الفصل 1 / 25

الحب المستحيل

خفقان في قلب المدينة الصامتة

بقلم سارة العمري

كانت الشمس قد مالت غربًا، ترسم خطوطًا ذهبية على أسطح المنازل القديمة في حي "الزاوية"، حيٌّ تغفو فيه الحكايات القديمة وتتناقل فيه الألسن ما لم يُرَ. في إحدى هذه الأزقة الضيقة، التي تفوح منها رائحة الياسمين والخبز الطازج، كانت "ليلى" تسير بخطواتٍ سريعة، تحمل بين يديها سلةً قماشيةً تفوح منها رائحة الأعشاب العطرية. لم تكن خطواتها تحمل ثقلًا عاديًا، بل كان يرافقها صدى قلبٍ يخفق بعنفٍ، كطائرٍ محبوسٍ يتوق للحرية.

كانت "ليلى" فتاةً لم تتجاوز العشرين ربيعًا، لكن عينَيها الواسعتين، السوداوين كليلٍ بلا قمر، تحملان حكمةً لا تتناسب مع عمرها. كانت تملك تلك الهالة الهادئة التي تجعل من حولها يشعرون بالسكينة، لكن في داخلها كانت تتأجج عواصف لم يستطع أحدٌ رؤيتها. اليوم، كان لهذه العواصف صوتٌ أعلى من المعتاد.

اقتربت من دار "آل اليافعي"، وهي دارٌ عريقةٌ كعراقة المدينة نفسها، معروفةٌ بأهلها الكرام ومراتبهم الرفيعة. كانت مهمتها بسيطة، توصيل بعض الأعشاب الطبية التي طلبتها السيدة "أمينة"، والدة "خالد". "خالد"، الاسم الذي بات صداه يتردد في أرجاء قلب "ليلى" كترنيمةٍ مقدسة.

وقفت أمام الباب الخشبي الكبير، الذي نُقشت عليه زخارفٌ إسلاميةٌ دقيقة، تلتمس من الله الثبات. استنشقت عبق بخور العود الذي يتصاعد من الداخل، شعرت بأنفاسها تتسارع. طرقت الباب طرقًا خفيفًا، طرقٌ يكتنفه الاحترام والخشية.

فتحت الباب خادمةٌ عجوزٌ، وجهها كساه التجاعيد كخريطةٍ زمنيةٍ لقصصٍ لا تُحصى. ابتسمت "ليلى" ابتسامةً خجولة، وقالت بصوتٍ هادئ: "السلام عليكم. جئتُ بسلة الأعشاب للسيدة أمينة."

"وعليكم السلام يا ابنتي"، قالت العجوز بصوتٍ أجش، "تفضلي بالداخل. السيدة تنتظرك."

دخلت "ليلى" إلى صحن الدار الواسع، الذي تتوسطه نافورةٌ ماؤها ينساب بهدوء، وتُحيط به غرفٌ ذات نوافذٍ مقوسة. كانت رائحة الهيل والقهوة تفوح في المكان، ممزوجةً بعبق الورود المتفتحة. نظرت حولها، قلبها يدق بجنون، كأنها تخشى أن ترى وجهًا لا تريده، أو أن لا ترى وجهًا تنتظره.

"أهلاً وسهلاً بليلى"، صوتٌ دافئٌ وأصيلٌ اخترق صمت المكان، إنه صوت السيدة "أمينة"، امرأةٌ ما زالت تحتفظ بجمالٍ لافتٍ رغم تقدم السن، وفي عينيها بريقٌ من حكمةٍ وشفقة.

"أهلاً بكِ يا سيدتي"، قالت "ليلى" وهي تقترب، تضع السلة على طاولةٍ خشبيةٍ مزخرفة. "أتيتُ بما طلبتِ. أتمنى أن تكوني قد شفيتِ تمامًا."

"الحمد لله، بفضلكِ وبفضل أعشابكِ الطيبة. لقد شفيتُ بسرعةٍ بفضل الله ثم بفضلكِ يا ابنتي. أنتِ كنزٌ حقيقي." قالت السيدة أمينة بصدقٍ، وامسكت بيد "ليلى" لتُديم النظر إليها. "ليلى، أريدكِ أن تجلسي قليلاً، أليس لديكِ ما تفعلينه؟"

شعرت "ليلى" بتوترٍ مفاجئ. كانت دائمًا تذهب وتعود بسرعة، فوجودها في هذا المكان كان أشبه بالتسلل إلى عالمٍ ليس عالمها. "لا يا سيدتي، لدي بعض الأعمال في المنزل."

"لا تذهبي، أريدكِ أن تُرييني هذه الأعشاب عن قرب. لطالما أدهشتني معرفتكِ بهذه النباتات، وكيف تستطيعين تمييزها وجمعها. أين تعلمتِ كل هذا؟" سألت السيدة أمينة، وبدا عليها الفضول الحقيقي.

كانت "ليلى" قد تعلمت كل شيءٍ عن الأعشاب من جدتها، التي كانت طبيبةً شعبيةً معروفةً في قريتها البعيدة. لقد ورثت منها شغفها بالنباتات وقدرتها على فهم لغة الطبيعة. "تعلمتُ من جدتي، رحمة الله عليها. كانت امرأةً حكيمةً وعالمة."

"رحمها الله. ولكن يبدو أنكِ لم ترثي منها المعرفة وحدها، بل ورثتي منها أيضًا تلك الروح الهادئة والقلب الطيب." قالت السيدة أمينة، ومررت أصابعها برفقٍ على وجنة "ليلى".

في هذه اللحظة، دخل "خالد" إلى الصحن. كان شابًا في منتصف العشرينات، قامةٌ فارعةٌ، وسمارٌ يميل إلى اللون الذهبي، وملامحٌ وسيمةٌ لا تخلو من صلابةٍ ورزانة. كان يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا، وعمامةً سوداء تلف رأسه بإتقان. كان حضوره يملأ المكان هيبةً وجاذبية.

توقفت "ليلى" عن الكلام، حبست أنفاسها. لم ترَ "خالد" إلا مراتٍ قليلةٍ من بعيد، ومن خلف حجابٍ من الاحترام والمسافة. كانت تراقب اهتمامه بالفقراء، وتبرعه للمساجد، وسعيه الدائم للإصلاح. كل ما سمعته عنه، وكل ما لمحتْه من بعيد، قد نسج في مخيلتها صورةً لرجلٍ مثالي، رجلٌ لا يوجد إلا في الأحلام.

نظر "خالد" إلى والدته، ثم التفت نحو "ليلى". توقف للحظة، وكأن عينيه قد استقرتا عليها. شعر "ليلى" أن نظراته تخترق روحها، وكأنها للمرة الأولى تُرى حقًا. شعر بقلبها الذي بدأ يتسارع، بصمتٍ، ولكنه يتسارع.

"أمي، هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل "خالد" بصوتٍ عميقٍ وهادئ، وقد لاحظ وقفة والدته واهتمامها بـ"ليلى".

"نعم يا بني، كل شيءٍ على ما يرام. هذه "ليلى"، الفتاة التي أتحدث إليك عنها كثيرًا، التي أحضرت لي الأعشاب الشافية. إنها فتاةٌ رائعةٌ يا خالد، وذكيةٌ جدًا." قالت السيدة أمينة، وقد بدت عليها سعادةٌ غامرة.

ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجه "خالد". "تشرفتُ بمعرفتكِ يا آنسة ليلى." قال "خالد" بكلماتٍ موزونة، ومرر نظره نحوها بنوعٍ من التقدير.

"الشرف لي يا سيد خالد." ردت "ليلى" بصوتٍ لا يكاد يُسمع، وقد احمرّ وجهها.

تحدثت السيدة أمينة عن جمال الأعشاب، وعن فوائدها، ثم استدركت لتسأل "ليلى" عن أسرتها، وعن حال قريتها. حاولت "ليلى" الإجابة بهدوءٍ، لكن كل كلمةٍ كانت تبدو لها صغيرةً وضئيلةً أمام هذا الكم الهائل من المشاعر التي كانت تعصف بداخلها.

لم تستطع "ليلى" أن تفهم لماذا كان وجود "خالد" هنا بهذه اللحظة مؤثرًا بهذا القدر. لم يكن لديهما أي علاقةٍ رسمية، ولم يكن هناك أي وعدٍ أو اتفاق. ومع ذلك، شعرت بأن هذا اللقاء، مهما كان قصيرًا، يحمل في طياته شيئًا عظيمًا. كانت ترى في عينيه احترامًا، وفي كلماته لطفًا، وفي حضوره هدوءًا.

بعد فترةٍ قصيرة، استأذنت "ليلى" للذهاب. شكرتها السيدة أمينة بحرارة، ووعدت "ليلى" بزيارتها قريبًا. خرجت "ليلى" من دار "آل اليافعي" وقلبها ما زال يخفق، لكن هذه المرة، لم يكن الخفقان خوفًا، بل كان مزيجًا من الحيرة، والأمل، وشعورٍ غريبٍ بالارتباط.

عادت تسير في أزقة "الزاوية" الهادئة، لكن المدينة لم تعد صامتةً بالنسبة لها. كل زاويةٍ، كل حجرٍ، كل نسمةٍ تحمل ذكرى "خالد". كان هذا اللقاء كشرارةٍ أشعلت نارًا خفيةً في أعماق روحها. كان بدايةً لشيءٍ لا تعرف ما هو، لكنها شعرت أنه سيغير حياتها إلى الأبد.

كانت الشمس قد بدأت تغيب تمامًا، مخلفةً وراءها سماءً بلون البرتقالي والأرجواني. رفعت "ليلى" وجهها نحو السماء، وتمنت بصدقٍ أن يكون ما شعرت به اليوم ليس مجرد وهمٍ عابر. في قلبها، بدأت تتشكل صورةٌ جديدة، صورةٌ لرجلٍ يحمل اسم "خالد"، صورةٌ ربما تكون قادرةً على تحويل هذا الحب المستحيل إلى حقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%