الحبيب الغائب الجزء الثاني

وساوس الليل الطويلة

بقلم فاطمة النجار

كانت ليلةً أخرى ثقيلةً على روح نور. لم تستطع النوم. استدارت في فراشها، وقلبها يعتصر ألمًا، وعقلها يجول في دوامةٍ لا تنتهي. ذكريات أحمد كانت تتناثر في سريرها كحبات لؤلؤٍ مبعثرة، كل واحدةٍ منها تجذبها إلى عالمٍ من الخيال المحرم.

لم يكن الأمر يتعلق بجمال أحمد أو جاذبيته فحسب، بل كان هناك شيءٌ أعمق، شيءٌ يتعلق بها هي. شعرت وكأن أحمد قد رأى فيها شيئًا لم يره أحدٌ من قبل، شيئًا لم تره هي نفسها. كان ذلك الشعور أشبه بالمرآة التي تعكس لها صورةً لم تعرفها، صورةً مثيرةً للاهتمام، مختلفةً عما اعتادته.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت نور تتصفح بعض الكتب القديمة في مكتبة والدتها، عثرت على ديوان شعرٍ قديم. تصفحت صفحاته، وإذا بها تجد قصيدةً تتحدث عن حبٍ عذري، عن شوقٍ جارح، وعن لقاءٍ نادرٍ جمع قلبين. قرأت الأبيات، وشعرت بأنها تكتب عنها. "يا من ملكتِ القلبَ دونَ استئذانِ... أنتِ الهوى، وأنتِ سِرُّ كياني..."

تساءلت في نفسها: هل ما أشعر به هو حب؟ أم مجرد تعلقٍ عابر، مجرد إعجابٍ سطحي؟ لطالما آمنت بأن الحب الحقيقي هو الذي ينمو في إطارٍ شرعي، حبٌ يبدأ بالود والاحترام، ويتوج بالزواج المبارك. لكن ما تشعر به الآن كان مختلفًا. كان فيه شغف، ولهفة، وشيءٌ من التمرد.

تذكرت حديث جدتها، وهي تروي لها قصصًا عن الحب العظيم الذي جمع بين جدها وجدتها، كيف كانا ينظران إلى بعضهما بحياءٍ واحترام، وكيف كان كل لقاءٍ بينهما بمثابة عيد. لكن كان ذلك الحب ينمو في كنف العائلة، في إطارٍ اجتماعيٍ متماسك، وليس في ظلال الشك والوحدة.

نور، يا نور، إلى أين تأخذين نفسكِ؟ هذه الأفكار ليست لكِ. إنها وساوس. وساوسٌ يلقيها الشيطان في قلبكِ لتفتني عن دينكِ وزوجكِ.

لكن كيف تقاوم؟ لقد بدأت تشعر أن أحمد أصبح جزءًا من يومها، جزءًا من تفكيرها. لم تكن تبحث عنه عمدًا، لكنها كانت تتمنى رؤيته، سماع صوته. كان ذلك أشبه بإدمانٍ خفي، إدمانٍ على الشعور الذي يمنحه إياها، شعورٌ بأنها مرغوبة، مرغوبةٌ بشكلٍ مختلف.

في اليوم التالي، حاولت نور أن تكون قوية. عندما رأت سيارة أحمد تقف بالقرب من متجرها، شعرت بنبض قلبها يتسارع. تظاهرت بأنها لم تره، وانشغلت بترتيب البضائع. لكن عيناها كانت تتسلل نحو نافذة المتجر.

مر أحمد أمام المتجر، ثم توقف. نظرت نور إليه، ولحظةً، بدا وكأن الزمن توقف. ابتسم لها تلك الابتسامة الساحرة، ورفع يده بتحيةٍ خفيفة. رفعت نور يدها بخجل، وهي تشعر بأن خديها قد احمرا.

"يا رب، ما الذي أفعله؟" همست لنفسها.

في المساء، جاءت والدتها لزيارتها. لاحظت الأم شرود نور. "ما بكِ يا ابنتي؟ تبدين شاردة الذهن دائمًا هذه الأيام. هل هناك ما يزعجكِ؟"

تنهدت نور. لقد خانتها قدرتها على التظاهر. "لا أعرف يا أمي. أشعر أنني تائهة. أشعر أنني لا أعرف نفسي."

"ماذا تقصدين؟" سألت الأم بقلق.

"أشعر أن هناك شيئًا ما يتغير بداخلي. أشعر أنني أبحث عن شيءٍ لا أجده."

جلست الأم بجوارها، ووضعت يدها على كتفها. "يا ابنتي، الحياة مليئةٌ بالتغيرات. لكن أهم شيء هو أن نحافظ على بوصلتنا. بوصلتنا هي ديننا، وعاداتنا الطيبة، وعائلتنا. عندما تضل البوصلة، تضيع السفينة."

"لكنني أشعر بالوحدة أحيانًا يا أمي. أشعر أنني أحتاج إلى شيءٍ أكثر."

"ما هو هذا الشيء الذي تحتاجينه؟" سألت الأم بصوتٍ هادئ.

"لا أعرف." أجابت نور بوهن.

"هل هو الاهتمام؟ هل هو الإعجاب؟" سألت الأم. "يا ابنتي، أنتِ زوجةٌ لرجلٍ يحبكِ، ويرعاكِ. إذا كنتِ تشعرين أن هناك نقصًا في علاقتكِ بزوجكِ، فيجب أن تتحدثي معه. لا تبحثي عن سد هذا النقص في الخارج. هذا هو طريق الهلاك."

كلمات الأم كانت مؤلمة، لكنها كانت حقيقية. لقد أدركت نور أنها كانت تبحث عن شيءٍ تفتقده، أو ربما شيئًا كانت تظن أنها تفتقده. كانت تبحث عن تذكيرٍ بجمالها، بقيمتها، بشبابها. وهذا البحث، بدافعٍ من وساوس الشيطان، قد يقودها إلى طريقٍ مظلم.

في أحد الأيام، بينما كانت نور تسير في السوق، سمعت صوتًا يناديها. "نور! هل هذا أنتِ؟"

التفتت، وإذا بها ترى سارة، صديقتها. ابتسمت نور. "سارة! يا له من لقاءٍ مفاجئ!"

"والله اشتقنا لكِ. لم نركِ منذ فترة." قالت سارة وهي تحتضنها. "تعالي، لنذهب لتناول كوبٍ من الشاي."

جلستا في مقهى هادئ، وبدأت نور في الحديث عن أحوالها. تلاشت شيئًا فشيئًا حواجز الحياء، وبدأت نور تتحدث عن أحمد، وعن مشاعرها المضطربة.

"يا نور، ما الذي تتحدثين عنه؟" قالت سارة بدهشة. "هذا ليس أنتِ. أنتِ امرأةٌ متزوجة، ولها بيتٌ وزوجٌ. كيف تسمحين لهذه الأفكار بأن تتسلل إلى عقلكِ؟"

"أعلم، أعلم. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. أشعر وكأنني مغناطيسٌ يجذبني إليه."

"هذا هو إبليس يا نور. يزين لكِ طريق المعصية. تذكري دائمًا أن الزنا ليس فقط فعلًا، بل هو نظرة، وكلمة، وفكرة. كل ما تفعلينه الآن هو بداية الطريق. إذا لم توقفي نفسكِ، فستصلين إلى ما لا يُحمد عقباه."

"لكنني لا أريد ذلك." قالت نور بوهن.

"إذًا، قاومي. قاومي بكل قوتكِ. ادعي الله أن يعينكِ. ابتعدي عن الأماكن التي قد تقابلينه فيها. ركزي على زوجكِ، وعلى بيتكِ، وعلى حياتكِ."

"لكن كيف؟"

"بالدعاء، بالاستعانة بالله، وبالإرادة. حاولي أن تجدي شيئًا يشغلكِ، شيئًا يجعلكِ تنسينه. ربما هوايةٌ جديدة؟ أو مساعدةٌ في المسجد؟"

"ربما." قالت نور، لكنها لم تكن متأكدة.

عندما عادت نور إلى منزلها، شعرت بالإرهاق. لقد استنزفتها المعركة الداخلية. شعرت بأنها تتأرجح بين حبها لزوجها، وبين هذا الانجراف الجديد الذي يهدد حياتها.

في تلك الليلة، لم تستطع النوم. نظرت إلى وجه خالد النائم بجوارها. شعرت بالخجل. لقد كان نقيًا، وصادقًا، وكان يحبها بلا حدود. كيف يمكنها أن تخونه بهذه الأفكار؟

"يا رب، اهدني. يا رب، قوِّني. يا رب، احفظني من نفسي ومن كيد الشيطان."

كانت نور في أعمق نقاط ضعفها. كانت تواجه إدمانًا عاطفيًا، إدمانًا على شعورٍ ظنته حبًا، إدمانًا ألقى بظلاله على علاقتها بزوجها، وأصبح يشكل تهديدًا لحياتها بأكملها. هل ستنجح في التغلب على هذا الإدمان؟ أم أنها ستترك نفسها تنجرف في تيارٍ خطير، لن تعرف نهايته إلا بعد فوات الأوان؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%