الفصل 16 / 25

الحب المستحيل

همساتُ العهدِ ووشوشاتُ القدر

بقلم سارة العمري

كانت الأيام التالية للخطبة أشبه بنزهةٍ في بستانٍ قد أزهرت فيه أجمل الورود. استيقظت ليلى كل صباحٍ وقلبها يغني فرحاً. لم تعد تلك الشابة التي كانت تعيش في عتمة الشك والخوف، بل أصبحت فتاةً مفعمةً بالحياة، تترقب مستقبلها بشغفٍ وامتنان. كان أحمد يتواصل معها بشكلٍ شبه يومي، سواء عبر الهاتف أو بلقاءاتٍ قصيرةٍ منظمةٍ في وجود والديه أو والدها. كانت هذه اللقاءات، على الرغم من أنها كانت رسميةً، تحمل دفئاً خاصاً، وهمساً يحكي عن مستقبلٍ مشتركٍ ينتظرانه.

في أحد الأيام، وبعد لقاءٍ عائليٍّ، جلست ليلى مع أحمد في حديقة منزل والدها. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، تاركةً وراءها ظلالاً طويلةً. كان الهواء يحمل رائحة التراب الممزوجة بنسماتٍ خفيفةٍ.

"ليلى"، قال أحمد، ووجهه يحمل جديةً ممزوجةً بابتسامةٍ. "هل أنتِ سعيدةٌ؟"

نظرت إليه ليلى، ورأت في عينيه صدقاً وبراءةً. "نعم يا أحمد، أنا أسعد إنسانةٍ في هذه الدنيا. لقد منحتني الأمل، وفتحت لي أبواباً كنت أظنها مغلقةً إلى الأبد."

"وأنا"، قال أحمد، وصوته يرتعش قليلاً. "لقد كنت أنتِ الحلم الذي أبحث عنه. أنتِ النور الذي يضيء دربي. لم أتخيل يوماً أن أجد في امرأةٍ كل ما أتمناه. أنتِ الحكمة، والصبر، والجمال، والقلب النقي."

كانت كلماته تنساب في قلبها، تزيد من عمق حبها له. "وأنت يا أحمد، لم أتخيل يوماً أن يكون لي زوجٌ مثلك. أنتَ الرجل الذي رأيت فيه صورة أبي، وصورة أخي، وصورة كل رجلٍ كريمٍ أحترمه."

مرت لحظاتٌ صمتٍ مريحٍ، مليئةٍ بالمشاعر المتبادلة. ثم، فجأةً، تغيرت نبرة صوت أحمد.

"ليلى"، قال بصوتٍ أخفض. "هناك أمرٌ أريد أن أخبرك به. أمرٌ يشغل بالي منذ فترة، وأنا مترددٌ في البداية. لكن بعد أن أصبحتِ جزءاً من حياتي، وجدت أن الصدق هو مفتاح كل شيءٍ."

توقفت ليلى عن التنفس للحظة. شعرت بأن شيئاً ما يلوح في الأفق، شيئاً قد يغير مسار الأمور. "ما هو يا أحمد؟"

"تذكرين عندما تحدثنا في المرة الأولى عن طبيعة عملي؟" سأل أحمد.

"نعم"، قالت ليلى. "قلت لي أنك تعمل في مجال الاستثمار، وأنك تسافر كثيراً."

"هذا صحيح"، قال أحمد. "لكن هناك تفاصيل أخرى لم أقلها. العمل يتطلب مني أحياناً التعامل مع شخصياتٍ قد لا تكون دائماً على قدرٍ عالٍ من الأخلاق. وأحياناً، قد أجد نفسي في مواقف تتطلب مني اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ."

نظرت ليلى إليه بقلقٍ. "ما الذي تقصده يا أحمد؟ هل هناك شيءٌ خطيرٌ؟"

"ليس بالضرورة خطيراً بالمعنى الحرفي"، أجاب أحمد. "لكنه قد يكون معقداً. لقد تلقيت مؤخراً عرضاً للعمل في مشروعٍ كبيرٍ خارج البلاد، في دولةٍ تختلف عاداتها وتقاليدها عن عاداتنا. المشروع يحتاج إلى سنواتٍ لإكماله، ويتطلب مني تواجداً شبه دائمٍ هناك."

تجمّدت ليلى في مكانها. فكرة الابتعاد عن وطنها، وعن عائلتها، وعن أحمد، في نفس الوقت، كانت أمراً لا تحتمله.

"خارج البلاد؟" سألت بصوتٍ بالكاد خرج. "إلى أين؟ ولكم من الوقت؟"

"إلى دولةٍ بعيدةٍ"، قال أحمد بحذرٍ. "وربما لمدة ثلاث إلى أربع سنواتٍ. المشروع كبيرٌ جداً، وعائداته مجزيةٌ، ولكنه يتطلب تضحياتٍ."

تغلغل الخوف في قلب ليلى. لقد اعتقدت أن بداية حياتهما ستكون سعيدةً ومليئةً بالاستقرار. لم تتخيل أن تبدأ حياتهما بفراقٍ طويلٍ.

"لكن يا أحمد"، قالت ليلى، وصوتها يرتجف. "ماذا عن خطبتنا؟ ماذا عن زواجنا؟ لا يمكننا أن نبدأ حياتنا بفراقٍ كهذا. ألم يكن من الممكن أن نتحدث عن هذا الأمر قبل الخطبة؟"

"آه يا ليلى"، قال أحمد، وشعر بألمٍ شديدٍ. "لقد ترددت كثيراً في البداية. خشيت أن أؤثر على قرارك، وأن أفقد فرصةً لا تعوض. لكنني علمت بعد ذلك أن والدك قد وافق على مبدأ الخطبة، وأن الأمور تسير نحو الزواج، فشعرت بأنني يجب أن أكون صادقاً معكِ. لا أريد أن أخفي عنكِ شيئاً، فالحياة الزوجية تقوم على الصدق والشفافية."

"ولكن يا أحمد"، قالت ليلى، والدموع بدأت تتساقط على خديها. "ثلاث إلى أربع سنواتٍ؟ هذا وقتٌ طويلٌ جداً. كيف سنبني حياتنا؟ كيف سنتجاوز هذا الفراق؟"

"أعلم أن الأمر صعبٌ يا ليلى"، قال أحمد، وحاول أن يمسك بيدها، لكنه تراجع. "لكنني وعدتكِ، ووعدتُ نفسي، بأنني سأكون لكِ خير زوجٍ. إذا وافقتِ، يمكننا أن نحدد موعداً للزواج قبل سفري، وأن نبقي التواصل مستمراً. وسأعود لزيارتكِ كلما سنحت لي الفرصة. أعرف أن هذا صعبٌ، لكني أرى أن هذا المشروع هو فرصتي الوحيدة لتأمين مستقبلنا المالي، ولتحقيق طموحاتنا."

نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه صراعاً عميقاً. كانت تعلم أنه رجلٌ يعتمد عليه، وأنه يفكر في المستقبل. لكن فكرة الابتعاد عنه لهذه الفترة الطويلة كانت موجعةً.

"ماذا عن والدي؟" سألت ليلى. "ماذا سيقول؟"

"لقد أخبرت والدي بالأمر"، قال أحمد. "وهو تفهم الأمر، لكنه قال لي أن أتحدث معكِ أولاً، وأن أرى رد فعلكِ. ثم سنتحدث جميعاً. هو يعلم أن اختياراتكِ هي الأهم."

كانت ليلى تشعر بأنها في مفترق طرقٍ. لقد كان الزواج من أحمد هو حلمها، لكن فكرة البقاء معه في بداية حياتهما الزوجية كانت شيئاً لا يمكن إنكاره. فكرت في والدها، وفي عادات مجتمعها. هل سيقبلون هذا الغياب الطويل؟ هل ستستطيع هي أن تتحمل هذا البعد؟

في مكانٍ آخر، في مكتب والده، كان محمد يشعر ببعض القلق. كان يعلم أن هذا العرض قد يسبب بعض المشاكل، لكنه كان يؤمن بأن ابنه قادرٌ على التعامل معها.

"يا بني"، قال محمد. "لقد تحدثت مع الشيخ عبد الله، وأخبرته بالأمر. هو قلقٌ قليلاً، وهذا طبيعيٌ. لكنه قال لي أن قراركِ هو الأهم. هو يثق بكِ، ويعرف أنكِ ستتخذين القرار الصحيح."

"لكن يا أبي، هل أنت مع هذا القرار؟" سأل أحمد.

"أنا معك يا بني"، قال محمد. "أنت رجلٌ راشدٌ، وأنا أثق بحكمتك. إذا كنت ترى أن هذا هو الطريق الصحيح لمستقبلكما، فافعل ما تراه مناسباً. لكن عليك أن تتحدث مع ليلى بوضوحٍ تامٍ، وأن تجعلها تفهم كل التفاصيل. الشفافية هي مفتاح نجاح أي علاقة."

كانت كلمات والد أحمد تحمل حكمةً بالغة. كان يعلم أن نجاح هذه العلاقة يعتمد على كيفية تعاملهم مع هذه العقبة.

في منزل آل الشيخ، كانت ليلى تتحدث مع والدها. كانت دموعها قد جفت، وحلت محلها حالةٌ من الهدوء المصطنع.

"يا أبي"، قالت ليلى. "لقد تحدث أحمد معي. لديه عرضٌ للعمل في الخارج، وهذا يتطلب منه غياباً طويلاً."

نظر الشيخ عبد الله إلى ابنته، ورأى في عينيهما حزناً عميقاً. "أعلم يا ابنتي. لقد أخبرني محمد بالأمر. إنها مفاجأةٌ غير سارةٍ، ولكنه أمرٌ لا يمكننا تجاهله."

"لكن يا أبي"، قالت ليلى. "ماذا أفعل؟ أنا أحب أحمد، وأريد الزواج منه. ولكني لا أستطيع تحمل فكرة البقاء بعيدةً عنه كل هذه المدة."

"يا ابنتي"، قال الشيخ عبد الله، وضمها إلى صدره. "الحياة ليست دائماً كما نتمنى. في بعض الأحيان، تأتينا تحدياتٌ كبيرةٌ. ولكن يجب أن نتذكر دائماً أننا مسلمون، وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. إذا كان أحمد جاداً في حبه لكِ، فسيبذل قصارى جهده ليجعلكِ سعيدةً، حتى لو كان بعيداً. وإذا كنتِ أنتِ قادرةً على تحمل هذا الوضع، فتوكلي على الله. وإذا لم تكوني قادرةً، فالحلال مفتوحٌ، والله سيفتح لكِ أبواباً أخرى."

كلمات والدها كانت صعبةً، لكنها كانت تحمل حقيقةً لا يمكن إنكارها. كان عليها أن تتخذ قراراً. قرارٌ سيحدد مستقبلها، وسيؤثر على حياتها.

في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تتأمل السماء، شعرت بأنها أمام أصعب قرارٍ في حياتها. كان الحب يدفعها نحو أحمد، ولكن الخوف من البعد والفراق كان يهدد بإغراقها في بحرٍ من الشك. كان عليها أن تختار بين قلبها وعقلها، بين حلمها ومستقبلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%