الحب الحلال الجزء الثاني

همسات الشوق في جنبات القلب

بقلم سارة العمري

كانت نسائم العصر تحمل عبق الياسمين من حديقة منزل السيد أحمد، تداعب ستائر النافذة المفتوحة في غرفة نور، وكأنها رسلٌ شوقٍ تحمل نبضات قلبٍ يعتصرها الحنين. جلست نور بجوار أمها، سارة، التي كانت تنظم خيوط تطريزٍ دقيقة على قطعة قماشٍ بيضاء، وقد انعكست أشعة الشمس الذهبية على وجهها الهادئ، فازدادت ملامحها وقارًا وحكمة.

"ما بالكِ يا ابنتي؟" سألت سارة بصوتٍ حنون، راصدةً شرود ابنتها الذي لم يكن غريبًا عنها هذه الأيام. "وجهكِ شاحبٌ، وقلبكِ غائبٌ عن مجلسنا."

تنهدت نور تنهيدةً طويلة، ثم وضعت يدها على خدها. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض الأفكار تراودني."

"الأفكار حين تتزايد، غالبًا ما يكون سببها ما يشغل القلب،" قالت سارة، وابتسامةٌ بلغت عينيها. "هل ما زال سبب الأفكار تلك الوجوه الجميلة التي ألتقيتِ بها في المسجد؟"

لم تستطع نور أن تخفي احمرارًا زحف إلى وجنتيها. "ربما يا أمي. الأستاذ خالد... لقد رأيته بالأمس في المكتبة. كان يتحدث مع بعض الشباب عن كتابٍ نادرٍ في التاريخ الإسلامي. كان صوته عميقًا، وجاذبيته لا تخطئها عين."

"صوته؟ أم ما يحويه عقله؟" سألت سارة برفق، فابتسمت نور. "كلاهما يا أمي. إن عقله متوقدٌ بالعلم، وروحه تحمل نورًا يكاد يضيء المكان."

"وهذا أجمل ما في الرجل، يا نور. العلم والتقوى، ثم يأتي الجمال الخارجي كزينةٍ فوق زينته،" قالت سارة. "لقد سمعتُ عن الأستاذ خالد من زميلاتها في جمعية تحفيظ القرآن. الجميع يثني عليه. خلقه، علمه، وتواضعه. هنيئًا لمن يشارككِ حياته."

شعرت نور بشيءٍ من الراحة وهي تسمع ثناء أمها على الأستاذ خالد. لم تكن تعلم كيف تبدأ الحديث عن مشاعرها، فالرجل لم يبدُ يومًا وكأنه ينظر إليها بعينٍ تتجاوز حدود الاحترام. لكن كل لقاءٍ كان يترك في قلبها أثرًا أعمق.

"لقد رأيتُه يتحدث مع الدكتورة لمياء بالأمس أيضًا،" قالت نور بتردد، وهي تشعر بوخزٍ غريبٍ في قلبها. "كان يبدو أنهما صديقان مقربان، يتناقشان في أمرٍ ما بجدية."

توقفت سارة عن التطريز، ونظرت إلى ابنتها بتمعن. "الدكتورة لمياء؟ هي الطبيبة التي أسلمت مؤخرًا، أليس كذلك؟ ذكيةٌ ومتعلمة."

"نعم، هي نفسها. إنها تبدو امرأةً رائعة. أتمنى لو كنتُ مثقاةً مثلها."

"كل إنسانٍ خلقه الله بصفاتٍ تميزه، يا ابنتي. أنتِ لديكِ قلبٌ رحيمٌ، وروحٌ طيبة، وجمالٌ أخاذٌ، وعقلٌ واعٍ. فلا تقارني نفسكِ بأحد. أما عن الأستاذ خالد، فلا تقلقي. الناس حين يتحدثون في أمورٍ علميةٍ أو مجتمعيةٍ، قد يبدون بمظهرٍ أشد قربًا مما هو عليه الحال. الأهم هو ما يكنّه القلب، والنوايا الصادقة."

"لكن... هل من الخطأ أن أشعر بهذا؟" سألت نور بصوتٍ واهن، متكئةً على يدها. "أنا لا أريده إلا أن يكون سعيدًا. وإن كانت الدكتورة لمياء هي سبب سعادته، فسأفرح له. لكن... القلب لا يطيع دائمًا."

"بالطبع لا يا عزيزتي. مشاعر الحب حين تخلق في الحلال، وتكون تجاه شخصٍ يخاف الله، هي هبةٌ من الله. المهم كيف نتعامل مع هذه المشاعر. إن كانت في طريقٍ يرضي الله، فلا بأس. وإن كانت تعترض سبيل الحق، فعلينا أن نجاهدها. الأستاذ خالد يبدو رجلاً صالحًا، فلا تخافي. وإن كان بينه وبين الدكتورة لمياء شيءٌ، فسيظهره الله في وقته. المهم الآن هو أن تركزي على نفسكِ، وتطهري قلبكِ، وتدعوي الله أن يهديكِ ويرشدكِ."

كانت كلمات أمها كالدواء لروحها المضطربة. استندت نور إلى كتف أمها، وشعرت ببعض السكينة. كانت والدتها دائمًا ملجأها، ونورها في دروب الحياة.

في صباح اليوم التالي، بينما كانت نور تستعد للذهاب إلى مركز التدريب، تلقت رسالةً من صديقتها المقربة، فاطمة. كانت الرسالة مفاجئة: "نور، هل أنتِ حرةٌ اليوم بعد الظهيرة؟ هناك أمرٌ أود أن أتحدث فيه معكِ على انفراد. يتعلق بشيءٍ مهمٍ جدًا."

شعرت نور بقلقٍ مفاجئ. فاطمة لم تكن من النوع الذي يبالغ في إظهار القلق، فإذا كانت قد وصفت الأمر بـ "مهمٍ جدًا"، فلا بد أنه كذلك.

"بالتأكيد يا فاطمة، سأكون متفرغة. أين نتقابل؟" ردت نور فورًا.

"تعالي إلى المقهى الهادئ الذي كنا نرتاده بالقرب من الجامعة. الساعة الثالثة."

كانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما دخلت نور المقهى، وقد جلست فاطمة في زاويةٍ بعيدة، تبدو شاردةً وملامح القلق باديةً على وجهها. اقتربت نور منها وجلست.

"ما بكِ يا فاطمة؟ أراكِ قلقة."

نظرت إليها فاطمة، وقد بدا على عينيها أثر سهرٍ طويل. "نور، لقد اكتشفتُ شيئًا... شيئًا لا أعرف كيف أتعامل معه."

"تحدثي يا حبيبتي، أنا أسمعكِ."

"أتذكرين سارة؟ سارة التي تعمل معنا في قسم المحاسبة؟"

"نعم، أتذكرها. فتاةٌ هادئةٌ ولطيفة."

"لقد... لقد اكتشفتُ أنها متورطةٌ في أمرٍ خطير. سمعتها تتحدث في الهاتف مع شخصٍ ما، وهي تذكر اسم الأستاذ خالد، وتقول له إنها ستعطيه المعلومات التي يريدها مقابل مبلغٍ كبيرٍ من المال. معلوماتٌ تخص عمل الشركة، معلوماتٌ قد تضر به ضررًا بالغًا."

اتسعت عيْنَا نور بدهشةٍ وصدمة. "ماذا؟ الأستاذ خالد؟ وهل أنتِ متأكدة؟"

"والله يا نور، سمعتُ بأذني. كانت تهمس، لكنني استطعتُ التقاط بعض الكلمات. إنها تبيع أسرار الشركة للأستاذ خالد! هذا جنون! لماذا تفعل ذلك؟ ومن هو هذا الشخص الذي تتحدث معه؟"

كانت هذه المفاجأة تفوق كل ما توقعته نور. الأستاذ خالد؟ هل يمكن أن يكون هو من يطلب هذه المعلومات؟ ولماذا؟ هل كان هذا هو سبب وجوده المستمر في محيطهم؟ هل كان يتحرى عن الشركة لسببٍ ما؟

"لا أفهم. لماذا سيفعل الأستاذ خالد ذلك؟ إنه رجلٌ معروفٌ بنزاهته. هل يمكن أن يكون هناك سوء فهم؟"

"لا أعرف يا نور. لكنني خائفة. إن حدث شيءٌ للشركة بسبب هذا، فسنتورط جميعًا. والأستاذ خالد... إن كان له علاقةٌ بهذا الأمر، فهذا يدمر سمعته تمامًا. إنها حكايةٌ خطيرةٌ جدًا."

"ماذا فعلتِ الآن؟" سألت نور وهي تشعر بقلبها يخفق بعنف.

"لم أفعل شيئًا بعد. كنتُ أنتظر لأتحدث معكِ. أنتِ تعرفين الأستاذ خالد أكثر مني. هل تعتقدين أن هناك تفسيرًا لكل هذا؟"

"لا أدري يا فاطمة. هذا أمرٌ معقدٌ جدًا. الأستاذ خالد... لا يمكن أن يكون هو من يخطط لأذية الشركة. ربما تكون سارة هي من يتحدث عن شخصٍ آخر؟ أو ربما هي تحاول ابتزازه؟"

"كل الاحتمالات واردة، لكن ما سمعته كان واضحًا. لقد ذكرت اسم الأستاذ خالد. وسوف تعطي المعلومات له."

كانت فاطمة تشعر بالحيرة والقلق، ونور تشعر بالصدمة والارتباك. هل كانت هذه مجرد مؤامرةٍ لزعزعة استقرار الشركة؟ أم أن هناك أبعادًا أخرى لا تعرفها؟ هل كان لقاء الأستاذ خالد بالدكتورة لمياء يتعلق بهذا الأمر؟

"يجب أن نفكر جيدًا قبل أن نتصرف،" قالت نور بعد تفكيرٍ عميق. "أي خطوةٍ خاطئة قد تسبب لنا مشاكل أكبر. علينا أن نحصل على المزيد من المعلومات قبل أن نتخذ أي قرار. هل يمكن أن تحاولي الاستماع إليها مرةً أخرى؟ أو ربما يمكنكِ إخبار شخصٍ تثقين به في الإدارة؟"

"أخاف أن أفعل ذلك، وقد أكون مخطئة. سارة فتاةٌ طيبة، وقد تكون مجبرةً على فعل شيءٍ ما. لكن إذا كان الأمر حقيقيًا، فلا يمكننا السكوت عنه."

جلست الفتاتان في صمتٍ لدقائق، تتخيلان أشكال المصائب التي قد تنتج عن هذه الحكاية. كانت مشاعر نور تجاه الأستاذ خالد تتصارع مع الخوف والقلق على سمعته. هل كانت هذه اختبارًا لإيمانها وثقتها؟

"علينا أن نتوخى الحذر، يا فاطمة. وأدعو الله أن يرشدنا إلى الصواب."

"آمين يا نور. أشعر بالثقل في قلبي. هذا الأمر يتجاوز مجرد خلافٍ بسيط."

غادرت نور المقهى وهي تشعر بأن عالمها قد اهتز. كانت صورة الأستاذ خالد البريئة في ذهنها تتشابك مع صورٍ غامضةٍ لمؤامراتٍ قد تحاك ضده. هل كان يقع ضحيةً لشيءٍ ما؟ أم أن هناك وجهًا آخر له لم تعرفه؟

في طريق عودتها، مرّت نور بحديقةٍ صغيرةٍ تزينها أزهارٌ ملونة. جلست على مقعدٍ حجري، وأغمضت عينيها. تذكرت حديث أمها عن أن القلوب لا تطيع دائمًا، وعن ضرورة الجهاد ضد المشاعر التي تعترض سبيل الحق. الآن، لم تعد المشكلة مجرد مشاعر قلبٍ، بل أصبحت قضيةً تمس نزاهة رجلٍ ربما كانت تبدأ في الشعور نحوه بشيءٍ أكبر.

"يا رب، أصلح لي حالي، وأرشدني إلى الطريق السليم. احمني من الفتن، واحمِ من أحب."

كانت تلك أمنيتها الصادقة، فالحياة لم تكن دائمًا سهلة، والقلب البشري معقدٌ، والمؤامرات قد تأتي من حيث لا نحتسب. كانت تعلم أن عليها أن تكون قويةً، وأن تبحث عن الحقيقة، وأن تتمسك بالحق، مهما كان الثمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%