وفرح. لم ترَ الأميرة الكريمة منذ سنواتٍ طويلة. "سمو الأميرة! كيف لي أن أخدمك؟"
"أريد أن أتحدث معكِ. هل لديكِ متسعٌ من الوقت؟"
جلست الأميرة الكريمة مع زينب في زاويةٍ هادئةٍ من السوق، بعيداً عن الأعين. بدأت الأميرة الكريمة بسؤال زينب عن حياتها، عن ماضيها، وعن أيامها مع الأميرة ليلى. كانت زينب تحكي بصراحةٍ وصدق، وعيناها تدمعان أحياناً وهي تستعيد ذكرياتٍ عزيزة.
"يا زينب،" قالت الأميرة الكريمة بعد فترةٍ من الصمت، "لقد مرت سنواتٌ طويلةٌ على وفاة الأميرة ليلى. ولكن القصة التي تناقلتها الألسن ليست هي القصة الحقيقية. أعرف أنكِ كنتِ قريبةً منها، وأنكِ تعرفين الكثير. هل تستطيعين أن تخبريني بالحقيقة؟ الحقيقة كاملةً؟"
نظرت زينب إلى الأميرة الكريمة، ورأت في عينيها صدقاً وشوقاً لا يمكن إنكاره. أدركت أن الوقت قد حان، وأن عبء السر الذي حملته طويلاً بدأ يثقل كاهلها.
"سمو الأميرة،" بدأت زينب بصوتٍ مرتعش، "لقد عشتُ مع الأميرة ليلى أياماً لم أنسها أبداً. لقد كانت إنسانةً عظيمة، وفقدانها كان خسارةً كبيرةً لنا جميعاً. أما عن الحقيقة، فهي أكبر وأعقد مما يظن الجميع. وهناك تفاصيلٌ لم يجرؤ أحدٌ على البوح بها."
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلالها الطويلة على أسطح المنازل. في قصر الأمير فهد، كان الأمير يتلقى تقريراً من رئيس حراسه.
"مولاي،" قال رئيس الحراس، "لقد تأكدنا من معلوماتنا. هناك شخصٌ جديدٌ ظهر في المدينة، شخصٌ يدعي أنه تاجرٌ قادمٌ من أراضي بعيدة، ولكنه لا يبدو عليه ذلك. حركاته مشبوهة، ويتردد على أماكنٍ لا تليق بتاجرٍ من هذا النوع."
شعر فهد بوخزةٍ من القلق. هل لهذا الأمر علاقةٌ بما كانت جدته تلمح إليه؟ هل هناك من يحاول التدخل في شؤون المملكة، أو في مستقبله؟
"من هو هذا الشخص؟" سأل فهد بجدية.
"لا نعرف هويته الحقيقية بعد، مولاي. ولكنه يستخدم اسماً مستعاراً، ويبدو أنه يبحث عن شيءٍ ما."
أومأ فهد برأسه. "راقبوه عن كثب. أريد أن أعرف كل شيءٍ عنه. ولا تدعوه يشعر بأننا نراقبه. أي خطأٍ قد يكلفنا غالياً."
في تلك الليلة، بينما كان القمر يلقي بضوئه الفضي على أرجاء القصر، كان فهد جالساً في مكتبه، يتأمل الخريطة القديمة للمملكة. كانت قصة الأميرة ليلى، وتلك الحادثة التي غيرت مجرى حياته، ما زالت تلاحقه. بدأ يشعر أن هناك خيوطاً متشابكةً قد لا تكون واضحةً للجميع، وأن هناك من يخطط في الخفاء.
لقد استيقظت في داخله رغبةٌ دفينةٌ في كشف كل الغموض، في فهم ماضيه لكي يستطيع بناء مستقبله. كانت الأميرة نورة، بخطبتها، تمثل له بدايةً جديدة، ولكن هذه البداية لا يمكن أن تبنى إلا على أساسٍ من الحقيقة والعدالة.
كانت جدته على حق. كان عليه أن يبحث، أن يفهم، وأن يعرف. لأن قلب الأمير الغائب لم يكن مجرد أسطورة، بل كان واقعاً يحتاج إلى البحث عن خفاياه.