الحب الحلال الجزء الثاني

عبق الياسمين وريشة الأمل

بقلم سارة العمري

كانت رائحة الياسمين تفوح بشدةٍ في أرجاء المكان، مزيجٌ من عبقٍ شذيٍّ ممزوجٍ بأنفاسٍ صبّيةٍ تملؤها الحيوية. اجتمعت في باحةِ منزلٍ قديمٍ، تزينه أشجارُ الزيتونِ المعمّرةُ، فتياتٌ يتجاذبن أطرافَ الحديثِ، وعيونهنّ تتلألأُ ببريقِ الشبابِ وحلمِ المستقبلِ. كانت "ليلى"، بطلةُ هذا المشهدِ، تجلسُ في زاويةٍ هادئةٍ، ودفترُ رسمٍ كبيرٌ على حجرها، وقلمُ رصاصٍ بين أصابعها، تعبثُ بهِ بتركيزٍ عميقٍ.

لم تكن ليلى مجرد فتاةٍ موهوبةٍ، بل كانت روحاً شفافةً، تتجلى مواهبها في كل ما تلمسه. كانت رسوماتها تحملُ بصمةَ قلبٍ يرى الجمالَ في أبسطِ الأشياءِ، ويترجمُ إحساسهُ الداخليَّ إلى خطوطٍ وألوانٍ نابضةٍ بالحياةِ. منذُ صغرها، كانت تجدُ في الرسمِ ملاذاً لها، ومنفذاً تتنفسُ منهُ، وتبدعُ فيهِ.

"ليلى، هل انتهيتِ من رسمِ مدخلِ الحديقةِ؟" سألتها صديقتها "سارة"، وهي تقتربُ منها مبتسمةً.

التفتت ليلى، وابتسمتْ بدورها. "بالتأكيدِ يا سارة. كنتُ أحاولُ التقاطَ دفءِ الشمسِ وهي تتسللُ بينَ أغصانِ الياسمينِ. أظنُّ أنها نجحتْ."

مدّت سارةُ يدها لتتصفحَ الرسمَ. "رائعٌ يا ليلى! وكأننا نقفُ هناكَ فعلاً. أنتِ حقاً فنانةٌ."

توردت وجنتا ليلى خجلاً. "شكراً لكِ يا سارة. هذهِ الألوانُ والطبيعةُ من حولنا هي الملهمُ الحقيقيُّ."

كانت ليلى تحلمُ بأن تُصبحَ مهندسةً معماريةً، وأن تُصمّمَ مبانٍ تجمعُ بينَ الأصالةِ والحداثةِ، وبينَ الجمالِ الهندسيِّ والوظيفةِ العمليةِ. كانَ شغفُها بالرسمِ والتصميمِ هوَ الدافعُ الأكبرُ لتحقيقِ هذا الحلمِ. كانت ترى في كلِ خطٍّ، وفي كلِ زاويةٍ، إمكانيةً لخلقِ شيءٍ جميلٍ ومفيدٍ.

"هل أنتِ متأكدةٌ من قراركِ بالانتقالِ إلى المدينةِ للدراسةِ؟" سألت سارةٌ بلهجةٍ فيها شيءٌ من الحزنِ. "سنفتقدكِ كثيراً هنا."

"أنا أيضاً سأفتقدكنَّ جميعاً." أجابت ليلى بصوتٍ هادئٍ. "ولكنَّ هذهِ فرصةٌ لا تعوّضُ. حلمي كبيرٌ، وأحتاجُ إلى مكانٍ أستطيعُ فيهِ تحقيقَهُ على أكملِ وجهٍ."

كان قرارُ ليلى بالسفرِ للدراسةِ قد اتُّخذَ بعدَ نقاشٍ طويلٍ معَ والديها. كانا قلقينِ من ابتعادها، ولكنّهما كانا مؤمنينِ بموهبتها وطموحها. والدها، المهندسُ "خالدٌ"، كانَ قد شجعها كثيراً، بل كانَ هوَ من أهدى إليها دفترَ الرسمِ الأولَ، وبدأَ يغرسُ في نفسها حبَّ العمارةِ والتصميمِ.

"لا تقلقي يا أمي،" قالت لليلى لوالدتها لاحقاً في ذلك اليوم، بينما كانت تساعدها في ترتيبِ بعضِ الملابسِ. "سأتصلُ بكِ كلَّ يومٍ، وسأعودُ في الإجازاتِ. ولن أنسى ما علّمتني إياه أمي من قيمٍ وأخلاقٍ."

كانت والدةُ ليلى، السيدةُ "زينب"، امرأةً صالحةً، تتمتعُ بحكمةٍ عميقةٍ وحبٍّ لا ينضبُ لأبنائها. كانت تمثلُ لأحمدَ في ذاكرتهِ نموذجَ الأمِّ المثاليةِ، الحنونةِ، الصابرةِ، والمؤمنةِ.

"أتمنى لكِ كلَّ التوفيقِ يا ابنتي." قالت والدتها وهي تحتضنها بحرارةٍ. "تذكري دائماً أنَّ النجاحَ في العلمِ لا يعني نسيانَ الدينِ والأخلاقِ. كوني قويةً، وصادقةً، وطيبةً، وسيفتحُ اللهُ لكِ أبوابَ الخيرِ."

في تلكَ الليلةِ، وبينما كانت ليلى تتأهبُ للنومِ، تصفحتْ صورَ عائلتها القديمةَ. كانت صورةٌ لفاطمةَ، والدةِ أحمدَ، تبرزُ بينَ الصورِ. كانت فاطمةُ صديقةَ مقربةً لوالدتها زينبَ، وقد تركتْ بصمةً في ذاكرةِ العائلةِ. كانت ليلى تتذكرُ قصصَ والدتها عن طيبةِ فاطمةَ، وعن أخلاقها الرفيعةِ.

"رحمكِ اللهُ يا خالتي فاطمة." همست ليلى وهي تنظرُ إلى الصورةِ. "أتمنى أن أكونَ جزءاً من مشروعِ زوجكِ. سمعتُ أنهُ بدأَ عملاً عظيماً."

كانت ليلى قد سمعتْ من والدتها عن مشروعِ أحمدَ الجديدِ، مشروعِ بناءِ مدرسةٍ للأيتامِ. شعرتْ بانجذابٍ غريبٍ نحو هذا المشروعِ. كانت ترى فيهِ فرصةً لتطبيقِ ما تعلمتهُ، ولتقديمِ شيءٍ نافعٍ للمجتمعِ.

في صباحِ اليومِ التالي، وبعدَ عناقٍ حارٍّ ووداعٍ مؤثرٍ، ركبتْ ليلى سيارةَ الأجرةِ التي ستقلُّها إلى محطةِ القطارِ. كانت حقيبتها مليئةً بالأحلامِ، وقلبها مليئاً بالأملِ. وبينما كانت السيارةُ تبتعدُ عن منزلها، لم تستطعْ ليلى أن تُبقيَ دموعَ الشوقِ والفرحِ معاً. كانت تعلمُ أنَّ هذهِ الخطوةَ هيَ بدايةُ طريقٍ جديدٍ، طريقٌ ستُصبحُ فيهِ جزءاً من قصةٍ أعمقَ، قصةٍ كانَ بطلُها هوَ أحمدُ، الرجلُ الذي بدأَ رحلةَ استعادةِ الأملِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%