الحب المستحيل
كمين الظلام ودعوة الخلاص
بقلم سارة العمري
كان الهواء في مكتب "خالد" محملاً برائحة الخطر. كلمتا "الدكتور أحمد" عن اختراق الأجهزة وأنهم يعرفون بخطته، ألقتا بظلال من القلق العميق على وجوههم. "خالد" كان يشعر بأن كل ما بناه طيلة شهور، على وشك الانهيار. لقد ضاعت المفاجأة، وأصبح الهدف سهلاً.
"علينا أن نتحرك بسرعة،" قال "خالد" متخذاً قراراً حاسماً. "لا يمكننا الذهاب إلى المؤتمر الصحفي في المكان الذي خططنا له. لقد تم كشف كل شيء. ولكن، لدينا خطة بديلة. يجب أن نصل إلى منزل "السيد عبد الله"، وهو أحد الشهود الرئيسيين، الذي وعدني بأن يسلمني المزيد من الأدلة، ثم بعدها، يمكننا اللجوء إلى جهة مستقلة، ربما صحيفة عالمية، لنشر القصة."
"السيد عبد الله؟" سأل "الدكتور أحمد" بقلق. "إنه يعيش في حي بعيد، والمنطقة هناك ليست آمنة بالقدر الكافي." "ولكنه يملك أدلة لا غنى عنها. لا يمكننا التخلي عنها. والأهم، أنه في خطر أيضاً. إذا لم نصل إليه أولاً، قد يتم إسكاته، تماماً مثل زميلي القديم."
نظرت "ليلى" إلى "خالد" بقلق، ولكنها رأت في عينيه إصراراً لم تره من قبل. لقد كانت هذه معركته، ولكنها أصبحت معركتها أيضاً. "سأذهب معك." قالت بثبات. "ليلى، هذا خطر شديد. أنتِ لستِ مجبرة على المخاطرة بنفسكِ." "لقد تعمقتُ في هذه القصة. لم أعد أستطيع التراجع. أريد أن أرى العدالة تتحقق. وأريد أن أحمي والدي، وأن أحمي إرثه."
وافق "خالد" على مضض، مدركاً أن "ليلى" لن تتخلى عن قراره. قام "الدكتور أحمد" بجمع أهم المستندات، ووضعها في حقيبة مقاومة للحريق. "هذه هي الأدلة التي جمعناها حتى الآن،" قال "الدكتور أحمد". "بها، يمكننا فتح تحقيق. ولكن، إذا حصلوا على هذه الحقيبة، فقد انتهى كل شيء."
خرجوا من المكتب، واستقلوا سيارة "خالد". كان الطريق طويلاً وشاقاً، وكل شارع بدا وكأنه يحمل شبح الخيانة. "ليلى" كانت تراقب حركة المرور، وعيناها تبحثان عن أي شيء مريب. شعرت بأنها تحت المراقبة.
عندما وصلوا إلى حي "السيد عبد الله"، كان الوقت قد تجاوز الغسق. الشوارع كانت ضيقة، والإضاءة خافتة. بدت المنازل متقاربة، وكأنها تشهد على أسرار لا حصر لها. توقف "خالد" بالسيارة أمام منزل يبدو بسيطاً، ولكنه يحمل علامات القلق.
"هل أنتِ مستعدة؟" سأل "خالد" "ليلى" بصوت هادئ. "نعم."
نزلوا من السيارة، وتوجهوا نحو الباب. قبل أن يصلوا، سمعوا صوتاً غريباً من داخل المنزل. صوت خافت، كأنه صراع. "انتظر!" قال "خالد" بسرعة، ووضع يده أمام "ليلى".
في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، وخرج منه رجل يرتدي ملابس سوداء، ويحمل في يده شيئاً معدنياً. بدا وكأنه شخص مسلح. "توقفوا! من أنتم؟" صاح الرجل بصوت خشن.
قبل أن يتمكن "خالد" من الرد، انطلقت سيارة سوداء مسرعة من زقاق قريب، وأضواءها الأمامية مسلطة نحوهم. لقد وقعوا في كمين. "اهربوا!" صاح "خالد" وهو يدفع "ليلى" خلفه.
ركضوا في الشوارع الضيقة، بينما كان الرجل المسلح يطاردهم، وصوت طلقات نارية بدأ يتردد في الهواء. "ليلى" كانت تشعر بقلبها يكاد يتوقف من الرعب. لم تكن تتخيل أبداً أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
"تسللوا إلى ذلك المبنى!" أشار "خالد" إلى بناء قديم، ويبدو أنه مهجور. "ربما نجد فيه بعض المأوى."
دخلوا المبنى، وكانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان. كانت الظلال تتراقص في الأركان، مما جعل المكان يبدو مخيفاً. سمعوا صوت خطوات الصياد تقترب.
"ماذا نفعل؟" سألت "ليلى" بصوت مرتجف. "علينا أن نفصل الأدلة. إذا حصلوا على الحقيبة، فقد انتهى كل شيء." "كيف؟" "سنقسمها. لديكِ جزء، ولي جزء. وسنتخلص من جزء آخر، لجذب انتباههم."
قام "خالد" بسرعة بفتح الحقيبة، وقسم محتوياتها. أعطى "ليلى" بعض الأوراق الهامة، واحتفظ هو بالباقي. ثم، أمسك ببعض المستندات الأقل أهمية، وألقى بها في حفرة مظلمة داخل المبنى.
"الآن، حاولوا اللحاق بي،" قال "خالد" ثم فتح نافذة، وقفز منها إلى الخارج، محاولاً جذب انتباه المطاردين.
بقيت "ليلى" وحدها في الظلام، تحمل جزءاً من الأدلة. سمعت صوت "خالد" وهو يصرخ، ثم صوت مواجهة عنيفة. شعرت بقلبها ينقبض. لقد ضحى "خالد" بنفسه لإنقاذها وإنقاذ الأدلة.
"يجب أن أهرب. يجب أن أوصل هذه الأوراق إلى بر الأمان."
خرجت "ليلى" من المبنى، وتسللت عبر الظلام. كانت تسمع أصوات المطاردين في الخارج، ولكنها كانت حذرة. تذكرت كلمات "الدكتور أحمد" عن صحيفة عالمية. "صحيفة 'صوت العدالة'." تذكرت الاسم. كان "الدكتور أحمد" قد ذكرها كخيار أخير.
وجدت هاتفها، وحاولت الاتصال. لكن الشبكة كانت ضعيفة. حاولت مرة أخرى، ونجحت. "مرحباً؟ هل هذه صحيفة 'صوت العدالة'؟" "نعم، تفضل." "أنا... أنا بحاجة إلى المساعدة. لدي معلومات خطيرة جداً. عن فساد كبير، وعن شخصية نافذة." "من أنتِ؟" "اسمي ليلى. أنا... أنا ابنة رجل تعرض للظلم. والآن، حياتي في خطر. وحياة شخص آخر في خطر." "ما نوع المعلومات التي لديك؟" "لدي أدلة دامغة على فساد مالي، وتهريب آثار، وقتل. كل شيء سيغير مسار الأمور." "أين أنتِ؟" "أنا في وسط المدينة. في حي... (وصفت له المنطقة). أحتاج إلى حماية، وإلى مكان آمن لنشر هذه المعلومات."
شعرت "ليلى" بارتياح نسبي. لقد تحدثت إلى شخص يمكن أن يساعد. "سأرسل لكِ بعض الصحفيين. كوني حذرة. لا تثقي بأحد."
أغلقت "ليلى" الهاتف، وشعرت بنبضات قلبها تعود إلى طبيعتها. لقد نجحت في إيصال صوتها. ولكن، ماذا عن "خالد"؟ هل هو بخير؟
فجأة، سمعت صوت سيارة تقترب. لم تكن سيارة الشرطة. كانت سيارة "السيد سليمان". "لقد وجدوكِ،" همست لنفسها.
فتحت أبواب السيارة، وخرج منها "السيد سليمان" نفسه، وعلى وجهه ابتسامة باردة. "أهلاً بكِ يا ليلى. كنت أعرف أنكِ ستحاولين فعل شيء. ولكن، للأسف، لقد تأخرتِ كثيراً." "أنت... أنت من فعلت هذا؟ أنت من قتل والدي؟" "والدكِ حاول أن يعبث بأمور لا تعنيه. وكان لابد من تأديبه. أما أنتِ، فقد أصبحتِ عبئاً."
اقترب "السيد سليمان" منها، ورأى "ليلى" الأوراق في يدها. "ماذا لديكِ؟" سأل بنبرة غاضبة. "هذه هي الحقيقة. وهذه هي نهاية حكمكم." "الحقيقة؟ الحقيقة هي ما أقوله أنا. والآن، سأنهي هذا الأمر."
في تلك اللحظة، انطلقت سيارة أخرى، وأضواءها مسلطة نحوهم. كانت سيارة "الدكتور أحمد" وبعض رجال الشرطة. "توقفوا! الشرطة!" صاح "الدكتور أحمد" بصوت قوي.
تفاجأ "السيد سليمان" ورجاله. لم يتوقعوا تدخلاً سريعاً بهذا الشكل. "اذهبي يا ليلى! اذهبي!" صرخ "الدكتور أحمد".
اندفعت "ليلى" نحو سيارة "الدكتور أحمد"، تاركة "السيد سليمان" في حالة ذهول. لقد كانت معركة الظلام، معركة الخيانة، ولكنها كانت أيضاً دعوة للخلاص، دعوة للحق.