الفصل 12 / 25

الحب المستحيل

في متاهة الشكوك ونوايا مبيتة

بقلم سارة العمري

كان الصباح قد بزغ، ونشر خيوطه الذهبية على نوافذ قصر العائلة، ولكن في روح ليلى، كان الظلام لا يزال يخيّم. ليلة أمس كانت أشبه بحلم غريب، حلم كانت فيه الأطياف تتراقص، والكلمات تحمل ألف معنى. عودة خالد، وكلماته، ونظراته، كل ذلك كان قد أحدث زلزالاً في كيانها.

جلست على طاولة الإفطار، تحاول جاهدة أن ترسم ابتسامة على وجهها. كانت والدتها، أمينة، تراقبها بعين قلقة، فيما كان والدها، أحمد، يتحدث مع خالد عن بعض الأمور العملية. بدا خالد هادئاً، واثقاً، وكأنه لم يغادر قط. كانت ليلى تتجنب النظر إليه مباشرة، ولكنها كانت تشعر بنظراته تخترقها بين الحين والآخر.

"ليلى، هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة." قال والدها، وهو يلتفت إليها. "بخير والحمد لله يا أبي. ربما لم أنم جيداً." "رحلة خالد أتت بتغييرات في روتين المنزل." داعبتها أمينة، وهي تحاول التخفيف من حدة الموقف.

بعد الإفطار، طلبت ليلى من خالد أن يتحدثا على انفراد. وافق خالد، وبدا في عينيه شيء من الترقب. ذهبا إلى حديقة القصر، حيث كانت الأشجار تتمايل ببطء مع النسيم، والطيور تغرد أغانيها الهادئة.

"خالد، أريد أن أفهم." بدأت ليلى، وكانت كلماتها تحمل تردداً. "ماذا تريدين أن تفهمي يا ليلى؟" "كل شيء. رحيلك. عدم اتصالك. وكلماتك الليلة الماضية. هل أنت جاد فيما تقوله؟"

تنهد خالد. "ليلى، لم تكن الحياة سهلة بالنسبة لي. كنت في بلد غريب، أعمل بجد، وأسعى لبناء مستقبلي. ولكن في كل لحظة، كنت أفكر بك. كنت أتمنى لو أنني استطعت البقاء. ولكن الظروف كانت أقوى مني." "ولكن لماذا الآن؟ لماذا تتحدث عن هذه الأمور الآن، ونور مخطوبة؟" سألت ليلى، وقد بدا عليها الغضب.

"لا علاقة لنور بهذا الأمر. هي ابنة عمي، وأنا أحبها كأخت. حديثي معكِ يتعلق بي، وبمشاعري، وبماضينا." "ماضينا؟ هل تعتقد أن حب الأطفال يمكن أن يستمر؟" "الحب الحقيقي لا يموت يا ليلى. قد يخبو، ولكنه لا يختفي. وهل كل ما شعرت به كان مجرد حب طفولي؟ ألم تكن هناك نظرات، كلمات، أحاسيس لم تستطيعي تفسيرها؟"

صمتت ليلى. لم تستطع أن تنكر. كانت مشاعرها تجاه خالد مختلفة، ولم تكن مجرد صداقة. كانت هناك شرارة، شرارة خامدة ربما، ولكنها موجودة.

"خالد، الوضع معقد. نور سعيدة، وعمر شاب صالح." "وأنتِ؟ هل أنتِ سعيدة؟ هل تشعرين أن هذه هي الحياة التي ترضيكِ؟" سأل خالد، وعيناه تلمعان بصدق. "أنا… لا أعرف." اعترفت ليلى. "أشعر بالضياع. أخاف من اتخاذ قرار خاطئ، قرار يؤذي الآخرين."

"وماذا عن نفسكِ؟ ألا تستحقين أن تعيشي قصة حب حقيقية، قصة ترضي قلبكِ، وترضي ربكِ؟" "ولكن كيف؟ كيف يمكن أن يكون هذا حلالاً؟" "إذا كانت مشاعرك صادقة، وإذا كانت نواياكِ طاهرة، ونحن نسعى لرضى الله، فكل شيء ممكن. الزواج هو الطريق الشرعي. ويمكننا أن نتقدم لخطبتكِ، إذا كنتِ مستعدة."

تقدم لخطبتكِ؟ هل يعقل هذا؟ ليلى لم تكن تتوقع هذا. شعرت وكأنها تدور في دوامة. خالد، حب طفولتها، يعرض عليها الزواج، في الوقت الذي تبدو فيه الأمور معقدة مع نور وعمر.

"ولكن… نور؟ ماذا عن خطوبتها؟" "نحن عائلة يا ليلى. يجب أن نتحدث بصراحة. نور إذا كانت سعيدة مع عمر، فهذا يسعدنا جميعاً. ولكن هذا لا يعني أن نضحي بسعادة الآخرين، وبمشاعرهم الحقيقية."

في تلك اللحظة، مرت "فاطمة"، جدة نور، بالقرب منهما. سمعت جزءاً من حديثهما. توقفت، ونظرت إليهما بدهشة. "ماذا تتحدثون عنه؟" سألت بصوت حازم. "أتحدث مع ليلى عن مستقبلها يا أمي." قال خالد. "مستقبلكِ؟ مستقبل ليلى هو أن تجد الزوج الصالح الذي ترضاه العائلة، والذي ترضاه هي." قالت فاطمة، ونبرتها تحمل تهديداً خفياً. "وليس أن تعيش في أوهام الماضي."

شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. كانت تعلم أن جدتها لن تسمح بأي شيء قد يتعارض مع ما تراه مناسباً. "يا جدتي، إنها مجرد أحاديث." حاولت ليلى أن تهدئ الموقف. "أحاديث لا مكان لها في هذا الوقت. التركيز الآن على خطوبة نور. ولا نريد أن تثار أي فتنة في العائلة." قالت فاطمة، وهي تنظر بخبث إلى خالد.

"ليلى، أعتقد أننا تحدثنا بما فيه الكفاية." قال خالد، وهو يحاول أن يحافظ على هدوئه. "نعم، ربما. شكراً لك خالد." قالت ليلى، وشعرت برغبة قوية في الهروب.

انصرف خالد، وبقيت ليلى مع جدتها. "ليلى، لا تعتقدي أنني لا أفهم ما يدور في رأسك. خالد كان قريباً منكِ في الماضي. ولكنه الآن عاد، وقد تغير كل شيء. كن واقعية." "ولكن يا جدتي، إذا كانت هناك مشاعر حقيقية…" "المشاعر الحقيقية هي التي تبني بيتاً، وليس التي تهدم بيوتاً قائمة. نور هي ابنة عمك، وأنتِ ستكونين شاهدة على سعادتها. ولا أريد أن أرى أي شيء يعكر صفو هذه المناسبة."

شعرت ليلى باليأس. كانت محاصرة. من جهة، مشاعرها المتجددة تجاه خالد. ومن جهة أخرى، ضغط العائلة، وخاصة جدتها، ورغبتها في الحفاظ على الوحدة والانسجام.

ذهبت ليلى إلى غرفتها، وتشعر بضيق شديد في صدرها. جلست على حافة السرير، تبكي بصمت. هل كانت جدتها على حق؟ هل كانت هذه مجرد أوهام؟ هل كان عليها أن تتخلى عن مشاعرها، وتتقبل الواقع؟

في تلك اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها. كانت من خالد. "ليلى، أعلم أن الأمر صعب. ولكنني لن أستسلم. مشاعري تجاهكِ حقيقية، وأتمنى أن تمنحيني فرصة. يمكننا أن نتحدث مع والديكِ، وإذا وافقوا، نتقدم لخطبتكِ بشكل رسمي. ولكن يجب أن نتصرف بحذر، وأن لا نخسر احترام العائلة."

نظرت ليلى إلى الرسالة، وشعرت بخليط من المشاعر. الأمل، والخوف، والارتباك. كانت كلماته تحمل وعداً، ولكنها كانت تحمل أيضاً مخاطرة كبيرة. هل تجرؤ على المخاطرة؟ هل يمكن أن تجد طريقاً لحب حلال، حتى في ظل هذه التعقيدات؟

خرجت من غرفتها، وتوجهت إلى غرفة والدتها. وجدتها تقرأ القرآن. "أمي، هل يمكن أن نتحدث؟" "بالطبع يا حبيبتي."

جلست ليلى بجوار والدتها، وبدأت تسرد لها كل ما حدث. كانت أمينة تستمع بصبر، وعيناها تعكسان تفهماً عميقاً. "يا بنيتي، الأمور ليست سهلة. ولكن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. يجب أن تكوني صادقة مع نفسك، ومع مشاعرك. وأن تفكري ملياً قبل اتخاذ أي قرار. تحدثي مع خالد، استمعي لقلبك، ولكن اجعلي عقلك يزن الأمور بميزان الشرع ورضا الله." "ولكن جدتي…" "جدتكِ لها رأيها، وهذا طبيعي. ولكن القرار النهائي هو لكِ، وبالتشاور مع والديكِ. تذكري أن الحب الحلال، هو الحب الذي يبدأ بالرضى، وينتهي بالزواج المبارك. فلا تخافي، ولكن كوني حذرة."

شعرت ليلى بارتياح كبير بعد حديثها مع والدتها. كانت تعلم أن الطريق ليس سهلاً، ولكنها لم تعد تشعر بالوحدة. كان لديها والدتها، التي ستدعمها، والتي ستساعدها على إيجاد الطريق الصحيح.

نظرت إلى هاتفها مرة أخرى. رسالة خالد كانت لا تزال هناك. قررت أن ترد. "خالد، يمكننا أن نتحدث. ولكن بحذر. سأحاول التحدث مع والدي. ودعنا نفكر ملياً كيف يمكننا حل هذا الأمر بشكل يرضي الجميع."

كان هذا ردها. كان بداية لرحلة جديدة، رحلة مليئة بالشكوك، ولكنها مليئة أيضاً بالأمل. رحلة ستحدد مصير قلبها، ومصير علاقاتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%