الحبيب الغائب الجزء الثاني
سر دفين ينكشف
بقلم فاطمة النجار
كانت سيارة السيدة أمينة تشق طريقها بين شوارع الرياض الهادئة، بينما كان الصمت يخيم على ركابها. ليلى، بقلب ينبض بقوة، كانت تنظر إلى والدتها، التي كانت عيناها ثابتتان على الطريق، ولكن وجهها يعكس قلقاً عميقاً. شعرت ليلى بأن هناك أمراً جللاً، لم تكن تعرف ماهيته، ولكنها كانت تشعر بثقله. "ما الذي حدث يا أمي؟" سألت ليلى بصوت خفيض. تنهدت السيدة أمينة بعمق. "هناك أمر يتعلق بالعائلة، يا ابنتي. أمر قديم، ولكنه بدأ يطفو على السطح الآن." "وما هو هذا الأمر؟" ألحّت ليلى. "لا تقلقي كثيراً الآن. سنصل إلى المنزل، وسنتحدث. ولكن تذكري، ليلى، أن عائلتنا لها أسرارها، وبعض هذه الأسرار قد يكون مؤلماً." كانت هذه الكلمات كافية لتبعث المزيد من القلق في نفس ليلى. هل يتعلق الأمر بوالدها؟ بعائلتها؟ لم تكن تعرف، ولكنها كانت تشعر بأن هذه الليلة لن تمر مرور الكرام.
عندما وصلوا إلى المنزل، كان الظلام قد خيّم على المكان، ولم يكن هناك أي أثر لوجود أحد. أضاءت السيدة أمينة بعض الأنوار، وطلبت من ليلى الجلوس. "ماذا يحدث يا أمي؟ أنتِ تخيفينني." قالت ليلى. جلست السيدة أمينة، وأخذت نفساً عميقاً. "ليلى، لقد كنتِ دائماً ابنتي الصالحة، ابنتي الحكيمة. ولكن هناك جزء من تاريخ عائلتنا، جزء ظل مدفوناً لسنوات، قد يؤثر على مستقبلك." "ما هو هذا الجزء؟" "والدكِ، رحمه الله، لم يكن دائماً هكذا. قبل أن يلتقي بي، وقبل أن تتكون عائلتنا، كان له حياة أخرى. حياة لم يشاركني تفاصيلها كثيراً، ولكني كنت أشعر بأن هناك شيئاً كان يخفيه." "ماذا كان يخفي؟" "كان له علاقة سابقة. علاقة لم تتوج بالزواج، ولكنه ترك فيها بصمة. بصمة اسمها... خالد." اتسعت عينا ليلى بصدمة. خالد؟ والدها؟ لم تستطع استيعاب ما تسمعه. "ماذا تقولين يا أمي؟ كيف يمكن أن يكون ذلك؟" "لقد علمت بهذا منذ سنوات. لم أكن أرغب في إزعاجكِ، أو إزعاج والدكِ. ولكن الآن، يبدو أن الأقدار تعيد الأمور إلى نصابها. خالد الذي قابلته اليوم... هو ابن تلك العلاقة." صمتت ليلى، وعقلها يدور في دوامة من المشاعر. خالد! الرجل الذي كانت مخطوبة له، والذي أصبح فجأة جزءاً من عائلتها. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات. "ولكن... ولكن كيف؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟" "الأقدار يا ابنتي، هي التي تقودنا. والدكِ لم يتزوج من أم خالد، ولكنه كان مسؤولاً عنها. وبعد سنوات، اكتشفت أن لها ابناً. وعندما علمت بعودته إلى المدينة، شعرت بالقلق. تخيلت أن لقاءكما سيحدث، وأن هذا السر قد يكشف بطريقة مؤلمة." "ولكن... كيف عرفتي أن خالد هو ابن تلك العلاقة؟" "لقد علمت من مصادر موثوقة. والدة خالد، امرأة طيبة، ولكنها لم تستطع بناء حياة مع والدكِ. وبعد أن أصبح خالد شاباً، أراد أن يعرف المزيد عن والده. وهذا ما قاد إلى هذه العلاقة المعقدة." كانت ليلى تسمع كلمات والدتها، ولكنها كانت تشعر بأنها في حلم غريب. خالد، الذي كانت تخشاه، والذي كانت تحاول أن تقطع علاقتها به، هو في الواقع... أخ غير شقيق لها. "هذا... هذا لا يصدق." تمتمت. "وأنا أعلم أنه أمر صعب. ولكن يجب أن نكون أقوياء. لقد كنتِ دائماً قوية." "ولكن يوسف؟ كيف سأقول له هذا؟" "هذا هو الجزء الأصعب. ولكن يوسف رجل حكيم، ويحبكِ. سيفهم. يجب أن تخبريه بكل شيء. ولكن لا تتعجلي. خذي وقتكِ."
بعد أن استوعبت الصدمة قليلاً، اتصلت ليلى بيوسف. كان صوته يحمل قلقاً واضحاً. "ليلى! هل أنتِ بخير؟" "نعم، أنا بخير. ولكن... حدث شيء غريب جداً." "ماذا حدث؟" "دعنا نتقابل. أحتاج أن أتحدث معك في أمر خطير جداً." "بالتأكيد. أنا قادم الآن."
بعد فترة قصيرة، وصل يوسف. وجد ليلى جالسة في غرفة المعيشة، ووالدتها بجانبها، ولكن ملامح والدتها كانت لا تزال تحمل الكثير من القلق. "ما الأمر يا ليلى؟" سأل يوسف، وشعر بأن شيئاً كبيراً قد حدث. نظرت ليلى إلى يوسف، وأخذت نفساً عميقاً. "يوسف، هناك سر قديم يتعلق بعائلتي، سر لم أكن أعرفه. واليوم، انكشف." بدأت ليلى بسرد القصة، من البداية، عن علاقة والدها السابقة، وعن ابنها خالد. كانت كل كلمة تخرج من فمها أشبه بلسعة قلب. كان يوسف يستمع بصمت، وعيناه تتسعان كلما تعمقت القصة.
عندما انتهت ليلى من السرد، ساد الصمت. كان يوسف يحاول استيعاب كل هذه المعلومات. كانت القصة معقدة، ومفاجئة، ومؤلمة. "إذاً... خالد هو أخوكِ غير الشقيق؟" سأل يوسف أخيراً، بصوت متحشرج. "نعم." أجابت ليلى بضعف. "وهذا هو سبب قلقه؟ سبب إصراره على الحديث معكِ؟" "يبدو كذلك." "وهذا يعني... أن علاقتكما لا يمكن أن تستمر أبداً، حتى لو كانت مجرد صداقة. لأن هذا يضعكم في موقف لا يجوز فيه." "أعلم." قالت ليلى، والدموع بدأت تتساقط من عينيها.
جلس يوسف بجانب ليلى، وضمها إليه. "لا تبكي يا حبيبتي. نحن في هذا معاً." "ولكن كيف سأتعامل مع هذا؟ كيف سأواجه خالد؟" "سنواجه الأمر معاً. الأمر الآن أصبح أكثر تعقيداً. يجب أن نكون حذرين جداً." "ولكن، ماذا عن علاقتنا؟" "علاقتنا؟ علاقتنا قوية يا ليلى. لقد بنيناها على الحب، وعلى الشرعية. هذه الظروف، مهما كانت صعبة، لن تكسرنا. ولكن يجب أن نتصرف بحكمة، وبما يرضي الله." كانت ليلى تشعر ببعض الراحة بوجود يوسف بجانبها. كان سندها، ملجأها. ولكن المشكلة كانت لا تزال كبيرة، والعبء ثقيلاً. لم تكن تعرف كيف ستواجه خالد، وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الجديد. كان الأمر أشبه بالوقوف على حافة هاوية، والبحث عن طريق للخروج.