الحبيب الغائب الجزء الثاني

صدى الأمس ونداء المستقبل

بقلم فاطمة النجار

بعد قراءة رسائل أدهم، شعرت ليالي بأن طبقاتٍ من الغموض قد بدأت تنكشف، لكن مع كل طبقةٍ تنكشف، كانت هناك طبقةٌ أخرى أكثر تعقيداً تتوالد. لم تعد تشعر بالوحدة القاتلة التي كانت تخنقها، بل أصبحت تشعر بنوعٍ غريبٍ من الاستعداد، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة دون أن تدري.

في الأيام التي تلت لقاءها بخالد، باتت ليالي أكثر هدوءاً، لكن هذا الهدوء كان ينبع من الداخل، من قناعةٍ جديدةٍ تشكلت في وعيها. لم تعد تفكر في ماضيها مع أدهم كمجرد ذكرياتٍ مؤلمة، بل كقاعدةٍ صلبةٍ تبني عليها مستقبلها. بدأت تفهم لماذا كان أدهم يخفي عنها بعض الأمور، ولماذا كان يتصرف أحياناً بطرقٍ بدت غريبةً وغير مفهومة.

كانت تقضي ساعاتٍ طويلةٍ في البحث عن أي شيءٍ قد يساعدها على فهم ما تواجهه. بدأت تدرس ملفات العمل القديمة لأدهم، والتي كانت تحتفظ بها بعناية، كأنها قطعٌ أثريةٌ ثمينة. كانت تبحث عن أي شيءٍ قد يشير إلى طبيعة التهديدات التي تحدث عنها، أو إلى الأشخاص الذين قد يكونون وراءها.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت تراجع أوراقاً قديمةً تخص أحد المشاريع التي عمل عليها أدهم، وجدت ورقةً مخبأةً بين الملفات. كانت عبارة عن ملاحظاتٍ مكتوبةٍ بخطٍ سريعٍ، يبدو أنها كُتبت في عجلةٍ من أمرها.

"يجب أن أتخلص من هذا الأمر قبل أن يتفاقم،" كانت إحدى الجمل المكتوبة. "هم يعرفون أن لدي شيئاً ثميناً. لا يمكنني المخاطرة بفقدانه. هذا الشيء سيغير كل شيء. ليس لهم فقط، بل لنا جميعاً."

"ثمنه كبير، ولكن ثمن خسارته أكبر. يجب أن أجد الطريقة الصحيحة لحمايته، ولضمان وصوله إلى الأيدي الأمينة. خالد هو المفتاح. هو الوحيد الذي يمكنني الوثوق به تماماً."

"إذا لم أفلح، فالأمل الوحيد هو ليالي. يجب أن تعرف. يجب أن تفهم. هي قوةٌ لا يستهان بها. أمانها هو أولويتي."

شعرت ليالي بالبرد يتسرب إلى أطرافها. "شيءٌ ثمين؟" تساءلت بصوتٍ عالٍ. "ما هو هذا الشيء؟"

لم تكن تفهم ماذا يقصد أدهم. هل كان يتحدث عن مشروعٍ ما؟ عن اختراعٍ؟ أم كان شيئاً آخر؟

قررت أن تستشير خالد. أرسلت له رسالةً تطلب فيها لقاءً عاجلاً. عندما التقيا في مقهىً هادئٍ في أحد أحياء المدينة، كان وجه خالد يعكس قلقاً مألوفاً.

"مرحباً ليالي،" قال بصوتٍ متعب. "ما الأمر؟ هل كل شيءٍ بخير؟"

"لستُ متأكدة، خالد،" أجابت ليالي، وقدمت له الورقة التي وجدتها. "لقد وجدتُ هذا بين أوراق أدهم. لا أفهم معناه. ما هو هذا الشيء الثمين الذي كان يتحدث عنه؟"

أخذ خالد الورقة، وبدأت عيناه تتفحصانها بسرعة. كان يبدو مهتماً، لكنه أيضاً كان متوتراً. "هذا... هذا غريب،" قال أخيراً، ورفع بصره إليها. "لم أكن أعلم أن أدهم كتب عن هذا بشكلٍ مباشرٍ في أوراقه. لقد تحدثنا عن الأمر بشكلٍ عام، لكن ليس بهذه التفاصيل."

"ما هو يا خالد؟" سألت ليالي بإلحاح.

"أدهم،" بدأ خالد، و تردد قليلاً، "كان يعمل على مشروعٍ سريٍّ للغاية. مشروعٌ لم يكن يعلم به الكثيرون. كان يتعلق بتقنيةٍ جديدة، تقنيةٍ يمكن أن تغير وجه الكثير من الصناعات. لكن الأمر لم يكن مجرد تقنية. كان هناك جانبٌ أخلاقيٌ مهمٌ جداً لهذا المشروع."

"ما هو هذا الجانب؟"

"أدهم كان يخشى أن تُستغل هذه التقنية في أغراضٍ ضارة. كان يعتقد أنها يمكن أن تُستخدم كسلاح، أو لأغراضٍ تضر بالبيئة أو بالمجتمع. لذلك، كان يبحث عن طريقةٍ لتطويرها بطريقةٍ مسؤولة، بطريقةٍ تعود بالنفع على البشرية."

"هذا هو الشيء الثمين؟"

"أجل، وأكثر من ذلك. كان يعتقد أن لديه ما يكفي من المعلومات والأدلة لإثبات أن هناك آخرين يحاولون سرقة هذه التقنية لاستخدامها في الشر. لقد كان يخاف منهم، وكان يحاول أن يمنعهم من الحصول عليها."

"ولماذا لم يخبرني؟"

"لأنه كان يخشى على سلامتكِ. لقد قلتُ لكِ، كان يرى فيكِ كل ما يحب، وكل ما يريد حمايته. إذا علموا أن لديكِ معلومات، فقد يستهدفونكِ. كان يعتقد أن ابتعاده هو أفضل طريقةٍ لحمايتكِ. لقد تحمل كل شيءٍ وحده."

"لكن لماذا الآن؟ لماذا هذه الرسائل؟"

"أعتقد أنه شعر بأن الوقت يضيق. وأنهم أصبحوا قريبين جداً منه. لقد أراد أن يترك لكِ خياراً، إذا حدث له مكروه. أن تعرفي الحقيقة، وأن تحاولي إكمال ما بدأه، أو على الأقل، أن تحافظي على سلامتكِ."

"وهل أنتَ تعرف أين توجد هذه التقنية؟ أو الأدلة؟"

نظر خالد إلى ليالي بعينين فيها مزيجٌ من الأمل والقلق. "أعتقد أن أدهم ترك لنا بعض الخيوط. خيوطٌ يجب أن نتبعها بحذرٍ شديد. هم يراقبونني أيضاً، ليالي. لم أستطع التحدث معكِ بصراحةٍ إلا الآن. كانت هناك ظروفٌ تحول دون ذلك."

"وماذا الآن؟" سألت ليالي، وشعرت بأنها لم تعد مجرد فتاةٍ تنتظر حبيبها، بل أصبحت جزءاً من مؤامرةٍ خطيرة، تحمل على عاتقها مسؤوليةً كبيرة.

"الآن، يجب أن نكون حذرين للغاية،" قال خالد. "يجب أن نعمل معاً. لقد ترك أدهم لنا إرثاً، إرثاً لا يمكن أن يقع في الأيدي الخطأ. يجب أن نجد هذه التقنية، ونحميها، ونستخدمها في الخير، تماماً كما أراد. ولكننا نحتاج إلى أن نكون أذكياء، وأن نكون أقوياء."

نظرت ليالي إلى خالد، ورأت فيه شريكاً حقيقياً في هذه المعركة. لقد كان أدهم يثق به، وهي الآن تثق به.

"أنا معك، خالد،" قالت ليالي بصوتٍ ثابت. "سأفعل كل ما بوسعي. من أجل أدهم، ومن أجل مستقبلنا."

كانت الكلمات كافيةً لتبث في روح خالد بعض الأمل. لقد كان يعلم أن هذه الرحلة لن تكون سهلة، لكنه كان يعلم أيضاً أن ليالي، بعزيمتها وقوتها، يمكن أن تكون المفتاح لإكمال ما بدأه أدهم.

نهضت ليالي، وشعرت بثقلٍ جديدٍ على أكتافها، لكنه ثقلٌ لم يكن مؤلماً. كان ثقل الأمل، وثقل المسؤولية، وثقل حبٍ لا يموت. لقد بدأت رحلةٌ جديدة، رحلةٌ ستكشف عن أعمق أسرار الماضي، وتفتح أبواباً للمستقبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%