الحبيب الغائب الجزء الثاني
همسات الماضي ووعود المستقبل
بقلم فاطمة النجار
تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر ستائر غرفة ليلى، ملقية بوهج خجول على وجهها المنهك. لم يغمض لها جفن طوال الليل، فقد تراقصت أمام عينيها صور خالد، ذكريات الأيام الخوالي، ممزوجة بملامح يوسف القلقة، وكلمات والدتها الحكيمة. كانت الرسالة القصيرة التي وصلتها في الصباح الباكر، "أحتاج لرؤيتك. خالد"، بمثابة قنبلة موقوتة في قلبها الهادئ.
في محاولة يائسة لاستعادة رباطة جأشها، قررت ليلى أن تشارك الأمر مع أقرب أصدقائها، سارة. جلست الاثنتان في مقهى هادئ، تفوح منه رائحة القهوة العربية الأصيلة. "لا أعرف ماذا أفعل يا سارة." بدأت ليلى وهي تمسح دمعة عنيدة. "لقد عاد، ويريد رؤيتي. كيف يمكنني أن أتعامل مع هذا؟" نظرت سارة إلى ليلى بعينين تحملان مزيجاً من القلق والتفهم. "حبيبتي، أنا أتفهم خوفك. خالد كان جزءاً مهماً من حياتك. ولكن لنتذكر، أنتِ الآن مخطوبة ليوسف. أنتِ في علاقة جدية. هل تشعرين بأنكِ ما زلتِ تحبين خالد؟" "لا... لا أعتقد ذلك. أنا أحب يوسف. هو رجل طيب، ويستحق أن أمنحه كل وقتي ومشاعري. ولكن... خالد كان يعني لي الكثير. صداقتنا كانت عميقة، وربما... ربما كانت هناك مشاعر لم تتكشف بالكامل." ترددت ليلى. "إذاً، هذا هو بيت القصيد. لستِ متأكدة تماماً من طبيعة مشاعرك تجاه خالد. وهذا هو بالضبط ما يجب أن تتحدثي عنه مع يوسف. الصدق هو مفتاح أي علاقة ناجحة، خاصة علاقتكما المبنية على الزواج. لا تخبئي عنه شيئاً. إذا لم يكن لديكِ مشاعر تجاه خالد، فقولي ذلك له بوضوح. وإذا كنتِ تشعرين بشيء، فكوني صادقة معه أيضاً." "ولكن كيف سيفهم ذلك؟ قد يعتقد أنني ألعب بمشاعره، أو أنني لا أزال متعلقة بخالد." "يوسف رجل حكيم، يا ليلى. وهو يحبك. إذا تحدثتِ إليه بصراحة، بصدق، وباحترام، فسيقدر ذلك. الأهم هو ألا تتواصلي مع خالد دون علمه. هذا ليس من باب الشك، بل من باب الشفافية والاحترام لعلاقتكما." "ربما أنتِ على حق." تمتمت ليلى. "ولكنني أشعر بالخوف الشديد. أنا لا أريد أن أخسر يوسف." "لن تخسريه إذا كنتِ صادقة مع نفسك ومعها. توكلي على الله. أرسلي له رسالة، واطلبي منه أن يلتقي بكِ مع يوسف. أو إذا لم يكن هذا ممكناً، فلتحددي موعداً مع خالد، وتكوني صريحة معه تماماً. أخبريه أنكِ ملتزمة بيوسف، وأنكِ تسعين لبناء مستقبل معه. اجعلي الأمور واضحة تماماً."
في مكان آخر من المدينة، كان يوسف يبحث عن خاتم زواج مناسب لليلى. كان يرى في هذه الخطوة تعبيراً عن جديته والتزامه. كان يخطط لمستقبلهما بحب وشغف، وكان كل تفصيل يضعه نصب عينيه يصب في خدمة سعادتهما المشتركة. وبينما كان يتفحص مجموعة من الخواتم في محل مجوهرات فاخر، تلقى اتصالاً من ليلى. "مرحباً يا حبيبتي." قال يوسف بصوت دافئ. "مرحباً يوسف. هل أنت مشغول؟" سألت ليلى بصوت متردد. "قليلاً، ولكني أستطيع تخصيص بعض الوقت لكِ. هل حدث شيء؟" "في الحقيقة... هناك أمر أود أن أتحدث معك فيه. بخصوص صديق قديم لي، يدعى خالد. لقد عاد إلى المدينة، وقد طلب مني لقاءه." صمت يوسف للحظة. لم يخفِ عنه شعوره المفاجئ بعدم الارتياح. "خالد؟ صديقك القديم؟" "نعم. كنا أصدقاء مقربين جداً في الماضي، قبل أن يسافر. ولم أكن أتوقع عودته." "وماذا تريدين أن تفعلي؟" سأل يوسف بهدوء، محاولاً أن يخفي توتره. "أنا... لا أعرف. ولكنني أريد أن أكون صريحة معك. أنت شريكي في هذه العلاقة، ومن واجبي أن أشاركك كل ما يؤثر عليّ." "أنا أقدر صراحتك يا ليلى، وأقدر ثقتك بي. هل هناك ما يقلقك بشأن هذا اللقاء؟" "قليلاً. لست متأكدة من مشاعري تجاه خالد الآن. ربما كانت هناك مشاعر... ربما لم تكن مجرد صداقة. لا أريد أن أخسرك يا يوسف. أنت كل شيء بالنسبة لي." تنهد يوسف بعمق. "أتفهم. ولكن اسمحي لي أن أقول لكِ شيئاً. أنا أثق بكِ يا ليلى. وأعلم أنكِ امرأة صالحة، تخافين الله. ولكن، إذا كنتِ تشعرين بأن هناك ماضٍ قد يعود ليؤثر على حاضرنا، فمن الأفضل أن تكوني واضحة تماماً. ربما، لكي تطمئن نفسكِ وتطمئنيني، يجب أن يكون لقاؤكما معلماً. أن تلتقيا في مكان عام، أو ربما... ربما أفضل أن نلتقي نحن الثلاثة؟" شعرت ليلى بانشراح غريب. كانت هذه هي الطريقة المثلى. "موافقة يا يوسف. أظن أنها أفضل فكرة. ولكن... كيف سأقول له ذلك؟" "ستكونين صريحة. تخبرينه بأنكِ مخطوبة، وأنكِ تحبين شخصاً آخر، وأن لقاءكما يجب أن يكون في إطار يحفظ احترام الجميع. لا تترددي في التعبير عن مشاعرك تجاهي." "شكراً لك يا يوسف. أنت حقاً سند." "هذا واجبي. لا تقلقي. سنواجه هذا الأمر معاً."
بعد المكالمة، عاد يوسف إلى تفكيره. كان اللقاء مع خالد سيحدث، وكان عليه أن يكون مستعداً. لم يكن يغار، بل كان يشعر بمسؤولية تجاه ليلى، ومسؤولية تجاه علاقتهما. كان يريد أن يضمن أن تكون هذه العلاقة مبنية على أسس صلبة، لا تشوبها أي شوائب من الماضي.
في تلك الأثناء، تلقى خالد رسالة من ليلى. قرأها ببطء، وفهم ما وراء كلماتها. كانت صريحة، واضحة، وحاسمة. "أنا مخطوبة ليوسف، وأنا سعيدة معه. إذا أردت رؤيتي، فيجب أن يكون ذلك بحضوره." شعر خالد بوخزة خفيفة في قلبه، ولكن سرعان ما استبدلتها قناعة. لقد اختارت ليلى، وهذا هو المهم. لقد عرفت طريقه، وكان عليه أن يحترم اختياره. "حسناً يا ليلى." كتب رداً. "سأكون ممتناً للقائكما معاً. أود أن ألتقي بخطيبك، وأن أسمع منه عن رؤيته لمستقبلكما. ومتى ما كنتِ مستعدة." كان هذا التنازل منه خطوة مهمة. كان يتوقع أن تكون ليلى مترددة، أو ربما خائفة. لكنها كانت واثقة، قوية، ومستعدة. هذا ما أحبه فيها دائماً.
كانت ليلى تشعر بالراحة بعد هذا التبادل. كانت قد اتخذت القرار الصعب، وبدأت تواجه الأمور بشجاعة. كانت تعلم أن لقاءها بخالد مع يوسف لن يكون سهلاً، ولكنه سيكون ضرورياً. كان لقاءً سيحدد ملامح المرحلة القادمة، ويثبت أحقيته بخالد في قلبها. كانت همسات الماضي تتلاشى لتفسح المجال لوعود المستقبل، مستقبل واعد بزوج صالح، وحياة ملؤها الحب الحلال.