الحبيب الغائب الجزء الثاني

لقاء على ضفاف الذكريات

بقلم فاطمة النجار

كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة، مرسلةً خيوطها الذهبية لتتسلل بين أوراق نخيل الوادي، وكأنها ترسم لوحةً سحريةً على صفحة الماء الهادئ. جلست ليالي على حافة النهر، تراقب انعكاس السماء الملونة على سطح الماء، وكلما انحدرت الشمس أكثر، كلما زادت وحشة القلب. لقد مرت شهورٌ على رحيل أدهم، شهورٌ لم تتوقف فيها قطرات الحنين عن سقي روحها، ولم تهدأ فيه رياح الشوق من عصفها.

لم تأتِ إلى هذا المكان إلا في أشد لحظات وحشتها، حينما تشتاق لمحادثاته العميقة، لضحكته الصافية، لعينيه اللتين كانتا تحملان أسرار الكون. كانت تتذكر كيف كانا يجلسان هنا، يتحدثان عن المستقبل، عن أحلامهما المشتركة، عن بيتٍ صغيرٍ يجمع عطر الياسمين ورائحة القهوة. الآن، باتت تلك الأحلام مجرد طيفٍ يراودها في صحوها ومنامها.

ارتدت عباءتها السوداء، التي لم تفارقها منذ أن طويت صفحة الأيام الجميلة، وشعرها الأسود الطويل المنسدل كشلالٍ داكنٍ على كتفيها. لم تعد تلك الفتاة المرحة التي تضحك بصوتٍ عالٍ وتراقص الفراشات في الحقول. لقد ارتسمت على وجهها علامات الحزن العميق، وباتت عيناها تحملان ثقل السنين، رغم أن سنوات عمرها لم تتجاوز العقد الثالث.

همست لنفسها بصوتٍ مخنوق: "يا أدهم، هل تذكر هذا المكان؟ هل تذكر وعدنا؟"

لم يكن النهر وحده الشاهد على قصتهما، بل كانت الأشجار القديمة، والأحجار الملساء التي جلس عليها ألف حديثٍ وحلم. كانت كل ذرة رملٍ هنا تحمل بصمة وجوده، وكل نسمة هواءٍ تحمل صدى صوته.

فجأة، سمعت صوت خطواتٍ تقترب. رفعت رأسها بتوجس، وقلبها يخفق بعنف. هل هو؟ هل عاد؟

لكن سرعان ما تبدد الأمل حينما رأت وجهه. لم يكن أدهم. كان خالد، صديق أدهم المقرب، وشريكه في العمل. كان يرتدي زي العمل المعتاد، وجهه يعكس بعض الإرهاق، لكن عينيه كانتا تحملان لطفاً ودفئاً اعتادت عليه ليالي.

"ليالي؟" نطق باسمها بصوتٍ هادئ، فيه شيءٌ من الدهشة. "لم أتوقع أن أراكِ هنا."

لم تجد ليالي ما تقوله. وقفت مذهولة، وكأنها ترى شبحاً. لم تسمع عن خالد منذ غادر أدهم.

اقترب خالد ببطء، وحاول أن يرسم ابتسامةً خفيفة على وجهه. "كيف حالكِ؟" سأل، وعيناه تتفحصان وجهها بقلق.

"بخير، الحمد لله،" أجابت ليالي بصوتٍ بالكاد يُسمع. "وأنت؟"

"أنا على حالي،" أجاب خالد، وجلس على بعد خطواتٍ منها، ناظراً إلى النهر. "كنتُ أبحث عن بعض الهدوء. هذا المكان دائماً ما يكون ملجأً لنا."

تنهدت ليالي وأومأت برأسها. "أجل، كان كذلك."

صمتٌ ثقيلٌ خيّم بينهما، لم يقطعه إلا حفيف أوراق الشجر وصوت الماء. كان صمتاً محملاً بالكثير من المشاعر المكبوتة، بالذكريات المشتركة، وبالأسئلة التي لا إجابة لها.

"لقد افتقدنا أدهم كثيراً،" كسر خالد الصمت أخيراً، وصوته يحمل حزناً عميقاً. "خاصةً في العمل. كان كل شيءٍ يسير بسلاسةٍ معه. كان لديه رؤيةٌ فريدة."

"نعم،" وافقت ليالي، وشعرت بلسعةٍ جديدةٍ في قلبها. "كان."

"كنتُ أريد أن أتحدث معكِ،" تابع خالد، ثم تردد قليلاً. "منذ أن غادر، لم أستطع إيجاد وقتٍ مناسبٍ لأحدثكِ. ظروف العمل كانت قاسية."

"أتفهم،" قالت ليالي. "لكن، بماذا تريد أن تتحدث؟"

نظر خالد إليها مباشرةً، وعيناه تشعان بصدقٍ وحزن. "أعلم أن هذا قد يكون صعباً، لكنني شعرتُ بمسؤوليةٍ تجاهكِ. لقد كنتُ أقرب صديقٍ لأدهم، وشهدتُ على كل شيء."

شعرت ليالي بنبض قلبها يتسارع. "على ماذا شهدت؟"

"لقد شهدتُ على حبكما، ليالي. على مدى تضحياتكما، وعلى الأمل الذي كنتم تبنيانه. أدهم لم يرحل لمجرد الرحيل. كانت هناك أسبابٌ قويةٌ دفعته."

"أعلم الأسباب،" قالت ليالي ببرودٍ مصطنع. "لقد اختار طريقاً آخر."

"لم يختر طريقاً آخر، ليالي،" رد خالد بحزمٍ وهدوء. "لقد اضطر. لقد تعرض لضغوطٍ هائلة، لتهديداتٍ لم تكن تعلمين بها. كان يحاول حمايتكِ، وحماية والديكِ. لقد فعل كل هذا ليبقى لكم الأمان."

اتسعت عينا ليالي بصدمة. "تهديدات؟ لم يذكر لي شيئاً."

"لأنه لم يرد أن يقلقكِ. لقد حمل العبء وحده. لقد تركتُ لكِ بعض الرسائل التي كتبها قبل رحيله. كان يخشى أن لا تسنح له الفرصة. أظن أنني أملكها هنا."

مد خالد يده إلى حقيبته الجلدية، وأخرج منها مظروفاً قديماً، بدا أنه لم يُفتح من قبل. قدمه إلى ليالي.

ارتعشت يدا ليالي وهي تأخذ المظروف. كان ورقاً قديماً، وعليه اسم أدهم مكتوبٌ بخطٍ أنيقٍ كان يبعث الدفء في قلبها. شعرت بأنها على وشك الانهيار.

"لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" سألت بصوتٍ مرتجف.

"كنتُ أحتاج إلى الوقت المناسب، ليالي. وإلى التأكد من أنكِ قادرةٌ على استيعاب ما سيأتي. أدهم كان يعلم بمدى تأثركِ. كان يخشى أن يكسر قلبكِ مرتين."

وقفت ليالي، والمظروف بين يديها، وشعرت بثقلٍ رهيبٍ يقع على صدرها. ذكريات أدهم، والوعد الذي لم يكتمل، والآن هذه الرسائل التي قد تحمل إجاباتٍ لكل أسئلة حياتها.

"شكراً لك، خالد،" قالت بصوتٍ ممتلئٍ بالامتنان والألم. "شكراً جزيلاً."

"لا تشكريني،" رد خالد. "هذا واجبي. أدهم كان أخي، وأنتِ جزءٌ من عائلته. أتمنى أن تجدي في هذه الرسائل ما يخفف عنكِ."

نظرت ليالي إلى المظروف، ثم إلى النهر، حيث كانت آخر خيوط الشمس تتلاشى. شعرت بأن حياتها على وشك أن تأخذ منحىً جديداً، منحىً قد يكشف عن أسرارٍ دفنت مع رحيل حبيبها.

"سأذهب الآن،" قالت ليالي. "لا بد أن أقرأها."

"تفضلي،" قال خالد، ووقف معها. "وإذا احتجتِ أي شيء، فأنا هنا."

ودعت ليالي خالد، ثم انطلقت مسرعةً نحو منزلها، والمظروف الثقيل بين يديها، قلبها ينبض بالأمل والخوف معاً. لقد عادت ذكرى أدهم بقوةٍ أكبر، لكن هذه المرة، حملت معها مفتاحاً قد يفتح أبواباً كانت موصدةً في وجه الحقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%