الحبيب الغائب الجزء الثاني

بوادر العاصفة

بقلم فاطمة النجار

كانت رائحة البخور تملأ المكان، ممزوجة بعطر الشاي بالنعناع الذي اعتادت السيدة أمينة أن تشربه في الصباح. جلست سارة بجانب جدتها، تحيطها بحنان، وعيناها ترصدان وجهها الشاحب الذي لا يزال يحمل آثار سنوات من الحزن. كان صوت جدتها، وإن كان ضعيفاً، يحمل رنين الماضي، ونبرة حكمة لا تخطئها الأذن.

"رأيتُ حلماً يا سارة البارحة." قالت السيدة أمينة، وصوتها بالكاد مسموع. "حلماً بعمار. كان يقف عند البوابة، يبتسم… ثم اختفى."

شعرت سارة بقلبها يقفز. كل ذكر لعمار كان بمثابة سهم يخترق صمت أيامها. "ماذا كان يقول يا جدتي؟ هل قال شيئاً؟"

هزت السيدة أمينة رأسها ببطء. "لا شيء. مجرد ابتسامة. لكنها كانت ابتسامة تحمل وعداً. وعداً بالعودة."

تنهدت سارة. كانت أحلام جدتها دائماً تحمل معاني عميقة، وغالباً ما كانت تنبئ بأحداث قادمة. هل كان هذا الحلم مجرد أمنية، أم إشارة؟

"لا تقلقي يا جدتي." قالت سارة، محاولة أن تبث الطمأنينة في صوتها. "بإذن الله، سيعود. ربما هذه الأيام تحمل لنا خيراً."

أمسكت السيدة أمينة بيد سارة، ضاغطة عليها برفق. "أنتِ يا سارة، قلب هذا البيت. قوتكِ هي قوتنا. تذكري دوماً أن الأمل شجرة لا تموت جذورها، وإن طال عليها الشتاء."

أرادت سارة أن تسأل عن عمار، عن أسباب اختفائه، عن كل شيء. لكنها عرفت أن جدتها لا تستطيع أن تقدم لها إجابات. فالغموض الذي أحاط برحيل عمار كان أعظم من أن تفهمه السيدة أمينة. كان الأمر يتعلق بعائلة عمار، وبعلاقات قديمة، وأسرار لا تزال مدفونة.

قضت سارة الصباح في رعاية جدتها، ومراجعة بعض الكتب التي تخص أعمال القصر، ثم انتقلت إلى مكتبة والدها، بحثاً عن أي خيط قد يقودها إلى الحقيقة. كان والدها، السيد أحمد، رجلاً طيباً، لكنه كان غارقاً في مسؤولياته، وكان غالباً ما يتجنب الحديث عن الماضي، كأنما يريد أن يدفن معه كل ما هو مؤلم.

تصفحت سارة صناديق الوثائق القديمة، رسائل قديمة، اتفاقيات قديمة. كانت تبحث عن أي شيء يتعلق بعائلة الزهيري، عائلة عمار. لم تجد سوى لمحات بسيطة، إشارات إلى شراكات تجارية قديمة، وصداقات بين العائلتين. كل شيء بدا عادياً، طبيعياً. ولكن اختفاء عمار لم يكن عادياً أبداً.

في الظهيرة، بينما كانت الشمس في كبد السماء، وصل خادم المنزل، وهو رجل طاعن في السن يدعى أبو سالم، ليبلغها برسالة. "مولاي السيد أحمد يريدكِ في مكتبه، يا ابنتي."

توجهت سارة إلى مكتب والدها، وهو غرفة فخمة مليئة بالكتب الثمينة، ولوحات فنية قديمة، وعطور شرقية فاخرة. كان والدها جالساً خلف مكتبه الخشبي الثقيل، ورأسه منكفئ على بعض الأوراق.

"تفضلي يا سارة." قال والدها، رافعاً رأسه. كانت نظراته تحمل مزيجاً من القلق والحيرة. "هناك أمرٌ أود أن أتحدث معكِ فيه."

جلس سارة أمامه، وقلبها يخفق بسرعة. "خير يا أبي؟"

"جاءني خبرٌ اليوم." قال السيد أحمد، وهو يأخذ نفساً عميقاً. "خبرٌ يتعلق بعائلة الزهيري. يبدو أنهم… عادوا إلى المدينة."

جمدت الدماء في عروق سارة. عائلة الزهيري. عائلة عمار. عادوا؟ بعد كل هذه السنوات؟

"هل أنت متأكد يا أبي؟" سألت سارة بصوت يرتجف. "هل هناك أي معلومات أخرى؟"

"المعلومات قليلة." أجاب والدها. "فقط أنهم وصلوا، ويقيمون في أحد قصورهم القديمة التي لم تُزر منذ زمن. لم يتصلوا بأحد بعد. يبدو أنهم يريدون أن يراقبوا الوضع أولاً."

شعرت سارة بأنها تقف على حافة بئر لا قرار لها. عودة عائلة الزهيري قد تعني عودة عمار. ولكنها قد تعني أيضاً أن هناك أمراً خطيراً قد حدث، أو أنه على وشك الحدوث.

"هل… هل هناك أي أخبار عن عمار نفسه؟" سألت بتردد.

نظر إليها والدها بعينين مليئتين بالشفقة. "لم يذكروا شيئاً عنه بشكل مباشر. ولكن، إذا عادوا، فمن المرجح أن يكون معهم. أو أن يكون لديهم معلومات عنه."

كانت هذه الجملة كافية لتشعل بريق الأمل في قلب سارة. عمار. هل حقاً سيعود؟

"ماذا علينا أن نفعل يا أبي؟" سألت سارة، وقلبها يعج بالأسئلة.

"لا شيء في الوقت الحالي." قال والدها. "علينا أن ننتظر. وأن نراقب. الأمور قد تكون معقدة. عائلة الزهيري لها تاريخها، ولها أساليبها. يجب أن نكون حذرين."

خرجت سارة من مكتب والدها وهي تفكر. عائلة الزهيري. إنهم عائلة ذات نفوذ واسع، ولهم علاقات معقدة مع عائلات أخرى في المنطقة. اختفاء عمار كان غامضاً، ومرتبطاً بشيء يتعلق بعائلته. الآن، وقد عادوا، هل يعني ذلك أن الأسرار القديمة ستتكشف؟

تسللت سارة إلى غرفتها مرة أخرى. فتحت الكتاب القديم، وبدأت تقرأ. كانت تبحث عن أي إشارة، عن أي معنى قد يخفى بين السطور. كان هذا الكتاب هو إرث جدتها، وقد يكون مفتاحاً لفهم ما يحدث.

قرأت عن حب جدتها لعمه، رجل غامض من عائلة الزهيري. قرأت عن خلافات قديمة، وعن أسرار عائلية لم تُكشف. كانت تشعر بأن خيوط الماضي تتشابك مع خيوط الحاضر، وأن قصة حبها لعمار ليست مجرد قصة شخصية، بل هي جزء من تاريخ أكبر، تاريخ مليء بالأحداث والتحولات.

في تلك اللحظة، بينما كانت الشمس تلقي بأشعتها الأخيرة على الأفق، شعرت سارة بشيء غريب. شعرت وكأن هناك من يراقبها. نظرت من النافذة، فلم ترَ شيئاً سوى ظلال الأشجار الطويلة. لكن الشعور لم يختفِ.

هل كانت عودة عائلة الزهيري مجرد صدفة؟ أم أنها كانت جزءاً من خطة أكبر؟

كانت الرياح تتزايد، حاملة معها همساً خافتاً، وكأنها تهمس بأسرار قديمة، وبأقدار جديدة. كانت سارة تقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة قد تحمل لها السعادة التي طال انتظارها، أو قد تجلب معها المزيد من الألم والغموض.

نظرت إلى الكتاب في يدها، ثم إلى الأفق. كان قلبها مليئاً بالخوف والأمل، بالترقب والانتظار. كان هذا بداية شيء كبير. شيء سيغير حياتها إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%