الحبيب الغائب الجزء الثاني
مواجهة الحقيقة المرة
بقلم فاطمة النجار
استيقظت أمينة على وهج الشمس يخترق ستائر الغرفة، ولكنه لم يكن وهجاً يعكس دفء الصباح، بل كان انعكاساً لشعلة الأسئلة الملتهبة التي كانت تستعر في صدرها. نامت قليلاً، ولكن النوم لم يجلب لها راحة، بل كان أشبه بمتاهة من الأحلام المزعجة، حيث تتداخل صور سالم ومريم، وتتكرر عبارات العمة فاطمة كصدى مؤلم.
تناولت فطورها بصمت، ورغم أن جدتها قد أعدت لها أشهى الأطباق، إلا أن طعم الطعام كان مرّاً على لسانها. كانت عيناها تبحثان باستمرار عن سالم، الذي لم يظهر في وقت الفطور كعادته. كان قد تأخر كثيراً، وهذا ما زاد من قلقها. هل كان يعلم بما ستواجهه؟ هل كان يتجنبها؟
عندما سألت عنه جدتها، أجابتها بأن سالم قد خرج باكراً جداً، ولم يذكر وجهته. هذا الخبر زاد من ثقل الهم الذي استقر على قلب أمينة. كانت تعلم أنه لا يوجد مفر، وأن المواجهة آتية لا محالة.
بعد فترة، وبينما كانت أمينة جالسة في غرفة المعيشة، تتصفح كتاباً دون أن ترى سطوره، انفتح باب الغرفة ودخل سالم. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان إرهاقاً غريباً. لم يكن سالم هو سالم الذي تعرفه. كان هناك شيء مختلف، شيء يشي بعبء ثقيل.
"صباح الخير يا أمينة." قال بصوت خافت، لم تكن فيه تلك الابتسامة المعهودة.
"صباح النور يا سالم." ردت أمينة، وصوتها يكاد يكون همساً. نظرت إليه طويلاً، تبحث عن أي علامة تدل على صدقه، على نواياه.
"هل كل شيء على ما يرام؟" سألت، محاولة أن تبدأ الحديث بشكل طبيعي، ولكن قلبها كان يخفق بعنف.
"نعم، الحمد لله." أجاب، وهو يلقي نظرة سريعة عليها، ثم يصرف بصره.
"سالم، أود أن أتحدث معك في أمر مهم." قالت أمينة، وقد اتخذت قرارها. لا فائدة من التمهيد.
توقف سالم عن الحركة، ووقف بوجهها مباشرة. نظرتها كانت حادة، ومليئة بالأسئلة التي لم تجد لها جواباً.
"تفضلي." قال، وكان صوته يرتعش قليلاً.
"عمتي فاطمة اتصلت بي بالأمس." بدأت أمينة، تراقب رد فعله.
فجأة، شحب وجه سالم أكثر، وأحمرت أذناه. تجمّدت عيناه وهو ينظر إلى أمينة. كانت هذه هي اللحظة التي كان يخشاها، اللحظة التي انكشفت فيها أسراره.
"ماذا... ماذا قالت لكِ؟" سأل بصوت يكاد لا يُسمع.
"قالت إن هناك أمراً يتعلق بك وبـ... مريم." قالت أمينة، وقد بدأت تشعر بضيق في التنفس.
صمت سالم طويلاً. بدا كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، أو ربما يبحث عن مخرج من هذا الموقف.
"أنا... أنا آسف يا أمينة." قال أخيراً، وبصوت متهدج. "لم أرد أن يحدث هذا."
"لم ترد أن يحدث ماذا يا سالم؟ أن تكذب عليّ؟ أن تخدعني؟ أن تخدع عائلتنا؟" كانت نبرة أمينة قد ارتفعت قليلاً، تحمل مزيجاً من الألم والغضب.
"الأمر ليس بهذه البساطة يا أمينة." حاول أن يدافع عن نفسه.
"وهل هو معقد لهذه الدرجة؟ هل العلاقة التي كانت بينك وبين مريم قبل خطبتي كانت بسيطة؟ وماذا عن الآن؟"
"لقد... لقد كانت علاقة سابقة. انتهت." قال سالم، ونبرته تحمل نوعاً من الاستسلام.
"انتهت؟ هل حقاً انتهت؟ أم أنها كانت مخبأة؟ وماذا عن محاولات مريم للاتصال بك؟ هل هذا يعني أن العلاقة لم تنتهِ فعلاً؟"
نظر سالم إلى الأرض، ولم يستطع أن ينظر في عيني أمينة. كان يدرك أن الحقيقة باتت واضحة، وأن الكذب لم يعد يجدي نفعاً.
"نعم، كانت هناك محاولات." اعترف بصوت خافت. "ولكنني كنت أحاول أن أبعدها. لم أكن أريد أن أعود إلى الوراء."
"ولكنك بدأت كل شيء من جديد. ألم تكن تعلم أن مريم لا تزال متعلقة بك؟ ألم تكن تعلم أنها قد تتألم؟"
"كنت أعلم. ولكن... الوضع كان معقداً."
"ما هو التعقيد يا سالم؟ هل هو الحب؟ أم أنه مجرد ضغط اجتماعي؟ هل اخترتني لأنك تحبني، أم لأنني كنت الخيار الأسهل؟" سألت أمينة، وهذه الأسئلة كانت تنهش قلبها.
"أحبكِ يا أمينة. أحبكِ كثيراً." قال سالم، ونظر إليها بعينين ملؤهما الأسى. "ولكن... مريم كانت جزءاً من حياتي قبل أن ألتقي بكِ."
"وماذا عن مريم؟ ماذا عن مشاعرها؟ ألم يكن لها الحق في أن تعرف أنك تخطط للزواج من غيرها؟ ألم يكن لك الحق في أن تخبرها بالحقيقة بدلاً من أن تسمعها من خادمة؟"
"لم أرد أن أخبرها. كنت أخاف أن تجن جنونها."
"وتخاف عليها أكثر مما تخاف عليّ؟ أم تخاف على سمعة العائلة؟"
"أخاف على الجميع." قال سالم، وهو يفرك يديه بتوتر. "لم أكن أريد أن أؤذي أحداً."
"ولكنك آذيت. آذيتني، وآذيت مريم، وآذيت نفسك." قالت أمينة، ودموعها بدأت تتساقط بغزارة.
"ماذا تريدين أن أقول يا أمينة؟ ماذا تريدين أن أفعل؟" سأل سالم، وقد بدا عاجزاً.
"أريد الحقيقة يا سالم. الحقيقة كاملة. ماذا كانت طبيعة علاقتك بمريم؟ وهل كان هناك أي شيء بينكما بعد خطبتي الأولى؟"
نظر سالم إلى أمينة، وبدا كأنما يقرأ في عينيها مصير هذه العلاقة. تردد قليلاً، ثم قال: "لم يكن هناك شيء مباشر بعد خطبتك الأولى. ولكن... كانت هناك لحظات ضعف. لحظات شعرت فيها بالارتباك."
"لحظات ضعف؟" تكرر أمينة الكلمات، وكل كلمة كانت تزيد من حجم الصدمة. "ما هي هذه اللحظات؟"
"مرة... قبل فترة قصيرة من تقدمي لكِ مرة أخرى، كانت مريم تمر بظروف صعبة، وشعرت بالوحدة. تشاركنا الحديث... وكان هناك... احتضان." قال سالم، ولم يستطع أن يتجاوز هذه الكلمة.
شعرت أمينة بأن قلبها قد توقف عن النبض. احتضان! هذا أكثر مما كانت تتوقع. هل كانت هذه مجرد لحظة عابرة، أم بداية لشيء أكبر؟
"وهل... هل تحدثت مع مريم بعد هذه اللحظة؟ هل أخبرتها أنك ستتقدم لي؟"
"نعم. بعد فترة قصيرة."
"وماذا كان رد فعلها؟"
"كانت حزينة جداً. وكانت تلوم نفسها. وأنا... كنت أشعر بالذنب."
"ذنب؟ وهل لم تشعر بالذنب وأنت تخطط للزواج مني؟ وهل لم تشعر بالذنب وأنت تخفي كل هذا؟"
"كنت أشعر بالذنب يا أمينة، ولكنني كنت أحاول أن أتجاوز الأمر. وأن أبني مستقبلاً جديداً."
"مستقبلاً جديداً على أساس من الكذب؟" سألت أمينة، وصوتها يحمل نبرة يأس.
"لم يكن كذباً كاملاً. حبكِ حقيقي يا أمينة. حبي لكِ حقيقي."
"ولكن حبك لمريم كان حقيقياً أيضاً، أليس كذلك؟"
"لم يكن حبّاً كاملاً. كانت فترة من حياتي، وفترة وانتهت."
"انتهت؟ ولكنها لم تنتهِ بالنسبة لمريم." قالت أمينة، وتذكرت كيف كانت العمة فاطمة تقول إن مريم تعيش في حزن وعزلة.
"أعرف. وهذا ما يؤلمني." قال سالم، وأخذ يده ليغطي بها وجهه.
"هل فكرت في مريم؟ هل فكرت في عائلتنا؟ هل فكرت فيما سيحدث لو عرف الجميع بهذا الأمر؟"
"فكرت. ولكنني كنت أعتقد أن بإمكاني السيطرة على الأمور."
"ولكنك لم تستطع. لم تستطع أن تسيطر على مشاعرك، ولم تستطع أن تسيطر على الحقيقة. لقد انفجرت هذه القنبلة في وجهنا جميعاً."
"وماذا الآن يا أمينة؟" سأل سالم، وعيناه تبدو خائفتين. "ماذا تريدين أن تفعلين؟"
نظرت أمينة إلى سالم، ورأت فيه رجلاً ضائعاً، رجلاً تخلى عن مبادئه، ورجل دمر ثقتها. لم تكن تعرف ما الذي تريده منه. كانت تشعر بالخيانة، بالألم، بالضياع.
"لا أدري يا سالم." قالت أمينة بصوت مرتجف. "لا أدري ماذا أريد. ولكنني أعرف شيئاً واحداً. أننا لا نستطيع أن نستمر هكذا."
"هل ستفسخين الخطوبة؟" سأل سالم، وعيناه اتسعت بالخوف.
"لا أعرف." قالت أمينة، وهي تنظر إلى النافذة. كانت الشمس قد ارتفعت، ولكن ضوءها لم يصل إلى قلبها. كان قلبها ما يزال غارقاً في الظلام. "يجب أن أفكر. يجب أن أفكر جيداً."
نهضت أمينة من مكانها، وخرجت من الغرفة، تاركة سالم وحده في دوامة من الأسئلة، وفي غياهب ماضٍ يحاول أن يخفيه، ولكن الحقيقة كانت قد بزغت، وبزغت معها بداية نهاية شيء ما، وبداية شيء آخر، لم يكن أحد يعلم ماهيته.