الحبيب الغائب الجزء الثاني

صدى الماضي

بقلم فاطمة النجار

كان الهواء في بهو القصر القديم مشبعاً بعبق التاريخ. تفوح منه رائحة الخشب القديم، والغبار الذي تجمّع على التحف الثمينة، ورائحة البخور الخافتة التي ما زالت تذكر بصلوات الأجداد. سارة، بخطوات هادئة، تجولت بين الغرف الفسيحة، عيناها تتفحصان كل زاوية، وكل تفصيل. كانت تبحث عن ذكريات، عن علامات، عن أي شيء قد يفسر الغموض الذي أحاط بعائلة الزهيري.

لقد أكدت الأخبار. عائلة الزهيري عادت بالفعل. ليس فقط عادوا، بل بدأوا في الاتصال ببعض الوجوه القديمة في المدينة، في محاولة لإعادة بناء جسور التواصل. كان السيد أحمد، والد سارة، يتلقى اتصالات متزايدة، تحمل في طياتها دعوات لحضور اجتماعات، ولقاءات لم تُحدد أهدافها بعد.

"إنهم يحاولون استعادة مكانتهم." قال والدها لسارة، وعيناه تحملان قلقاً لم تعرفه من قبل. "عائلة الزهيري ليست مجرد عائلة تجار. لهم تاريخ طويل في المنطقة، وبعضهم كان له دور في شؤون الحكم قديماً. عودتهم ليست مجرد عودة عائلية."

شعرت سارة بثقل هذه الكلمات. لم يكن الأمر يتعلق بعودة عمار فحسب، بل بشيء أكبر، شيء يتجاوز مصيرها الشخصي.

"ولكن أبي، هل هناك أي أخبار عن عمار؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالأمل. "هل اتصلوا بك؟"

"لا شيء مباشر." أجاب والدها، وحرك رأسه ببطء. "تحدثت مع السيد فؤاد الزهيري، رئيس العائلة. رجل حذر، ودبلوماسي. تحدث عن الحاجة إلى إعادة نسج العلاقات، عن مستقبل أفضل للمدينة. لكنه لم يذكر اسم عمار."

كان ذلك محبطاً، لكنه لم يكن مفاجئاً. عائلة الزهيري كانت معروفة بصلابتها، وباهتمامها الشديد بالبروتوكول.

قررت سارة أن تبحث بنفسها. ذهبت إلى مكتبتها الخاصة، وبدأت تراجع الأوراق القديمة التي تركتها جدتها. كانت تعلم أن جدتها، السيدة أمينة، كانت تعرف الكثير عن تاريخ العائلتين. كانت تملك أسراراً، وحكايات، وربما مفاتيح لفهم ما يحدث.

فتحت دفتراً قديماً، كان مدوناً بخط يد جدتها الرشيق. كانت الصفحات مليئة بذكريات، ورسائل، وصور باهتة. تصفحت سارة الصور، فرأت وجوهاً غريبة، ووجوهاً مألوفة. رأت جدتها في شبابها، تبدو أكثر حيوية وسعادة. ورأت رجلاً شاباً، ذو ملامح قوية، يحمل ابتسامة ساحرة. كان يرتدي ملابس أنيقة، ويقف بجانب جدتها.

"من هذا يا جدتي؟" تساءلت سارة بصوت هامس.

ثم وجدت رسالة. رسالة قديمة، مكتوبة بخط يد مختلف، خط يد رجولي، قوي. كانت موجهة إلى جدتها.

"إلى حبيبتي أمينة،" بدأت الرسالة. "لقد علمتُ أن عودتي إلى المدينة قد أثارت بعض الأسئلة، وربما بعض المخاوف. أعلم أن القلوب التي كانت يوماً ما موحدة، قد تفرقت. لكن أريدكِ أن تعلمي أنني لم أنسَ أبداً عهدنا. الحب الذي جمعنا، لم يمت. إنه يكمن في أعماق قلبي، ينتظر اللحظة المناسبة. سأظل أراقبكِ من بعيد، وسأكون دائماً هنا لحمايتكِ. لا تخافي من المستقبل. المستقبل لنا. ابنكِ… رامي."

رامي. اسم غريب. لم تسمع به من قبل. ولكن "ابنكِ"؟ هل كان هذا الرجل هو والد عمار؟

تسارعت نبضات قلب سارة. إذا كان هذا الرجل هو والد عمار، فهذا يعني أن عمار لم يكن مجرد ابن عائلة الزهيري، بل كان ابن هذا الرجل، الذي يبدو أنه كان له علاقة حب مع جدتها.

بدأت سارة تربط الخيوط. علاقة حب قديمة بين جدتها ورجل من عائلة الزهيري. ثم ظهور عمار، الذي اختفى فجأة. والآن، عودة عائلة الزهيري. هل كانت هناك علاقة بين كل هذه الأحداث؟

واصلت سارة قراءة الدفتر. وجدت المزيد من الرسائل من رامي إلى أمينة. رسائل تحمل شوقاً، وحباً، ووعداً بالزواج. لكن يبدو أن الظروف لم تسمح لهما بالاجتماع. كانت هناك إشارات إلى خلافات عائلية، وربما إلى تدخلات خارجية.

"لقد منعوني من رؤيتكِ يا حبيبتي." كتب رامي في إحدى الرسائل. "قالوا إن هذا الزواج لن يكون. لكنني لن أستسلم. سأجد طريقة. وعد."

ثم وجدت سارة إشارة إلى زواج أمينة من رجل آخر، رجل لم تسمع به من قبل، وظهور والدها السيد أحمد. ولكن، هل كان السيد أحمد هو ابن رامي؟ أم أنه ابن الزوج الآخر؟

كانت الأسرار تتكشف ببطء، مثل ستار ينسحب عن مسرحية قديمة. كان هناك حب أسطوري، وخلافات عائلية، وأسرار مدفونة.

شعرت سارة بأنها تقف على عتبة اكتشاف كبير. اكتشاف قد يفسر كل شيء. لماذا اختفى عمار؟ لماذا عادت عائلته الآن؟

في هذه الأثناء، تلقت سارة دعوة لحضور حفل استقبال صغير سيقيمه السيد فؤاد الزهيري. كانت الدعوة مكتوبة بخط ذهبي جميل، وعبارات رسمية.

"إلى السيدة سارة بنت السيد أحمد،" جاء فيها. "نتشرف بدعوتكم لحضور حفل استقبال صغير، للترحيب بعودة عائلتنا إلى ربوع المدينة. نأمل أن يكون هذا اللقاء فرصة لإعادة نسج الروابط القديمة، وبناء جسور جديدة للمستقبل. سيقام الحفل مساء غدٍ في قصرنا القديم."

كانت هذه فرصتها. فرصة لرؤية عائلة الزهيري عن قرب، وربما لرؤية عمار.

ارتدت سارة ثوباً بسيطاً وأنيقاً، وتوجهت مساء اليوم التالي إلى قصر الزهيري القديم. كان القصر ضخماً، مهيباً، يحمل عبق التاريخ. كانت الأضواء تتلألأ في نوافذه، والموسيقى الهادئة تنبعث من الداخل.

عندما دخلت، استقبلتها ابتسامات باردة، وكلمات ترحيب رسمية. كان الحفل مليئاً بالوجوه الجديدة والقديمة. رجال ونساء يتحدثون، يضحكون، يتظاهرون بالود.

وبينما كانت سارة تتجول بين الضيوف، تتفحص الوجوه بحثاً عن وجه مألوف، توقفت عيناها عند شخص يقف في زاوية الغرفة، بعيداً عن الأضواء. كان رجلاً شاباً، يقف وحيداً، ينظر حوله ببرود.

لم يكن عمار.

لكنه كان يحمل ملامح قوية، وعينين ثاقبتين، وابتسامة تحمل شيئاً من الغموض. كان يشبه الصورة التي رأتها في دفتر جدتها.

اقتربت سارة منه ببطء. "هل… هل أنت السيد رامي؟" سألت بتردد.

التفت الرجل نحوها، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. "وأنتِ… السيدة سارة، أليس كذلك؟" قال بصوت عميق، هادئ. "لقد سمعتُ عنكِ الكثير."

كانت هناك شرارة ما في عينيه، شرارة أخبرتها أن هذا الرجل ليس مجرد غريب. كان يحمل قصة، وقوة.

"كنت أتساءل… عن… عمار." قالت سارة، وعيناها تركزان على وجهه.

ارتعش شيء في عيني الرجل للحظة، ثم عاد إلى بروده. "عمار؟" قال، وكأنه لم يسمع الاسم من قبل. "إنه… مسافر."

كانت إجابته تحمل الكثير، وتخفي الكثير. شعرت سارة بأنها على وشك الغرق في بحر من الأسرار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%