الفصل 5 / 25

الحب المستحيل

ظل الشك وصوت العقل

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً طويلةً، امتدت ظلالها السوداء على قلب "عمر" لتخنق أنفاسه. لم يستطع النوم، ظلَّ يتلوى في فراشه، وصورة "ليلى" تتقلب أمام عينيه كطيفٍ عابرٍ لا يمنحه السكينة. كلما حاول أن يزيحها، تطفو أخرى، صورة ابتسامتها الرقيقة، نظرة عينيها الواسعتين حين تحدثت عن طموحاتها، وحديثها عن المستقبل الذي يجمع بينهما. لكن هذه الصور الحلوة كانت تتخللها كلماتٌ أخرى، كلماتٌ كانت كالصواعق حين سمعها. "هذا ليس لك يا عمر"، "ابتعد عنها"، "لا تخرب حياتها".

كانت هذه الكلمات صادرةً من "سالم"، صديقه القديم، وزميله في العمل. سالم الذي كان يعرف "عمر" عن قرب، ويعرف ماضيه، ويعرف أسراره. لم تكن تلك النصائح مجرد تحذيرات، بل كانت اتهامات مبطنة، وسكباً للزيت على نارٍ كانت تكاد تنطفئ. "عمر" لم يكن غافلاً عن ماضيه، لم يكن ينكر أخطاءه، ولكنه كان قد قطع عهداً على نفسه بأن يتجاوزها، وأن يبدأ من جديد. كان يحب "ليلى"، حباً نقياً، حباً رأى فيه خلاصاً، ونوراً يضيء دربه.

ارتفع الأذان لصلاة الفجر، فنهض "عمر" مسرعاً، متوضئاً وذاهباً إلى المسجد. كان المصلى مكاناً مقدساً بالنسبة له، مكاناً يتجرد فيه من همومه، ويركن إلى ربه. صلى بخشوع، ودعا من الله أن يرشده، وأن يهديه سواء السبيل. خرج من المسجد وقد انتشر نور الفجر في الأفق، ولكن نور اليقين كان لا يزال يتوارى خلف غيوم الشك.

في المكتب، كانت "ليلى" تعمل بجد. كانت تراجع أوراق المشروع الجديد، وتعد التقارير المطلوبة. كانت تشعر بسعادة غامرة تجاه هذا المشروع، فهو يمثل فرصةً ذهبيةً لها وللفريق. كانت متحمسةً لتقديم أفضل ما لديها، ولإثبات قدراتها. حين دخل "عمر"، ابتسمت له ابتسامةً مشرقة، ولكنها لم تخفِ نظرة القلق التي ارتسمت على وجهه.

"صباح الخير يا عمر"، قالت بصوتٍ هادئ. "صباح النور يا ليلى"، أجابها بصوتٍ متعب. "هل أنت بخير؟ تبدو شاحباً"، سألت بقلق. "لا شيء، مجرد سهرٍ قليل"، تهرب من الإجابة المباشرة. "أتمنى أن تكون بخير. أنت مهمٌ لهذا المشروع، وكذلك أنت مهمٌ لي"، قالتها بصدقٍ، ثم عادت إلى عملها.

"عمر" شعر بالخجل من نفسه. كيف له أن يفكر في التراجع؟ كيف له أن يسمح لكلمات "سالم" بأن تلقي بظلالها على حبه الطاهر؟ لقد تغير، وقد قطع عهداً على نفسه. تذكر كيف كانت "ليلى" تنظر إليه، كيف كانت تؤمن به، وكيف كانت تحدثه عن مستقبلٍ يجمع بينهما، عن أسرةٍ سعيدة، وعن بيتٍ عامرٍ بالحب والسكينة. هذه الصورة كانت أقوى من أي شكٍ أو وسواس.

في منتصف النهار، جاء "سالم" إلى مكتب "عمر". كان وجهه عابساً، وعيناه تشتعلان بنظرةٍ ما. "عمر، أريد أن أتحدث معك"، قال بنبرةٍ جادة. "تفضل يا سالم"، أجاب "عمر" بهدوء، مستعداً لأي شيء. "لقد رأيت كيف تتعامل مع ليلى. أخشى عليك منها، وأخشى عليها منك"، بدأ سالم حديثه، وكأنما يضع السم في العسل. "ماذا تقصد يا سالم؟" سأل "عمر" بحذر. "أقصد أنك تعرف ماضيك. وأنت تعلم أن هناك أموراً قد لا تتقبلها عائلتها. لقد رأيت كيف يتحدثون عنك، وكيف ينظرون إليك. إنهم يريدون لابنتهم رجلاً يليق بمكانتهم، رجلاً بلا ماضٍ"، قال سالم، مستعيناً ببعض الشائعات التي كان يسمعها في محيط العمل.

"عمر" شعر بالغضب يتصاعد في صدره. لم يكن يلوم "سالم" على قلقه، ولكنه كان يلومه على طريقته، على تشكيكه في قدرته على التغيير. "يا سالم، أنا أعرف ماضي. ولم أنكره أبداً. ولكني قد تغيرت. لقد تعلمت من أخطائي، وأصبحت رجلاً مختلفاً. وليلى تعرف ذلك. إنها لا تنظر إليّ بمنظار الماضي، بل بمنظار الحاضر والمستقبل"، رد "عمر" بصوتٍ قوي، يكشف عن إصراره. "لكن عائلتها؟ كيف لك أن تقنعهم؟ لقد سمعت أنهم يخططون لزواجها من ابن عمها، شابٌ مرموقٌ وذو سمعةٍ طيبة"، قال سالم، موجهاً ضربته الأخيرة.

لم يكن "عمر" قد سمع بهذا الأمر من قبل. ارتجف قلبه. ابن عمها؟ شابٌ مرموق؟ هل كانت هذه مجرد حيلةٍ من "سالم" ليبث في قلبه اليأس، أم أنها حقيقةٌ مرة؟ "هذا غير صحيح"، قال "عمر" بصلابة، رغم أن قلبه بدأ يرتجف. "لست متأكداً من ذلك. ولكن نصيحتي لك، كن حذراً. لا تمنحها أملاً زائفاً، ولا تمنح نفسك أملاً زائفاً. قد تجد نفسك في موقفٍ لا تحسد عليه"، قال سالم، ثم غادر المكتب، تاركاً "عمر" وحيداً مع أفكاره المتصارعة.

عاد "عمر" إلى مكتبه، وشعر بأن العالم كله قد انقلب رأساً على عقب. كلام "سالم" لم يكن مجرد قلقٍ على صديق، بل كان محاولةً واضحةً لزعزعة استقراره، لإيقاظ مخاوفه الدفينة. لكنه لم يكن يريد أن يسمح بذلك. تذكر "ليلى" مرةً أخرى، وتذكر قوة حبها، وقوة إيمانها به.

"لا، لن أستسلم"، همس لنفسه. "ليلى تستحق كل الخير. وأنا أستحق فرصةً أخرى. وسأقاتل من أجل هذا الحب، من أجل مستقبلٍ قد يكون لي معها". تذكر حديثه مع والد "ليلى"، الأستاذ "أحمد"، الذي بدا متقبلاً له، ولأفكاره. هل كان "سالم" يكذب عليه؟ هل كان يريد أن يوقع بينه وبين "ليلى" وعائلتها؟

وقف "عمر" أمام نافذة المكتب، ونظر إلى المدينة المترامية الأطراف. كان يشعر بأنه يقف على مفترق طرق. طريقٌ سهلٌ مليءٌ باليأس والخوف، وطريقٌ آخرٌ وعرٌ ولكنه مليءٌ بالأمل والإصرار. اختار الطريق الثاني.

"سأثبت لكم جميعاً أنني استحقها"، قال بصوتٍ خافت، ولكنه كان مليئاً بالعزيمة. "سأذهب إلى الأستاذ أحمد، وسأحدثه بصراحة. سأقول له كل شيء. وسأطلب يده لابنته. حتى لو اضطررت للقتال بكل ما أملك". كانت هذه بداية مرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ تتطلب شجاعةً أكبر، وصبرًا أطول، وإيماناً لا يتزعزع. كانت قصة حبه مع "ليلى" في خطر، ولكن الخطر كان يوقد فيه ناراً جديدة، ناراً لا تعرف الاستسلام.

ذهب "عمر" إلى مكتب "ليلى". كانت لا تزال تعمل، وقد غاصت في أوراقها. "ليلى"، نادى بصوتٍ هادئ. رفعت رأسها، وابتسمت له، ولكن القلق كان لا يزال في عينيها. "ماذا هناك يا عمر؟" "أريد أن أتحدث معك. ولكن ليس هنا. هل تسمحين لي أن ندعو الأستاذ أحمد لتناول الغداء معنا غداً؟ أريد أن أتحدث معه مباشرةً". ارتسمت الدهشة على وجه "ليلى". "هل ستطلب يدها؟" تساءلت في نفسها. "بالتأكيد يا عمر. سأتحدث مع والدي. ولكني أريدك أن تعلم، مهما حدث، فإن قلبي معك. وثقتي بك لا تهتز". كانت كلماتها كبلسمٍ شافيٍ لروحه. احتضنها "عمر" بحنان، وكأنه يجد فيها القوة التي يحتاجها.

"لا تقلقي يا ليلى. نحن أقوياء معاً. وسنتجاوز كل العقبات". في طريقه إلى المنزل، كان "عمر" يشعر بمزيجٍ من التوتر والأمل. كان يعلم أن هذه الخطوة قد تكون مصيرية. كان على وشك أن يضع قلبه على طبقٍ من ذهب أمام والد "ليلى". ولكنه كان مستعداً. كان مستعداً لإثبات أنه رجلٌ يستحق الثقة، ورجلٌ يستحق الحب. كانت معركةً لم تبدأ بعد، ولكنه كان قد أعلن الحرب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%