الحب الحلال الجزء الثاني
خيوطٌ متشابكةٌ ونوايا مكشوفةٌ
بقلم سارة العمري
كانَ القلقُ ينهشُ قلبَ ليلى. لم تستطعْ أنْ تفهمَ سببَ تغيرِ معاملةِ أحمدَ المفاجئِ. كانَ يتحاشاها، يقللُ من كلامهِ معها، ونظراتهُ أصبحتْ تحملُ شيئاً من الشكِّ والارتيابِ. شعرتْ بأنَّ حلمَ بناءِ المدرسةِ بدأَ يبتعدُ عنها، وأنَّ العلاقةَ بينها وبينَ أحمدَ، التي كانتْ قد بدأتْ تتشكلُ ببطءٍ، أصبحتْ مهددةً.
في إحدى الأمسياتِ، وبعدَ يومٍ طويلٍ في الجامعةِ، قررتْ ليلى أنْ تواجهَ أحمدَ. كانَ يعملُ في مكتبهِ، والضوءُ الوحيدُ ينبعثُ من مصباحٍ مكتبيٍّ، يلقي بظلالٍ طويلةٍ على الجدرانِ.
"سيدي أحمدَ،" قالتْ بصوتٍ فيهِ بحةٌ. "هل يمكنُني التحدثُ معكِ لدقائقَ؟"
رفعَ أحمدُ رأسهُ، ونظرَ إليها بعينينِ تحملانِ إرهاقاً وشيئاً من الحزنِ. "تفضلي يا ليلى."
"لقد لاحظتُ أنَّكَ تغيرتْ. وأخشى أنْ يكونَ السببُ هوَ تصميمي الأخيرُ." قالتْ ليلى، وحاولتْ أنْ تبدوَ هادئةً قدرَ الإمكانِ. "أريدُ أنْ أؤكدَ لكَ مرةً أخرى، أنَّ تصميمي يعتمدُ على إبداعي الخاصِّ. ولم أحاولْ أبداً أنْ أقلدَ أحداً."
تنهدَ أحمدُ، وجلسَ على كرسيهِ. "ليلى، أنا أقدرُ موهبتكِ، وأقدرُ جهدكِ. ولكنَّ هناكَ ما يقلقني."
"ما هوَ؟" سألتْ ليلى، وقلبها يزدادُ نبضاً.
"لقد وجدتُ أنَّ تصميمَكِ للفناءِ يحملُ تشابهاً كبيراً معَ تصميمٍ نشرهُ زميلي القديمُ، سعيدٌ، قبلَ سنواتٍ. كانَ سعيدٌ شخصاً منافساً، وكانَ يحاولُ أنْ يضعَ العراقيلَ في طريقي دائماً. أخافُ أنْ يكونَ لديهِ دورٌ في هذا الأمرِ."
بدأتْ ليلى تفهمُ. كانَ أحمدُ يخشى أنْ يكونَ هناكَ تآمرٌ، وأنْ تكونَ هيَ جزءاً منهُ، ربما دونَ علمها.
"يا سيدي أحمدَ،" قالتْ ليلى بحزمٍ. "أنا لم أسمعْ بهذا الشخصِ، سعيدٌ، إلا منك. ولم أرَ تصميمهُ قط. تصميمي مستوحى من الطبيعةِ، ومن رغبتي في خلقِ مساحةٍ آمنةٍ ومحفزةٍ للأطفالِ. ربما كانَ سعيدٌ قد استخدمَ أفكاراً شائعةً في مجالِ التصميمِ، وربما كانَ تشابهُ الأفكارِ محضُ صدفةٍ."
"ولكنَّ الصدفَ لا تبني قصصاً بهذا الوضوحِ." قالَ أحمدُ، وبدأَ يشعرُ بثقلِ الشكِّ يزدادُ.
"يا سيدي أحمدَ،" قالتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ بالصدقِ. "أنا هنا لأجلِ المشروعِ. لأجلِ أحلامِ فاطمةَ، وحلمكَ. أرجو أنْ تثقَ بي. إذا كنتَ تريدُ أنْ تتأكدَ، يمكننا البحثُ عن تصميماتٍ أخرى لسعيدٍ، ويمكننا مقارنتها. ولكنْ، أرجوكَ، لا تدعْ شكوككَ تدمّرُ هذا العملَ الهامَّ."
صمتَ أحمدُ لدقائقَ. كانَ يرى في ليلى صدقاً، ويرى في كلماتها رغبةً حقيقيةً في المساعدةِ. ولكنَّ أصواتَ الماضي كانتْ لا تزالُ تترددُ في أذنيهِ.
"حسناً يا ليلى." قالَ أخيراً. "سنبحثُ عن تصميماتِ سعيدٍ. ولكنْ، أريدُ منكِ أنْ تعيدي النظرَ في تصميمِ الفناءِ. ربما يمكننا إضافةُ بعضِ التعديلاتِ التي تجعلهُ أكثرَ تميزاً، وأكثرَ بعداً عن أيِّ تشابهٍ محتملٍ."
شعرَتْ ليلى بارتياحٍ طفيفٍ. على الأقلِّ، لم يعدْ هناكَ شكٌّ مباشرٌ بها.
في الأيامِ التاليةِ، كرّسَ أحمدُ وليلى وقتاً للبحثِ عن تصميماتِ سعيدٍ. وجدوا بعضَ التصميماتِ القديمةِ، ولكنَّها لم تحملْ نفسَ التشابهِ العميقِ الذي كانَ يشغلُ بالَ أحمدَ. بدأَ الشكُّ يتلاشى ببطءٍ، وحلَّ محلّهُ شعورٌ بالراحةِ، وبدايةُ إعادةِ الثقةِ.
ولكنَّ المفاجأةَ الكبرى كانتْ في نهايةِ الأسبوعِ. بينما كانَ أحمدُ يتصفحُ بعضَ الملفاتِ القديمةِ التي تركها لهُ والدهُ، وجدَ رسالةً قديمةً من سعيدٍ، موجهةً إليهِ، بتاريخٍ قديمٍ جداً. الرسالةُ كانتْ مليئةً بالتهديدِ والوعيدِ، وكانَ سعيدٌ يتهمُ أحمدَ فيها بمحاولةِ سرقةِ أفكارِهِ.
"يا لهُ من شخصٍ حقيرٍ!" قالَ أحمدُ بصوتٍ مكتومٍ.
ثمَّ وجدَ أحمدُ شيئاً آخرَ، ملفاً صغيراً يحتوي على رسوماتٍ أوليةٍ لتصميمٍ للفناءِ. كانتْ هذهِ الرسوماتُ من توقيعِ سعيدٍ، ولكنَّها كانتْ تحملُ أفكاراً خاماً، ولم تكنْ مكتملةً.
"إذنْ، هوَ من حاولَ إيهامَ الجميعِ؟" تساءلَ أحمدُ. "هو من حاولَ أنْ يزرعَ الشكَّ في رأسي؟"
حينَ عرضَ أحمدُ الرسوماتِ على ليلى، شعرتْ بالدهشةِ والغضبِ. "هذا ما كنتُ أخشاهُ. لقد حاولَ أنْ يشوّهَ سمعتكَ، وأنْ يدمرَ مشروعكَ."
"ولم ينجحْ." قالَ أحمدُ بابتسامةٍ خفيفةٍ. "بفضلكِ يا ليلى. لقد ساعدتني على تجاوزِ مخاوفي، وعلى رؤيةِ الحقيقةِ. شكراً لكِ."
شعرَتْ ليلى ببعضِ الدفءِ في قلبها. لقد نجحتْ في بناءِ جسرٍ من الثقةِ معَ أحمدَ.
ولكنَّ القصةَ لم تنتهِ بعدُ. كانَ هناكَ خيوطٌ متشابكةٌ، ونوايا مكشوفةٌ، ولكنَّها لم تكشفْ عن كاملِ أسرارها بعدُ. كانَ سعيدٌ قد اختفى عن الأنظارِ لسنواتٍ، ولكنَّ ما فعلهُ أثارَ في أحمدَ شكوكاً جديدةً. هل كانَ سعيدٌ يعملُ لوحدهِ؟ أمْ كانَ هناكَ شخصٌ آخرُ، يقفُ خلفَ الستارِ، يدبرُ المكائدَ؟
معَ انكشافِ هذهِ الحقيقةِ، شعرَ أحمدُ بقوةٍ جديدةٍ. لم يعدْ الحزنُ هوَ المسيطرَ. بل أصبحَ هناكَ هدفٌ جديدٌ: حمايةُ هذا المشروعِ من أيِّ تهديدٍ، وكشفُ كلِّ الحقائقِ المخفيةِ، مهما كانَ الثمنُ. شعرَ بأنَّهُ لم يعدْ وحيداً في هذهِ المعركةِ، وأنَّ ليلى، بفكرها وصدقها، أصبحتْ رفيقةَ دربهِ في هذهِ الرحلةِ.
===END_OF_CHAPTERS===