الحبيب الغائب الجزء الثاني
لقاء تحت الرماد
بقلم فاطمة النجار
وقف الرجل أمام سارة، يشع بهالة من الغموض والقوة. لم يكن عمار، ولكن كانت هناك صلة واضحة، صلة تجعل قلب سارة يدق بقوة، خليطاً من الأمل والخوف. كان السيد رامي، الرجل الذي ظهر في دفتر جدتها، والرجل الذي يبدو أنه يحمل مفتاح فهم عائلة الزهيري، بل وربما حتى فهم اختفاء عمار.
"مسافر؟" تكررت سارة الكلمة، وعيناها لم تفارق عينيه. "ولكن… متى سيعود؟"
ابتسم رامي ابتسامة باهتة، تحمل في طياتها الكثير من المعاني. "السفر قد يكون طويلاً أحياناً، سيدة سارة. والعودة ليست دائماً بنفس السهولة."
كان كلامه كألغاز. لم تكن سارة تفهم إن كان يتحدث عن عمار، أو عن نفسه، أو عن المستقبل.
"والدي… السيد أحمد، قال إن عائلتكم عادت لاستعادة مكانتها." قالت سارة، محاولة أن تغير مسار الحديث. "هل هذا صحيح؟"
"كل عائلة لها طموحاتها، سيدة سارة." أجاب رامي، وصوته أصبح أكثر جدية. "عائلتنا لم تغادر المدينة بشكل دائم. كانت هناك ظروف… تطلبت منا بعض التغيير. الآن، عادت الظروف مواتية."
"ظروف؟" تساءلت سارة. "ما هي هذه الظروف؟"
تنهد رامي، ثم مد يده ليشير إلى بعض الضيوف الذين كانوا يتجاذبون أطراف الحديث. "المدينة تتغير، سيدة سارة. وعلينا أن نتغير معها. أن نعيد بناء ما تكسر، وأن نفتح آفاقاً جديدة."
كان كلامه يحمل وعداً، ولكنه كان يحمل أيضاً تحذيراً. شعرت سارة بأنها تقف أمام شخص لا يكشف كل أوراقه، شخص يحمل أسراراً عميقة.
"ماذا عن… جدتي؟ السيدة أمينة؟" سألت سارة، وهي تحاول أن تقتنص فرصة أخرى. "هل… هل تعرفها؟"
ارتسمت على وجه رامي نظرة غريبة. لم تكن نظرة حب، ولا نظرة حزن. كانت نظرة تحمل ذكرى بعيدة، ذكرى تحمل معها أثراً من الماضي. "السيدة أمينة… امرأة قوية. لقد مررتُ ببعض الأوقات الجميلة معها في الماضي. ذكريات لا تُنسى."
"الماضي؟" استغربت سارة. "هل كنتم… تعرفون بعضكم البعض جيداً؟"
"كانت هناك علاقة… خاصة." قال رامي، وابتسامته أصبحت أوسع قليلاً. "لكن الزمن يغير الأمور. والقدر يضعنا في مسارات مختلفة."
لم تستطع سارة أن تخفي حيرتها. هل كان رامي يتحدث عن علاقة رومانسية مع جدتها؟ ولكن جدتها كانت متزوجة من رجل آخر. هل كان والد عمار هو ابن رامي؟ أم أن رامي هو والد عمار؟
"اسمحِ لي أن أقدم لكِ أحد أبناء عمي." قال رامي فجأة، مقاطعاً أفكار سارة. "إنه السيد وليد الزهيري. شاب طموح، ويعمل في مجال التطوير العقاري."
اقترب شاب وسيم، يرتدي ملابس فاخرة، وبابتسامة واثقة. "أهلاً بكِ، سيدة سارة." قال وليد، ممدّاً يده. "سررت بلقائكِ. سمعتُ عن حكمة والدكِ، وعن جمالكِ."
صافحت سارة وليد، وحاولت أن تبدو طبيعية. شعرت بأن هذا اللقاء ما هو إلا بداية لشيء أكبر، شيء قد يغير مصيرها.
"عمار… هل رأيته؟" سألت سارة وليد، بجرأة مفاجئة.
ابتسم وليد ابتسامة واسعة، وكأنها تفاجأ بجرأتها. "عمار؟" قال. "إنه… في رحلة عمل. رحلة مهمة وطويلة."
"متى سيعود؟" سألت سارة بنفس اللهجة.
"لا أعلم بالتحديد." أجاب وليد. "ولكن عندما يعود، سيكون قد تغير كثيراً."
شعرت سارة بخيبة أمل. كلما سألت عن عمار، تلقت إجابات غامضة. وكأن الجميع يتفق على إخفاء الحقيقة عنها.
واصلت سارة استكشافها للقصة، متسللة بين أحاديث الضيوف، ومتأملة في وجوههم. كانت تشعر بأن هناك شيئاً لا يُقال، شيئاً مخبأً في طيات هذا اللقاء.
لاحظت سارة أن السيد فؤاد الزهيري، رئيس العائلة، يراقبها بعينين حادتين. كان رجلاً ذا هيبة، يحمل في وجهه آثار الزمن والخبرة. كان يتحدث مع والدها، السيد أحمد، بجدية، وكان حديثهما يحمل الكثير من الأمور التجارية.
"هل أنتِ مهتمة بأعمال عائلتنا، سيدة سارة؟" سمعت صوت فؤاد الزهيري يقول لها، بينما كان يقترب منها.
"أنا مهتمة بكل ما يتعلق بكم، سيدي." أجابت سارة بذكاء. "خاصة وأن هذه العودة قد تحمل لنا الكثير من التغييرات."
ابتسم فؤاد الزهيري ابتسامة تحمل القليل من الاستخفاف. "التغييرات طبيعية، سيدة سارة. العالم يتطور، ونحن نتطور معه. نحن نبحث عن شركاء جدد، وعن فرص جديدة."
"هل… هل عمار جزء من هذه الخطط؟" سألت سارة، بقلب يرتجف.
نظر إليها فؤاد الزهيري بعينين ثاقبتين. "عمار؟" قال. "إنه شاب… لديه رؤيته الخاصة. وهو الآن… في طور اكتشاف هذه الرؤية."
كانت كل إجابة تحمل المزيد من الأسئلة. شعرت سارة بأنها تدور في حلقة مفرغة.
في نهاية الحفل، وبينما كانت سارة تستعد للمغادرة، اقترب منها رامي مرة أخرى. "سيدة سارة." قال، بصوت خفيض. "لديّ شيء أريد أن أقدمه لكِ."
أخرج من جيبه ظرفاً أسود أنيقاً، وقدمه لها. "هذا… قد يساعدكِ على فهم بعض الأمور."
أخذت سارة الظرف، وشعرت بثقله. "ما هذا؟"
"مستندات قديمة." أجاب رامي. "عن تاريخ عائلتي، وعن علاقتنا بعائلتكم. ربما تجدين فيه ما تبحثين عنه."
أومأت سارة برأسها، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة. هل كانت هذه هي الحقيقة التي تبحث عنها؟
عندما عادت إلى قصر جدها، وبمجرد أن شعرت بالهدوء، فتحت الظرف. كان بداخله أوراق قديمة، وصور، وبعض الرسائل. بدأت تقرأ، بتركيز شديد.
كانت الأوراق تحكي قصة حب قديمة بين جدتها أمينة، ورجل من عائلة الزهيري، هو رامي نفسه. قصة حب قوية، ولكنها مُنعت بسبب خلافات عائلية، وعادات اجتماعية قاسية. يبدو أن جدتها قد أجبرت على الزواج من رجل آخر، والد والدها.
ثم وجدت صورة لعمار وهو طفل صغير، يحمل ملامح رامي. وبجانبها، رسالة من رامي إلى أمينة، يقول فيها: "لم أستطع أن أترك ابني وحيداً. لقد قمت بتربيته في الظل، بعيداً عن الأنظار، لحمايته. ولكن عندما كبر، أردت له أن يعيش حياة طبيعية. اختفى لبعض الوقت، ليبدأ حياته الخاصة، بعيداً عن أعباء الماضي."
شعرت سارة بأن العالم يدور بها. عمار… ابن رامي. ابن حب جدتها الأسطوري. إذاً، عمار كان متزوجاً سراً من سارة، وهو في نفس الوقت… قريباً لها بشكل ما؟
كانت هذه الحقيقة صادمة. كانت تجعل كل شيء يبدو مختلفاً. حبها لعمار لم يكن مجرد حب شاب لفتاة، بل كان حباً يحمل في طياته أسراراً عائلية معقدة، وتاريخاً طويلاً.
نظرت سارة إلى الظرف، إلى الأوراق، إلى الصور. شعرت بأنها قد وجدت بداية الخيط، ولكن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالمخاطر.