الحب الحلال الجزء الثاني

لقاءٌ على مشارفِ الأمل

بقلم سارة العمري

كانت المدينةُ تضجُّ بالحياةِ، تئنُّ تحتَ وطأةِ صخبِها اليوميِّ، ولكنَّها تحتضنُ بينَ أحضانِها أحلاماً لا تُحصى، وطموحاتٍ تشرقُ كالشمسِ في سماءٍ صافيةٍ. وصلتْ ليلى إلى جامعتها العريقةِ، تلكَ الصرحِ العلميِّ الشامخِ، الذي لطالما حلمتْ بأنْ تكونَ جزءاً من منظومتهِ العلميةِ. كانت الأروقةُ واسعةً، تعجُّ بالطلابِ والطالباتِ، وجوهٌ شابةٌ، تتنافسُ في طلبِ العلمِ، وتسابقُ الزمنَ لتحقيقِ طموحاتها.

لم تكن ليلى مجرد طالبةٍ جديدةٍ، بل كانت تحملُ معها بصمةَ فنانةٍ، وشغفَ مهندسةٍ. في يومها الأولِ، وبينما كانت تتجولُ في أروقةِ قسمِ الهندسةِ المعماريةِ، لفتَ انتباهها ملصقٌ صغيرٌ معلّقٌ على لوحةِ إعلاناتٍ، كانَ الملصقُ يدعو إلى اجتماعٍ خاصٍّ لمناقشةِ مشروعٍ جديدٍ، مشروعٌ خيريٌّ يهدفُ إلى بناءِ مدرسةٍ للأيتامِ.

"مشروعٌ خيريٌّ لبناءِ مدرسةٍ للأيتامِ؟" همست ليلى لنفسها، وقد أضاءَ وجهها ببريقٍ من الاهتمامِ. لقد سمعتْ عن هذا المشروعِ من والدتها، عن أحمدَ، وعن حلمه. شعرتْ بأنَّ قلبها يخفقُ بشدةٍ، وكأنَّ القدرَ يبتسمُ لها.

توجهتْ ليلى إلى القاعةِ المحددةِ، فوجدتْ عدداً من الطلابِ والأساتذةِ قد اجتمعوا. كانَ الأجواءُ مفعمةً بالجديةِ والاهتمامِ. وبينما كانت تبحثُ عن مكانٍ تجلسُ فيهِ، وقعَ بصرها على رجلٍ يقفُ في مقدمةِ القاعةِ، يشرحُ بخطابٍ عميقٍ، وصوتهُ يحملُ صدقاً وعاطفةً. كانَ هذا الرجلُ هوَ أحمدَ.

لم تكن ليلى قد رأتهُ من قبلُ، ولكنَّ هيئتهُ المهيبةَ، وملامحهُ التي تحملُ آثارَ الحزنِ والخبرةِ، جعلتها تشعرُ بتقديرٍ واحترامٍ لا إراديٍّ. كانَ أحمدُ يتحدثُ عن أهميةِ التعليمِ للأطفالِ، وعن مسؤوليةِ المجتمعِ تجاهَ الأيتامِ. كانت كلماته تتسللُ إلى قلوبِ الحاضرينَ، وتزرعُ فيهمُ بذورَ العطاءِ والأملِ.

"لا يمكنُنا أنْ نسمحَ لأحلامِ هؤلاءِ الأطفالِ أنْ تموتَ قبلَ أنْ تبدأَ." قالَ أحمدُ بصوتٍ جهوريٍّ. "إنَّ بناءَ مدرسةٍ لهم ليسَ مجردَ بناءٍ حجريٍّ، بل هوَ بناءُ مستقبلٍ، بناءُ أجيالٍ قادرةٍ على النهوضِ بمجتمعها."

بعدَ انتهاءِ حديثِ أحمدَ، فتحَ بابُ النقاشِ. كانَ الطلابُ يطرحونَ أفكارهم واقتراحاتهم، وكانَ أحمدُ يستمعُ باهتمامٍ، ويتفاعلُ معهمُ بلباقةٍ ورؤيةٍ واضحةٍ. حينَ جاءَ دورُ ليلى، وقفتْ بخجلٍ، ولكنَّها استجمعتْ شجاعتها.

"سيدي أحمدَ،" قالتْ بصوتٍ هادئٍ ولكنَّهُ واضحٌ. "اسمي ليلى، وأنا طالبةٌ جديدةٌ في قسمِ الهندسةِ المعماريةِ. لقد أعجبتني فكرةُ المشروعِ جداً، وأنا أرى أنَّ التصميمَ المعماريَّ يمكنُ أنْ يلعبَ دوراً أساسياً في خلقِ بيئةٍ تعليميةٍ محفزةٍ ومريحةٍ للأطفالِ."

نظرَ أحمدُ إلى ليلى، وقد لمحَ في عينيها ذكاءً وشغفاً. "مرحباً بكِ يا ليلى. ما هيَ أفكارُكِ؟"

بدأتْ ليلى تشرحُ رؤيتها، تتحدثُ عن أهميةِ المساحاتِ الخضراءِ، وعن تصميمِ فصولٍ دراسيةٍ توفرُ إضاءةً طبيعيةً كافيةً، وعن خلقِ أماكنَ للعبِ والتفاعلِ، بحيثُ تكونُ المدرسةُ أكثرَ من مجردِ مكانٍ للدراسةِ، بل ملاذاً آمناً ومحفزاً للأطفالِ. كانت تتحدثُ بلغةٍ تجمعُ بينَ علمِ الهندسةِ وفنِّ الإبداعِ، وبينَ الروحِ الإنسانيةِ والتقديرِ العميقِ لاحتياجاتِ الأطفالِ.

كانَ أحمدُ يستمعُ بانبهارٍ. لم يتوقعْ أنْ يجدَ بينَ الطلابِ الجددِ شخصاً يمتلكُ هذهِ الرؤيةَ العميقةَ، وهذهِ الحساسيةَ الإنسانيةَ. رأى في ليلى روحَ فاطمةَ، روحَ العطاءِ والإبداعِ.

"أفكارٌ رائعةٌ يا ليلى." قالَ أحمدُ وهوَ يبتسمُ ابتسامةً نادرةً. "يبدو أنَّ لدينا عضواً جديداً قوياً في الفريقِ. أهلاً بكِ في مشروعِ أملٍ."

شعرتْ ليلى بسعادةٍ غامرةٍ. كانت تلكَ اللحظةُ بمثابةِ نقطةِ انطلاقٍ لها. شعرتْ بأنَّ حلمها قد بدأَ يتحققُ، وأنَّها ستكونُ جزءاً من عملٍ عظيمٍ.

وبعدَ انتهاءِ الاجتماعِ، اقتربَ منها أحمدُ. "ليلى، هل لديكِ بعضُ الوقتِ؟ أودُّ أنْ نتحدثَ أكثرَ عن تفاصيلِ المشروعِ، وعن رؤيتكِ الأوليةِ للتصميمِ."

"بالتأكيدِ سيدي أحمدَ." أجابتْ ليلى، وقلبها يرقصُ فرحاً.

وبينما كانا يسيرانِ في ساحةِ الجامعةِ، كانت أشعةُ الشمسِ الدافئةُ تلونُ المكانَ بلونِ ذهبيٍّ. شعرتْ ليلى بأنَّ هذا اللقاءَ ليسَ مجردَ لقاءٍ عمليٍّ، بل هوَ لقاءٌ يجمعُ بينَ روحينِ تبحثانِ عن معنىً، وعن فرصةٍ لتقديمِ الخيرِ. كانَ لقاءً على مشارفِ الأملِ، يجمعُ بينَ مهندسٍ بدأَ رحلةَ استعادةِ روحهِ، ومهندسةٍ شابةٍ بدأتْ رحلةَ تحقيقِ أحلامها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%