الحب الحلال الجزء الثاني
المواجهة ووشاح الحقيقة
بقلم سارة العمري
جاء الصباح يحمل معه قلقًا عميقًا في قلب نور. كانت تتأهب للقاء ذلك الشخص المجهول، وقلبها يدق بعنفٍ كطبلٍ يدق في ساحة معركة. لم تخبر أحدًا بما قررته، فقد آثرت أن تتحمل هذه الخطوة بمفردها، خوفًا على سلامة عائلتها. ارتدت نور ملابسًا بسيطةً وعملية، وحملت حقيبةً صغيرةً فيها هاتفها وحافظة نقود، وقليلٌ من المال، احتياطًا.
في الموعد المحدد، وقفت نور عند مدخل حديقة الأزهار، وهي تتفحص الوجوه المارة. كان الجو صافيًا، والشمس ساطعة، لكن الظلال كانت تتراقص في عينيها. بعد دقائق، اقترب منها رجلٌ يرتدي قبعةً وقناعًا يغطي الجزء السفلي من وجهه. بدا في منتصف العمر، وملابسه عادية.
"هل أنتِ الأستاذة نور؟" سأل بصوتٍ مكتوم.
"نعم، أنا هي. وأنت... من أنت؟"
"لا يهم اسمي الآن. المهم هو ما سأقوله لكِ. أنا شخصٌ عمل مع 'مجموعة النسر' لبعض الوقت. رأيتُ ما يفعلونه، ولم أعد أحتمل. لقد استغلوا حاجة سارة، ودفعوها لتسريب معلوماتٍ خاصة بالشركة."
"إذًا، ما سمعته عن سارة صحيح؟"
"نعم، صحيح. لكنها ليست الوحيدة. هناك في قسم المحاسبة رجلٌ يدعى 'عادل'. هو من كان يوجهها، وهو من كان يحصل على المعلومات بنفسه. سارة مجرد أداةٌ صغيرةٌ في يديه."
صدمت نور. عادل؟ الرجل الهادئ الذي كان يتحدث معها أحيانًا في المصعد؟ لم يخطر ببالها أبدًا أن يكون متورطًا. "عادل؟ هل أنت متأكد؟"
"بالتأكيد. لقد رأيته بنفسي. كان يتحدث معها، ويوجهها. وهو من كان يعطي المعلومات إلى جهاتٍ أعلى في المجموعة. هم الآن يخططون لعمليةٍ أكبر، تستهدف شركة الأستاذ خالد مباشرةً."
"شركة الأستاذ خالد؟" سألت نور بقلقٍ متزايد. "هل تقصد شركة 'النجاح للتجارة'؟"
"نعم. لديهم معلوماتٌ عن صفقةٍ كبيرةٍ ستقوم بها الشركة قريبًا، ويريدون عرقلتها. يريدون نشر أخبارٍ كاذبةٍ عنها، وابتزاز الأستاذ خالد. لقد استخدموا سارة للحصول على بعض التفاصيل الأولية، لكنهم يحتاجون إلى المزيد."
"وهل... هل الأستاذ خالد يعرف شيئًا عن هذا؟"
"لا أعتقد ذلك. إنه رجلٌ نزيه، ولن يتوقع مثل هذه المكائد."
"وماذا عن الدكتورة لمياء؟ هل لها علاقةٌ بهذا؟"
"الدكتورة لمياء؟ لا. إنها تبحث عن الحقيقة. لقد حاولتُ التواصل معها، لكن يبدو أنها لم تستطع الوثوق بي تمامًا. لقد رأيتُكِ تتحدثين مع الأستاذ خالد، وأعرف أنكِ لا تريدين له الأذى. لذا، قررتُ أن ألتقي بكِ."
"وماذا تريد مني؟"
"أريدكِ أن تتصرفي بحذر. عادل لديه عيونٌ في كل مكان. أخبرتُكِ بهذا لأنني لا أستطيع فعل المزيد. لقد تركتُ عملي معهم، وأخشى أن يتعرض لي أحدٌ منهم. ولكن، هناك شيءٌ واحدٌ يمكنني أن أقدمه لكِ. لقد تمكنتُ من الحصول على نسخةٍ من بعض الرسائل الإلكترونية التي تثبت تورط عادل. إنها معي. أريدكِ أن تأخذيها، وأن تستخدميها بحكمة."
مد الرجل يده، وأخرج من جيب سترته قرصًا صلبًا صغيرًا. وضعه في يد نور. "هذه الرسائل ستكشف كل شيء. إنها تثبت أن عادل هو من كان يخطط لكل هذا، وأن 'مجموعة النسر' هي من تقف وراءه. استخدميها لإثبات براءة الأستاذ خالد، وكشف الحقيقة."
تناولت نور القرص الصلب، وشعرت بوزنه في يدها. كانت هذه هي الأدلة التي تحتاجها. "شكرًا لك. سأفعل ما بوسعي."
"أتمنى لكِ التوفيق. ولكن، كوني حذرةً جدًا. عادل رجلٌ خطير."
اختفى الرجل في زحام الحديقة، تاركًا نور وحدها، تحمل عبء الحقيقة. عادت إلى المنزل، وهي تفكر في الخطوة التالية. كان عليها أن تتحدث مع الأستاذ خالد، وأن تثبت له ما حدث.
في تلك الأثناء، كان الأستاذ خالد قد أجرى بحثًا موسعًا عن "مجموعة النسر". وجد بعض المقالات الصحفية القديمة التي تشير إلى تورطهم في قضايا فسادٍ مالي. بدأ يشعر بقلقٍ متزايد.
بعد فترةٍ وجيزة، استطاعت نور أن تتواصل مع الأستاذ خالد. "أستاذ خالد، هل يمكنني التحدث معكِ في أمرٍ هامٍ جدًا؟ الأمر يتعلق بمسألةٍ خطيرة."
"بالتأكيد يا أستاذة نور. ما هو الأمر؟"
"هل يمكن أن نلتقي؟ في مكانٍ هادئٍ بعيدًا عن العمل؟"
"بالطبع. ما رأيكِ في مقهى 'الزيتون' بعد صلاة العشاء؟"
"مناسبٌ جدًا."
في المساء، في مقهى 'الزيتون'، جلست نور والأستاذ خالد على طاولةٍ منعزلة. كان الجو هادئًا، وإضاءة المقهى خافتة. بدأت نور في سرد كل ما سمعته، من فاطمة، ومن الرجل الغامض.
"وهذا هو القرص الصلب،" قالت نور، وهي تضع القرص أمام الأستاذ خالد. "هذا هو الدليل الذي حصلتُ عليه."
نظر الأستاذ خالد إلى القرص، ثم إلى نور. رأى في عينيها صدقًا وإصرارًا. "لم أتوقع أبدًا أن تكون الأمور بهذا التعقيد. شكرًا جزيلاً لكِ يا أستاذة نور. لقد فعلتِ شيئًا عظيمًا."
"كان واجبي. لم أرد أن أرى سمعتك تتعرض للتشويه بسبب مؤامراتٍ حقيرة."
"ولكن، ماذا عن عادل؟ وماذا سنفعل