الحب الحلال الجزء الثاني
المفاجأة غير المتوقعة وتزايد الشكوك
بقلم سارة العمري
عادت السيدة عائشة إلى منزلها بعد زيارةٍ لصديقةٍ قديمة، تحمل في يديها سلةً مليئةً بالفواكه الموسمية، وفي قلبها ارتياحٌ كبيرٌ بعدما استمعت إلى أخبارٍ مطمئنةٍ عن حال أسرة صديقتها. لكن، عندما دخلت إلى غرفة الجلوس، وجدت لمياء جالسةً وحدها، ملامح وجهها تعتريها حيرةٌ عميقة، وعيناها شاردتان. "ما بكِ يا حبيبتي؟" سألت السيدة عائشة، وهي تضع السلة جانباً. "هل حدث شيء؟" نظرت لمياء إلى والدتها، وقالت بصوتٍ خافت: "أمي، لقد تلقيتُ مكالمةً أخرى." "مكالمة؟ من؟" سألت السيدة عائشة بقلقٍ متزايد. "كان صوتاً رجولياً، غريباً. لم أتعرف عليه. قال إنه يريد أن يحذرني من أحمد. قال إنه ليس كما يظهر، وأن لديه أسراراً خطيرة." ارتسمت صدمةٌ على وجه السيدة عائشة. "ماذا؟ هذا مستحيل! أحمد شابٌ طيبٌ، وأخلاقه عالية." "لكن يا أمي، الصوت كان جاداً جداً. وقال أشياءً بدت وكأنها حقيقية. قال إن أحمد لديه ديونٌ كبيرة، وأنه يدخل في صفقاتٍ مشبوهة." "هذا افتراءٌ وكذب! من يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام؟" استنكرت السيدة عائشة. "لا يمكن أن تصدقي كل ما يقوله الغرباء. ربما هي محاولةٌ جديدةٌ لزرع الشك في قلبكِ." "لكن يا أمي، ماذا لو كان هناك جزءٌ من الحقيقة؟ ماذا لو كان أحمد يخفي علينا شيئاً؟" قالت لمياء، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. "لقد أحببته يا أمي، ولا أريد أن أكتشف لاحقاً أنني أخطأتُ الاختيار." احتضنت السيدة عائشة ابنتها بحنان. "يا ابنتي، اطمئني. ألم ترَي أخلاق أحمد، واحترامه؟ ألم ترى صدق والديه؟ هؤلاء الناس لا يكذبون. وهذا الصوت الغريب، بالتأكيد هو محاولةٌ من أحدهم ليفرق بينكِ وبين أحمد." "ولكن من؟ ولماذا؟" سألت لمياء، والشك لا يزال يخيم على ملامحها. "ربما بدر؟" قالت السيدة عائشة بتفكير. "لقد سمعتُ أن بدر لا يزال يطمع فيكِ. ربما يحاول بكل الطرق أن يعرقل زواجكِ." "لكن، كيف له أن يعرف عن أحمد كل هذه التفاصيل؟" سألت لمياء. "قد يكون لديه عيونٌ وآذانٌ في كل مكان. المال يفتح أبواباً كثيرة، حتى أبواب الشر."
في هذه الأثناء، كان أحمد يعيش لحظاتٍ من التوتر. كان قد طلب من صديقه المقرب، خالد، أن يراقبه سرّاً. لم يكن الأمر متعلقاً بلمياء، بل كان يتعلق بصفقةٍ تجاريةٍ كان على وشك إتمامها. كانت الصفقة مربحةً جداً، لكنها كانت تحمل بعض المخاطر. كان أحمد يعمل بكل جدٍ ليضمن نجاحها، لكنه كان يشعر ببعض الضغوط غير المبررة.
"خالد، هل تأكدت من الأمر؟" سأل أحمد عبر الهاتف. "نعم يا أحمد، لقد رأيتُ الشخص الذي استلم الأموال. كان رجلاً معروفاً بتعامله في السوق السوداء. لم أفهم لماذا تتعامل معه." "هذا ما يقلقني يا خالد. هناك شخصٌ ما يريد أن يعرقلني، أو ربما يستغلني." "ومن برأيك؟" "لا أعرف. لكن، يبدو أن هناك من يتجسس عليّ، أو ربما يعرف تفاصيل عن عملي." "إذا كان الأمر كذلك، يجب أن تكون حذراً جداً. قد تكون هذه الصفقة، أو أي صفقةٍ أخرى، هي مدخل أحدهم لإلحاق الأذى بك." "أنا أفكر في الأمر،" قال أحمد بجدية. "لكن، لا يمكنني أن أتراجع الآن. هذه الصفقة ضروريةٌ لنمو شركتي، ولتحقيق خططي المستقبلية." "فقط كن حذراً. ولو احتجتَ لأي شيء، فأنا بجانبك."
قرر السيد محمود أن يأخذ الأمور على محمل الجد. تحدث مع السيد سالم، وحكى له عن الشكوك التي بدأت تساوره، وعن التهديدات التي قد تكون موجهةً نحو ابنته. "سيدي سالم، لا أريد أن أخيفك، ولكن، يبدو أن هناك من يحاول أن يعرقل زواج أبنائنا. ابنتي لمياء تلقت تهديداتٍ، وأيضاً هناك من يحاول أن يزرع الشك في قلبها تجاه أحمد." صمت السيد سالم قليلاً، ثم قال: "محمود، أقدر لكَ صراحتك. أنا أيضاً أشعر بشيءٍ غريب. أحمد كان يتحدث معي عن بعض الضغوط التي يتعرض لها في عمله. يبدو أن هناك من يريد أن يزعزع استقراره." "إذن، ما هو الحل؟" سأل السيد محمود. "الحل هو أن نتكاتف. نحن عائلتان، وسنواجه أي تحدٍ معاً. سأتحدث مع أحمد، وسنحاول كشف من يقف وراء هذه الأمور. لا يمكن أن نسمح لأحدٍ بأن يدمر مستقبل أبنائنا." "أتفق معك تماماً،" قال السيد محمود. "مستقبل لمياء وأحمد هو الأولوية القصوى. ولا يمكن أن نتهاون في أمرٍ كهذا."
أخبر السيد سالم أحمد بما قاله السيد محمود. شعر أحمد بصدمةٍ مختلطةٍ ببعض الغضب. "أبي، من يستطيع أن يفعل هذا؟ ولماذا؟" "لا أعرف يا أحمد. لكن، يبدو أن هناك من يريد أن يحرمكِ من لمياء. لم تعد مجرد شائعاتٍ، بل أصبحت تهديداتٍ مباشرة." "وهذا ما كنتُ أشعر به. هناك من يراقبني، ويحاول أن يزرع الشك. ولكن، من؟" "لا أعرف، لكنني أثق بكَ يا أحمد. وأعرف أنك لن تفعل شيئاً يغضب الله، أو يضر بأسرة لمياء. سنتجاوز هذا الأمر معاً." "ولمياء؟ كيف حالها؟" سأل أحمد بقلق. "هي قلقةٌ قليلاً، لكنها قويةٌ بإذن الله. والدها يطمئنها، وهي تثق بك." "هذا هو الأهم. أريد أن أطمئنها بنفسي."
في هذه اللحظة، كان أحمد يشعر بشيءٍ أقوى من مجرد حبٍ. كان يشعر بالمسؤولية، وبالرغبة في حماية لمياء. كانت هذه الأحداث، مهما كانت سلبية، تجعله أكثر إصراراً على الزواج منها. لقد أصبح الأمر بالنسبة له، ليس فقط مسألة حب، بل مسألة استعادة استقراره، وحماية مستقبله، وحماية سعادة لمياء.
اتصل أحمد بلمياء. "لمياء،" قال أحمد بصوتٍ هادئٍ وثابت. "أحمد،" قالت لمياء، وكان صوتها لا يزال يحمل بعض القلق. "أنا أعرف أنكِ سمعتِ بعض الشائعات، وربما تلقيتِ بعض التهديدات. أردتُ فقط أن أطمئنكِ. أنا أحبكِ، وأثق بكِ. وأعدكِ بأنني سأكشف كل هذا." "وأنا أثق بكَ يا أحمد،" قالت لمياء، وشعرت ببعض الطمأنينة. "لكني قلقةٌ عليكَ." "لا تقلقي عليّ، بل اطمئني. نحن معاً في هذا. ولن نسمح لأحدٍ بأن يفرق بيننا." "إن شاء الله،" قالت لمياء.
كانت هذه المكالمة، نقطة تحولٍ بالنسبة لمياء. لم تعد ترى الأمر مجرد شكوكٍ، بل أصبحت ترى فيه مؤامرةً تستهدف مستقبلها. أدركت أن عليها أن تكون قويةً، وأن تدعم أحمد بكل قوتها. كان الزواج، الذي بدا في البداية حلماً وردياً، يتحول تدريجياً إلى ساحةٍ للمعركة، يجب أن تخوضها بشرفٍ وقوة.