الفصل 11 / 25

الحب المستحيل

لقاء الذكريات ووشوشات القدر

بقلم سارة العمري

كان الهواء لا يزال يحمل بقايا عطر البخور، لكنه هذه المرة اختلط بنسيم الليل الذي حمل معه نسمات من الأمل الممزوج بالرهبة. كان قلب ليلى ينبض بإيقاع متسارع، كطبول حرب خفية، مع كل اقتراب للسيارة القادمة. لا تعرف لماذا، ولكن عودة "خالد" أصبحت تشغلها أكثر من مجرد واجب اجتماعي. لقد ترك رحيله فراغاً لم تدرك عمقه إلا الآن، فراغاً ملؤه أسئلة لم تجد لها إجابات.

كانت تقف بجوار والدتها أمينة على الشرفة، وكأنها تستمد منها القوة. لم تنطق بكلمة، ولكن عينيها كانت تتحدث بلغة الشوق والقلق. توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة القصر، وأضاءت أضواؤها العالية واجهة المنزل، كأنها تكشف عن بداية مشهد مسرحي طال انتظاره.

خرج رجل طويل القامة، وسيماء، يحمل في ملامحه مزيجاً من الجدية والود. كان "خالد". عندما رفع رأسه، التقت عيناه بعيني ليلى. للحظة، بدا الزمن وكأنه توقف. في عينيه، رأت ليلى نفس البريق الذي عرفته، نفس الدفء الذي كان يشعل شرارة في روحها. بدا خالد متأثراً أيضاً، فقد كانت نظراته تحمل شيئاً من المفاجأة، وشيئاً من الحنين.

"الحمد لله على السلامة يا خالد." نادت أمينة، محاولةً كسر حاجز الصمت. "الله يسلمك يا خالتي." رد خالد بصوت عميق، وحينما وجه حديثه إلى ليلى، أضاف: "ليلى، كيف حالك؟" "بخير والحمد لله. أنت كيف حالك؟ رحلة موفقة؟" أجابت ليلى، وكان صوتها يحمل نبرة ترتجف قليلاً. "الحمد لله. السفر كان طويلاً، ولكنه مثمر."

اصطحب أحمد، والد ليلى، خالد إلى الداخل. تبعتهما ليلى وأمينة. كان خالد ينظر حوله، وكأنه يعود إلى عالم آخر. مرّت سنوات، ولكن أصداء الماضي كانت لا تزال تتردد في أروقة هذا القصر.

"لقد مرت سنوات يا خالد. يبدو أنك تغيرت كثيراً." قالت ليلى، وهي تحاول استعادة هدوئها. "الحياة يا ليلى تغير كل شيء. ولكن بعض الأشياء تبقى راسخة." قال خالد، ونظرته عادت لتقع على عينيها. كان في نظرته تلك الرسالة التي لم تفهمها ليلى تماماً.

جلسوا في صالة الاستقبال. بدأت الأحاديث تدور حول رحلة خالد، وعمله، ومن ثم انتقلت إلى أخبار العائلة. ولكن ليلى كانت تشعر وكأنها تعيش في عالم موازٍ، عالم تعيش فيه لحظات الماضي مع خالد، لحظات كانت فيها مشاعرهما متشابكة.

تذكرت ليلى يوم رحيل خالد. كانت في المدرسة، عندما سمعت الخبر. شعرت وكأن قطعة منها قد اقتلعت. كانا قد وعدا بعضهما بأن يتقابلا عند شجرة السدر العتيقة، ليودعها، وليودع معها حلماً بريئاً. ولكنه لم يأتِ. قالوا له أن سفره ضروري، وأن عليه المغادرة فوراً. لم تسمع منه كلمة وداع.

"كنت أتمنى أن أراك قبل رحيلي، لكن الظروف لم تسمح." قال خالد فجأة، وكأنه يقرأ أفكارها. "ولماذا لم ترسل لي رسالة؟ أو تتصل؟" سألت ليلى، وكانت نبرتها تحمل شيئاً من العتاب. "كنت صغيراً يا ليلى. والمشاعر كانت أكبر مني. لم أكن أعرف كيف أعبر عنها، أو كيف أتصرف." تنهد خالد. "ولكنني لم أنساك أبداً. ظلت ذكراك في قلبي، وفي عقلي."

كانت كلماته كالسحر. شعرت ليلى بنبضات قلبها تتزايد. هل يمكن أن تكون مشاعرها تجاه خالد مجرد ذكريات طفولة، أم أنها تحمل معنى أعمق؟

"وماذا عنك؟ هل لكِ أخبار سعيدة؟" سأل خالد، محاولاً تغيير مسار الحديث. "خطوبة نور كانت أمس. فرح كبير للعائلة." قالت ليلى، وشعرت بثقل في حلقها. "نعم، سمعت. خطوبة مباركة. عمر شاب معروف بالتقوى والأخلاق."

كلمة "التقوى" و"الأخلاق" جعلت ليلى تشعر ببرودة مفاجئة. كانت تدرك أن عمر شخص مناسب، ولكن قلبها كان يرفض هذه الفكرة. هل هو مجرد تعلق بالماضي، أم أنه إحساس داخلي بأن هذا الزواج ليس هو القدر الذي تنتظره؟

"أتعلمين يا ليلى، عندما كنت بعيداً، كنت أتمنى دائماً أن أجدكِ في انتظاري هنا. أن نلتقي، وأن تكون مشاعرنا قد نضجت." قال خالد، وعيناه تخترقان عينيها. "مشاعرنا؟" كررت ليلى، وكان صوتها يكاد يكون همساً. "نعم، مشاعرنا. تلك التي بدأت تتفتح في قلبينا في أيامنا الأولى. هل تتذكرين؟"

تذكرت ليلى. تذكرت كيف كانا يتقابلان سراً، وكيف كانا يتبادلان الهدايا الصغيرة، وكيف كانت نظراتهما تحمل أسراراً. كانت تلك الأيام، أيام البراءة والشغف.

"كانت أياماً جميلة." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع. "ولكنها لم تكن نهاية القصة. أنا أؤمن بذلك." قال خالد، ويداه تقبضان على أطراف ثوبه.

في هذه الأثناء، دخل أحمد إلى الصالة. "خالد، لقد تعبت من السفر. لماذا لا تأخذ قسطاً من الراحة؟ الغرفة جاهزة لك." "شكراً يا عمي." رد خالد، ونظر إلى ليلى بنظرة أخيرة قبل أن يغادر.

ظلت ليلى جالسة، تشعر وكأنها فقدت القدرة على الحركة. كانت كلمات خالد لا تزال ترن في أذنيها. "لم تكن نهاية القصة." هل يمكن أن تكون هذه الكلمات إشارة إلى مستقبل جديد؟ أم أنها مجرد محاولة لاستعادة ماضٍ مضى؟

"ماذا حدث؟" سألت أمينة، وهي تجلس بجوارها. "لا شيء يا أمي. مجرد ذكريات." "ذكريات مؤلمة؟" "ذكريات جميلة، ولكنها مؤلمة في غياب صاحبها."

"والآن صاحبها عاد. هل هذه فرصة جديدة؟" سألت أمينة، وكان سؤالها يحمل الكثير من الحكمة. "لا أعرف يا أمي. قلبي في حيرة. أشعر وكأنني أقف على أرض هشة. لا أدري إلى أين ستأخذني." "القلب يا ليلى، عندما يكون صادقاً، سيجد طريقه. ولكن يجب أن تكوني صادقة مع نفسك، ومع مشاعرك. وأن تضعي رضى الله نصب عينيك."

نظرت ليلى إلى والدتها. كانت تعرف أن والدتها لا تتدخل في شؤونها، ولكنها كانت دائماً تقدم لها النصيحة الصادقة. "أريد أن أتأكد يا أمي. أريد أن أفهم ما أشعر به حقاً." "وفي سبيل الفهم، لا تفقدي البوصلة. الدنيا لا تدوم، والسعادة الحقيقية في الآخرة، ولكننا نسعى للسعادة في هذه الدار بما يرضي الله."

ذهبت ليلى إلى غرفتها. ألقت بنفسها على السرير، وعيناها تحدقان في السقف. كانت عودة خالد قد قلبت حياتها رأساً على عقب. لم تعد الأمور كما كانت. كان هناك شيء جديد، شيء قوي، شيء يجمع بين الماضي والحاضر، شيء يهدد بإشعال نار الشكوك في قلبها.

كانت تتساءل: هل الحب الذي كان بينهما في الصغر، والذي ظل خامداً كل هذه السنوات، يمكن أن يعود ليشتعل من جديد؟ وهل هذا الحب، إذا عاد، سيكون حلالاً؟ وهل يمكن أن يتوافق مع واقع نور وعمر؟

في تلك اللحظة، رأت صورة قديمة لها ولخالد، كانت ملقاة على رف الكتب. تذكرت تلك الابتسامة البريئة، وتلك النظرات المليئة بالحياة. أخذت الصورة، وعانقتها. كان هذا اللقاء، لقاء الذكريات، قد فتح باباً في روحها، باباً كان موصداً منذ زمن طويل. هل ستجرؤ على فتحه؟ وهل ستجد خلفه ما تريده؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%