الفصل 10 / 25

الحب المستحيل

همسات القلب بين أروقة الماضي

بقلم سارة العمري

كانت رائحة البخور تعبق في أرجاء قصر العائلة، مزيجاً من العود والصندل، تفوح أريجها مع كل حركة من حركات الخدم، لترسم لوحة حسية تستنشقها "ليلى" كلما وطأت قدماها هذا المكان المهيب. لكن هذه المرة، لم يكن البخور كافياً ليخفي قلقاً يتسلل إلى أعماق روحها. كانت تقف أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، تعكس صورتها وجهها الشاحب الذي تخالطه حمرة خفيفة من التوتر. يدها ترتعش وهي تمررها فوق قماش ثوبها الجديد، ثوبٌ اختارته بعناية فائقة، ليليق بمناسبة "نور".

"نور"، حفيدة العم الأكبر، وصديقة الطفولة الأقرب إلى قلب ليلى. كانت هذه الليلة موعداً لخطبتها من "عمر"، الشاب النبيل الذي لطالما سمعت عنه الكثير، ولكن لم تقابله قط. كانت سعادة نور تملأ المنزل، ولكن في قلب ليلى، كان هناك صراع صامت.

تذكرت ليلى الأيام الخوالي، أيام كانت فيها هي ونور تتنافسان على إرضاء جدتيهما، وأيام كانت فيها أحلامهما متشابهة، بسيطة وعميقة. كانت تتذكر عندما كانتا تتشاركان أسرارهما تحت سماء مرصعة بالنجوم، ووعدتا بعضهما بأن يبقيا سنداً لبعض الآخر مهما حدث. واليوم، تقف نور على عتبة حياة جديدة، حياة اختارها لها والداها، حياة تبدو مثالية على الورق.

"هل أنتِ مستعدة يا حبيبتي؟" صوت والدتها، "أمينة"، كسر صمت الغرفة. دخلت أمينة، امرأة في منتصف العمر، تحمل في عينيها دفء الأمومة وحكمة السنين. ابتسمت أمينة لليلى، محاولةً إخفاء قلقها الذي لم تكن ليلى بغافلة عنه.

"كثيراً ما أتمنى أن يكون العالم أبيض وأسود يا أمي، وأن لا تكون هناك تلك الظلال الرمادية التي تخنق الأنفاس." قالت ليلى بصوت خافت، وعيناها معلقتان بصورتها في المرآة.

"الحياة يا صغيرتي ليست كذلك، ولكنها أيضاً ليست كلها ظلام. هناك دائماً نور، حتى في أشد الليالي سواداً. وخطوبة نور هي بداية نور جديد لها." ردت أمينة بحنان، واقتربت لتمسك بيد ابنتها. "أتفهم قلقك، ولكنها مناسبة سعيدة. ودعينا نحتفل بسعادة نور."

انحنت ليلى برأسها موافقة، ولكن قلبها ظل ثقيلاً. كان القلق يتركز حول "خالد"، ابن عمها، الذي كان على وشك العودة من الخارج بعد سنوات طويلة. لم تكن تعلم كيف ستكون ردة فعله على هذه الخطوبة، خاصة وأنها كانت تتذكر همساتهم قبل رحيله. همسات لم يكتمل معناها، ووعد لم تتضح تفاصيله.

"هل وصل خالد؟" سألت ليلى فجأة، وكان صوتها يحمل نبرة غريبة. "لم يصل بعد، ولكن من المتوقع وصوله غداً. لماذا تسألين؟" قالت أمينة، وهي تدرس وجه ابنتها بعين فاحصة.

"لا شيء، فقط فضول." تلعثمت ليلى، محاولةً استعادة هدوئها. كان خالد بالنسبة لها، وما زال، جزءاً من نسيج ذكرياتها، جزءاً ترك فيه بصمة لا تمحى. كان يمثل لها مرحلة مضيئة في حياتها، مرحلة من الشغف والمشاعر البريئة التي لم تتح لها الفرصة لتنمو.

نزلت ليلى مع والدتها إلى قاعة الاستقبال. كان المكان يعج بالحياة، أصوات الضحكات والمحادثات تتداخل مع موسيقى هادئة. استقبلتها نور بابتسامة واسعة، وعانقتها عناقاً قوياً. "ليلى! أخيراً! كنت أنتظرك!" قالت نور بفرح.

"مبروك يا حبيبتي. أتمنى لك كل السعادة." قالت ليلى، وهي تحاول بث مشاعرها الصادقة رغم كل ما يجول في خاطرها. "وماذا عنك؟ متى نرى ليلى في قفص الحب؟" داعبت نور ليلى، وهي تغمز لها. احمر وجه ليلى قليلاً. "الأيام كفيلة بذلك."

جلست ليلى بجوار نور، تستمع إلى أحاديث الضيوف، وتشاهد عن قرب التحضيرات النهائية. لاحظت "فاطمة"، جدة نور، وهي امرأة وقورة ذات حضور قوي، تتجه نحوها.

"كيف حالك يا ابنتي؟" قالت فاطمة بصوت حنون، ولكن عينيها كانت تراقبها بتمعن. "بخير والحمد لله يا جدتي. ومساء سعيد." "مساء الأنوار. أشعر بقلق في عينيك، هل كل شيء على ما يرام؟" "مجرد بعض الأفكار تساورني. أتمنى أن تكون هذه الليلة مليئة بالخير والبركات."

"بالتأكيد ستكون. نور سعيدة، وهذا هو الأهم. عمر شاب صالح، وسيكون لها خير زوج. والحمد لله أن الأمور تسير وفق ما يرضي الله ورسوله." قالت فاطمة، وكانت كلماتها تحمل رسالة واضحة.

"ولكن ألم تشعرين يوماً بأن الاختيار يجب أن يأتي من القلب، وليس فقط من العقل؟" قالت ليلى، دون تفكير، كانت الكلمات تخرج منها كأنها موجة لا يمكن إيقافها. نظرت فاطمة إليها بدهشة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة تحمل في طياتها حكمة عميقة. "القلب يا ابنتي، هو أشد ما يحتاج إلى توجيه العقل. والعقل السليم هو الذي يضع رضى الله وراحة الأهل نصب عينيه. الحب الحقيقي يا ليلى، ينمو ويتجذر في بيت الزوجية، ويبنى على المودة والرحمة، وليس على مجرد نزوة عابرة."

كانت كلمات فاطمة كالنبل الذي اخترق قلب ليلى. كانت تعلم أن جدتها على حق، وأن ما تشعر به قد يكون مجرد مشاعر طفولية لم تنضج بعد. لكن كيف تشرح لقلبها النابض بمشاعر قديمة؟

في تلك اللحظة، دخل "أحمد"، والد عمر، برفقة ابنه. كان عمر شاباً وسيماً، يتمتع بملامح هادئة، ونظرة توحي بالاحترام والوقار. صافح أحمد والد ليلى، ثم توجه نحو العائلة. عندما رأى نور، ابتسم لها ابتسامة دافئة، ابتسامة فيها الكثير من الود والتقدير.

قدم عمر نفسه لليلى ولأفراد العائلة، وكانت كلماته مهذبة ومليئة بالاحترام. لم تستطع ليلى إلا أن تلاحظ هدوءه وثقته بنفسه. كان يبدو كالشخص الذي يمكن الاعتماد عليه.

"ليلى، هذا عمر، خطيب نور." قدمتها نور. "أهلاً بك سيد عمر. أبارك لكم." قالت ليلى، وهي تبادله التحية. "شكراً جزيلاً لك. أتمنى أن تسعدي بتواجدك معنا." قال عمر، وكانت نظرته تحمل شيئاً من الفضول.

لم تستطع ليلى إلا أن تشعر بشعور غريب. لم يكن شعوراً بالضيق، ولا بالراحة التامة. كان شعوراً بالترقب، وكأنها تقف على مفترق طرق، لا تعرف أي طريق ستسلك.

كانت ليلة مليئة بالأفراح والهدايا، ولكن في زاوية بعيدة من القاعة، كانت ليلى تشعر بأنها غريبة عن كل هذا البهجة. كانت تفكر في الغائب الذي لم يصل بعد، في "خالد"، وفي ماضي كان يحمل وعداً لم يكتمل. هل يمكن لقلبها أن يجد طريقه بين الظلال الرمادية، أو أن تظل تبحث عن نور خافت في ماضٍ لم يعد موجوداً؟

انتهت الخطوبة، وبدأ الضيوف في الانصراف. وقفت ليلى على الشرفة، تستنشق هواء الليل المنعش. كانت النجوم تتلألأ في السماء، وكأنها تشاركها أسرارها. تنهدت ليلى بعمق، وهي تتساءل عن الغد. الغد الذي يحمل معه عودة خالد، والغد الذي يحمل معه بداية جديدة لنور، والغد الذي قد يحمل لها مفاجآت لم تتوقعها.

نظرت إلى يدها، ورأت الخاتم الذي وضعته جدتها هدية لها كنوع من التذكار، خاتم بسيط مرصع بحجر أزرق. تذكرت كلمات فاطمة: "الحب الحقيقي ينمو ويتجذر في بيت الزوجية". هل يمكن للحب أن ينمو في قلبها، في ظل ظلال الماضي، وفي ظل حاضر يبدو هادئاً ولكنه يحمل في طياته الكثير؟

شعرت بلمسة خفيفة على كتفها. التفتت لتجد والدتها تقف بجانبها. "ما زلت هنا؟" سألت أمينة بلطف. "كنت فقط أتأمل النجوم." "والقلب؟" سألت أمينة، وعيناها تلمعان بمعرفة. ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. "القلب يا أمي، يحتاج إلى وقت ليتحدث." "وإن تحدث؟" "حينها سأسمعه." احتضنت أمينة ابنتها. "مهما كان حديث قلبك، اعلمي أنني معك. وكل ما نتمناه لك هو السعادة، السعادة الحلال التي ترضي الله."

في تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة تقترب. قلبها قفز. هل يمكن أن يكون قد وصل؟ هل يمكن أن يكون "خالد" قد عاد؟ كانت تلك اللحظة، لحظة صمت وليلة هادئة، تحمل في طياتها بداية فصل جديد، فصل لا تعرف نهايته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%