الحبيب الغائب الجزء الثاني

غيمة الشك والحزن

بقلم فاطمة النجار

تسللت أمينة إلى غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء، وكأنها تحاول أن تخفي عن العالم صخب قلبها المضطرب. جلست على حافة السرير، وعيناها شاخصتان إلى فراغ لا تدرك معناه. كانت كلمات سالم ترن في أذنيها كقرع طبول معركة خاسرة: "كان هناك... احتضان." احتضان! كلمة بسيطة، ولكنها حملت معها ثقلاً هائلاً، ثقلاً حطّم آخر ما تبقى من ثقتها.

لم تكن مجرد خيانة عاطفية، بل كانت خيانة للمبادئ، خيانة للثقة التي وضعتها فيه، خيانة للعائلة التي كانت تتوق إلى زواج مبارك. كيف لرجل اختارها، ورغب بها، أن ينزلق إلى مثل هذه التفاصيل؟ هل كان مجرد ضعف، أم أنه كان تعبيراً عن مشاعر لم تندثر تماماً؟

تذكرت مريم، ابنة عمها. الفتاة الهادئة، التي كانت أمينة ترى فيها صورة الأخت التي لم تنجبها أمها. كيف يمكن لهذه العلاقة المزدوجة أن تستمر؟ كيف يمكن لمريم أن تعيش معها في نفس البيت، وهي تعلم ما علمته أمينة؟ هل كانت مريم تتظاهر؟ هل كانت تبتسم لها وقلبها يعتصر ألماً؟

في تلك اللحظة، شعرت أمينة بالوحدة الشديدة. كانت تعلم أن العمة فاطمة قد بلغت بها ما علمت، ولكن لم تكن تعرف إلى أي مدى. هل كان سالم قد أخبر أحداً آخر؟ هل كان عمها، والد مريم، على علم بشيء؟ الأسئلة كانت تتكاثر، وكل سؤال كان يلد سؤالاً آخر.

لم تستطع البقاء في الغرفة. خرجت إلى الشرفة مرة أخرى، حيث نسيم المساء البارد يداعب وجهها. نظرت إلى السماء، التي بدأت تتلون بلون بنفسجي غامق. كانت النجوم تظهر ببطء، وكأنها تحاول أن تضيء هذا الظلام الذي غلف حياتها.

"لماذا يا سالم؟" همست لنفسها، والدموع تترقرق في عينيها. "لماذا فعلت هذا؟"

كانت تريد أن تبكي، أن تصرخ، أن تمزق كل شيء. ولكنها كانت تعلم أن هذا لن يغير شيئاً. القوانين الإسلامية التي نشأت عليها، والتي تعتز بها، تمنعها من إظهار مشاعرها بهذه الطريقة. الرومانسية في إطارها الحلال، تقوم على الصدق، على الأمانة، على الوضوح. وكل هذه القيم قد اهتزت.

تسللت فكرة إلى ذهنها: ما الذي ستفعله مريم؟ هل ستستمر في العيش معهم، متظاهرة بالبرود؟ أم ستعلن ما في قلبها؟ لم تكن أمينة قادرة على تصور ما يحدث في عقل مريم وقلبها.

بعد مرور بعض الوقت، سمعت أمينة صوت خطوات تقترب. استدارت فوجدت جدتها واقفة على باب الشرفة. كانت تبدو قلقة.

"ما بكِ يا ابنتي؟ وجهكِ شاحب." قالت الجدة بحنان.

"لا شيء يا جدتي. مجرد بعض القلق." أجابت أمينة، محاولة أن ترسم ابتسامة باهتة.

"هل تحدثتِ مع سالم؟" سألت الجدة، وعيناها تحملان فضولاً ممزوجاً بالقلق.

"نعم تحدثت."

"وماذا قال؟"

"قال... قال إنه آسف."

"مجرد أسف؟" لم تكن الجدة راضية عن الإجابة.

"قال إن العلاقة مع مريم كانت سابقة، وإن الأمر كان مجرد احتضان." قالت أمينة، وهي تشعر بالخجل وهي تقول هذه الكلمة.

تنهدت الجدة وقالت: "الرجل إذا كان صادقاً، فإنه يفتح قلبه بكل صدق. وإذا كان كاذباً، فإنه يختلق الأعذار."

"ولكن يا جدتي، هل كان سالم يكذب؟"

"لا أستطيع أن أجزم يا ابنتي. ولكن ما أعرفه هو أن الثقة إذا اهتزت، فمن الصعب ترميمها. وخاصة عندما يتعلق الأمر بماضٍ قد يكون له آثار باقية."

"وماذا عن مريم؟" سألت أمينة، وهي تفكر في ابنة عمها. "كيف ستكون حياتها الآن؟"

"الله أعلم يا ابنتي. الله وحده يعلم ما تخفي القلوب. ولكن ما أعرفه هو أن الحياة لا تتوقف على شخص واحد. وعليكِ أن تفكري جيداً في مستقبلكِ. لا تتسرعي في قرارك."

"ولكن كيف لي أن أتسرع؟ كل شيء ينهار يا جدتي. الثقة، الأمان، الحب."

"يا ابنتي، الحب الحقيقي يبنى على أسس متينة. وعلى الصدق والوضوح. إذا كان سالم يحبكِ حقاً، فإنه سيبذل كل ما في وسعه ليعيد بناء هذه الثقة. وسيثبت لكِ صدقه بأفعاله، لا بكلماته."

"ولكن هل يستطيع؟ هل يستطيع أن يتجاوز ماضيه؟ هل يستطيع أن يتجاوز مريم؟"

"هذا يعتمد عليه يا ابنتي. وهو وحده من يملك مفتاح هذا القرار. أنتِ عليكِ أن تثقي بنفسكِ، وبقدرتكِ على اختيار ما هو الأفضل لكِ."

نظرت أمينة إلى جدتها، ورأت فيها حكمة الأيام، ورأت فيها الأمل. ولكن في قلبها، كان الشك قد بدأ يتسلل. الشك في سالم، الشك في مريم، بل وحتى الشك في نفسها.

"ولكن ماذا لو كان سالم ما زال متعلقاً بمريم؟" همست أمينة، وهذا السؤال كان يعذبها.

"إذا كان الأمر كذلك، فإنه ليس الرجل المناسب لكِ يا ابنتي. والحياة مع رجل متعلق بغيرك، ستكون جحيماً لا يطاق."

"ولكن كيف أتأكد؟ كيف أتأكد أن حبه لي صادق؟"

"هذا ما سيظهر مع الأيام يا ابنتي. أفعاله هي التي ستتحدث. إذا كان صادقاً، فلن يخفي عنكِ شيئاً. ولن يكون هناك أي سر بينكما."

"ولكنه أخفى. أخفى كل هذا." قالت أمينة، ونبرتها تحمل ألماً واضحاً.

"نعم، أخفى. وهذا هو لب المشكلة. أنتِ الآن أمام خيارين. إما أن تمنحيه فرصة لإثبات صدقه، أو أن تتخلي عن هذه العلاقة. ولكن مهما كان قرارك، يجب أن يكون مبنياً على قناعة تامة، وعلى استشارة الله بالاستخارة."

"استخارة؟" رددت أمينة الكلمة. كانت تعلم أهمية الاستخارة، ولكنها كانت تشعر بأن قلبها قد اتخذ قراراً بالفعل، قراراً مؤلماً.

"نعم يا ابنتي. استخيري الله في كل خطوة تخطينها. هو وحده من يملك الحكمة والهداية."

جلست الجدة إلى جانب أمينة، وضمتها بحنان. كانت أمينة تشعر بأنها في عالم من الضباب، عالم لا ترى فيه بوضوح. غيمة الشك والحزن قد غطت سماء قلبها.

"أتذكر يا جدتي، عندما كنتِ صغيرة، كيف كنتِ تقولين إن الحب مثل النبتة، يجب أن تسقى بالصدق لتنمو؟"

"نعم يا ابنتي. النبتة التي تسقى بالكذب، فإنها تموت أو تثمر سمّاً."

"وأنا أشعر أن هذه النبتة قد أثمرت سمّاً." قالت أمينة، وصوتها يخنقه البكاء.

"لا تيأسي يا ابنتي. فالله رحيم. وقد يكون هذا الابتلاء فرصة لكِ لتكوني أقوى، ولتختاري الرجل الذي يستحق قلبكِ."

جلست أمينة مع جدتها، تحت سماء بدأت تتلألأ بالنجوم. كانت تشعر بالحزن، ولكنها كانت تشعر أيضاً بقوة كامنة في داخلها. قوة لم تكن تعلم بوجودها. قوة مستمدة من إيمانها، ومن مبادئها.

"سأستخير الله يا جدتي." قالت أمينة، وقد اتخذت قرارها. "ولن أسمح لأي شيء أن يهدم ما بنيته في حياتي. ولكنني لن أستطيع أن أعيش في وهم."

نظرت أمينة إلى النجوم، وكأنها تبحث عن إجابة في لمعانها. كانت تعلم أن الطريق أمامها سيكون طويلاً وشاقاً. ولكنها كانت مستعدة. مستعدة لتواجه الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%