الحبيب الغائب الجزء الثاني

أسرار الليل المتسللة

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمات الليل الباردة تعانق وجنتي نور، تحمل معها روائح الياسمين وزهر الليمون التي تطفو من بساتين بيت جدتها. جلست على حافة النافذة، تحتضن ركبتيها، وعيناها سابحتان في بحر من الأفكار المضطربة. لم يعد صوت الأذان الذي يصدح من مسجد الحي القديم يبعث في قلبها السكينة التي اعتادتها. لقد غدا هناك صدى آخر، همس خفي يحاول أن يخترق جدار يقينها.

منذ ذلك اللقاء المفاجئ في سوق البهارات، منذ تلك النظرة التي التقت بعينيها وارتعشت لها أوصالها، لم تعد الأيام كما كانت. كان لقاءً عابرًا، لحظة خاطفة، لكنها تركت أثرًا عميقًا، أثرًا لم تستطع تفسيره أو فهمه. أحمد. اسمٌ رنّ في أذنها مرارًا وتكرارًا، كأنه لحنٌ شجيٌّ يعزف على أوتار روحها.

كيف لخالد، زوجها الذي تبادله الحب والاحترام، والذي كانت تبني معه أحلام مستقبلٍ مشرق، أن يتلاشى بهذه السرعة من مركز اهتمامها؟ لقد أصبح الحديث عن أحمد، عن ابتسامته الواسعة، عن كلماته الرقيقة التي لامست شغاف قلبها، جزءًا من تفكيرها اليومي. كان هذا التفكير أشبه بجدول ماءٍ يتسلل تحت الأرض، يروي أرضًا كانت جافة، لكنه في الوقت ذاته يهدد بتقويض بنية ما أقامته.

تذكرت حديث والدتها معها قبل بضعة أسابيع، وهي تسألها عن خالد، عن أحواله. أجابتها نور بجفاءٍ لم تعهده في نفسها. انشغالها بالأحاديث التي تدور في ذهنها عن أحمد، وعن احتمالات اللقاء به مرة أخرى، جعلها تبدو وكأنها غارقة في عالمٍ آخر. "يا نور، أنتِ شاردة الذهن هذه الأيام. هل كل شيء على ما يرام؟" قالتها الأم بعينين تنمان عن القلق. ابتسمت نور ابتسامة باهتة، وهمست: "كل شيء بخير يا أمي. فقط بعض الضغوط في العمل."

لكن الضغوط لم تكن في العمل. كانت ضغوطًا تنبع من أعماق روحها، من صراعٍ يدور بين ما ينبغي وما تريد. كانت تعرف جيدًا حدود الشرع، وقد عاشت عمرها كله في إطارٍ يحفظ لها كرامتها وعفتها. لكن أحمد، ذلك الغريب الذي ظهر فجأة، كان يتمتع بقدرةٍ خارقة على اختراق تلك الحدود. لم يكن تصرفٌ منه، بل كان مجرد وجوده، حديثه، نظراته.

في تلك الليلة، قررت نور أن تتصل بصديقتها المقربة، سارة. كان لابد من البوح بهذا العبء الثقيل. هاتفتها، ولسانها يرتعش قليلًا. "سارة، هل أنتِ مشغولة؟ أحتاج أن أتحدث إليكِ في أمرٍ هام."

"تفضلي يا حبيبتي. صوتكِ يبدو متعبًا. ما الذي يحدث؟" أجابت سارة بصوتٍ مليءٍ بالدفء والاهتمام.

قصت نور عليها كل شيء، تفاصيل اللقاء، المشاعر التي اعترتها، والارتباك الذي بات يسيطر عليها. سكتت سارة لحظة، ثم قالت بهدوء: "نور، أنتِ امرأةٌ صالحة، وزوجكِ رجلٌ طيب. ما يحدث معكِ هو مجرد فتنة. الشيطان يزين لكِ هذا الطريق. تذكري دائمًا أن قلبكِ ملكٌ لخالد، وعفتكِ أمانةٌ لديكِ."

"أعرف يا سارة، أعرف. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. أشعر وكأنني أطير عندما أفكر به. أشعر وكأنني اكتشفت جانبًا مني لم أكن أعرفه."

"وهذا هو الخطر يا نور. هذا الإحساس الجديد قد يقودكِ إلى ما لا تحمد عقباه. أحمد رجلٌ غريب. أنتِ لا تعرفين نواياه. لا تعرفين ظروفه. قد يكون زواجكِ من خالد هو الستر الذي كتبه الله لكِ. ألا تفكرين في خالد؟ في حبّه لكِ؟ في ثقته بكِ؟"

كلمات سارة كانت كالسوط الذي يجلد روحها. لقد أدركت نور حجم الانحراف الذي كانت تسير فيه. الخطر لم يكن فقط على علاقتها بزوجها، بل على حياتها كلها، على سمعتها، وعلى إيمانها.

في اليوم التالي، حاولت نور جاهدة أن تتجنب التفكير في أحمد. انغمست في أعمال المنزل، وفي قراءة القرآن. لكن صورة ابتسامته كانت تتسلل إلى خيالها، وصوته الهادئ كان يرن في أذنيها. شعرت كأنها في معركةٍ شرسة، معركةٌ تدور رحاها داخلها.

في عصر ذلك اليوم، بينما كانت تقلب في أوراق قديمة، عثرت على رسالةٍ كتبها خالد لها في بداية زواجهما. كانت كلمات حبٍ صادق، ووعودٌ بالوفاء. ذرفت عيناها الدموع. تذكرت كيف كان ذلك الحب صافيًا، نقيًا، وكيف كانت هي تكن له كل الاحترام والتقدير.

"يا نور، لقد رأيتُ في عينيكِ شيئًا لم أره في غيرهما. شيئًا جعلني أرى فيكِ شريكة حياتي، ونور دربي. أعدكِ أن أكون لكِ خير زوجٍ، وخير سند. وأن نحيا حياةً ترضي الله، مليئةً بالحب والرحمة."

تنهدت نور بعمق. لقد كان خالد صادقًا في كلماته. وهي، للأسف، بدأت تبتعد عن هذا الصدق. أمسكت بالرسالة، وضغطت عليها بقوة. كان عليها أن تستعيد زمام الأمور. كان عليها أن تتغلب على هذا الشعور الذي يهدد بابتلاعها.

شعرت بغصةٍ في حلقها. كانت تعلم أن صراعها لن ينتهي قريبًا. كان الأمر أشبه بإدمان، إدمان على شعورٍ جديد، شعورٍ يزيّنه لها إبليس، ويغذيّه خيالها الجامح.

مساءً، جاء خالد إلى البيت مبكرًا. ابتسم لها، وقبل جبينها. "ماذا فعلتِ اليوم يا حبيبتي؟ تبدين متعبة."

نظرت إليه نور، وشعرت بالذنب. لقد كان هو الشمعة التي تنير لها حياتها، وهي بدأت تبحث عن بريقٍ خارجي. "لا شيء يا خالد. مجرد يومٍ طويل."

"هل أنتِ متأكدة؟" سأل بعينين مليئتين بالحب والقلق.

"نعم، متأكدة." أجابت بابتسامةٍ حاولت أن تكون طبيعية.

جلسا معًا، وبدأ خالد يتحدث عن يومه، عن أخبار العمل، عن خططهما للمستقبل. حاولت نور أن تركز معه، أن تستمع إليه. لكن ظل أحمد كان يخيم عليها. شعرت وكأنها تقف على مفترق طرق. طريقٌ آمن، ومستقيم، يقوده إلى بيتٍ ملؤه المودة والرحمة، وطريقٌ مظلم، ملتوي، مليءٌ بالمخاطر والشبهات.

في تلك اللحظة، أدركت نور أن الصراع الحقيقي ليس مع أحمد، بل مع نفسها. مع رغباتها المكبوتة، مع أوهامها، مع ذلك الشعور الجديد الذي أزهر في قلبها، والذي ربما كان بداية السقوط. كانت تعرف أن عليها أن تقاوم. أن تقاوم بشدة. وإلا، فإن عواقب ما تفكر فيه قد تكون وخيمة، وربما لا يمكن تداركها.

ماذا ستفعل نور لتتغلب على هذا الانجراف؟ هل ستنجح في إعادة عقارب ساعتها إلى الاتجاه الصحيح؟ أم أن سحر أحمد سيظل يلقي بظلاله على حياتها، مهددًا بتمزيق رباط الزوجية الذي بنته بصعوبة؟ كانت الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ومليئةً بالامتحانات القاسية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%