الحبيب الغائب الجزء الثاني
خيوط تتشابك
بقلم فاطمة النجار
تسلل ضوء الصباح الأول عبر ستائر غرفة النوم، لكنه لم يستطع اختراق غيوم القلق التي أحاطت بنور. كانت تشعر بثقلٍ غريبٍ في صدرها، ثقلٌ تراكم منذ الليلة الماضية. لم تكن مجرد مشاعر متضاربة، بل كانت هناك واقعةٌ جديدة، واقعةٌ زادت من تعقيد موقفها.
في اليوم السابق، وبينما كانت نور تتجول في سوقٍ تجاريٍ جديد، قديمٍ في نفس الوقت، والذي كان يحمل بين أزقته العتيقة عبق التاريخ، لمحت أحمد. كان واقفًا يتحدث إلى رجلٍ يبدو أنه صاحب متجرٍ للأعشاب النادرة. شعرت نور برجفةٍ مفاجئة. حاولت أن تتجاهله، وأن تسرع خطواتها، لكن قدميها بدا وكأنها تجمدت.
لم يكن الأمر مجرد رؤيته، بل كان ما رآه أحمد. لقد لمحها. ابتسم لها تلك الابتسامة التي باتت تعرفها جيدًا، تلك الابتسامة التي تملك القدرة على إذابة جليد عزمها. ولوّح لها بحركةٍ بسيطة، حركةٌ بدت وكأنها دعوةٌ خفية.
لم ترد نور أن تقع في الفخ مرةً أخرى. حاولت أن تبدو وكأنها لم تره، لكن أحمد كان مصممًا. تقدم نحوها بخطواتٍ هادئة، واثقة.
"نور؟" نادى بصوتٍ يحمل دفئًا غريبًا.
توقفت نور، وقلبها يخفق بعنف. "أهلاً بك يا سيد أحمد." أجابت بصوتٍ يحاول أن يكون طبيعيًا.
"يا لها من مصادفةٍ جميلة. لم أتوقع أن أراكِ هنا." قال بابتسامةٍ أوسع. "أتمنى ألا أكون قد أزعجتكِ؟"
"لا، أبدًا." أجابت بسرعة.
"هل تبحثين عن شيءٍ معين؟ ربما يمكنني المساعدة." أضاف، وعيناه كانت تتفحصها بتقدير.
شعرت نور بأنها محاصرة. لم تستطع أن تقول له "اذهب بعيدًا"، ولم تستطع أن تترك نفسها تنجرف في حديثٍ قد يعقد الأمور أكثر. "كنت فقط أتصفح." قالت بابتسامةٍ مرتبكة.
"حسنًا، لا أريد أن أطيل عليكِ." قال أحمد، ثم أضاف بلمحةٍ من الجدية: "لديّ أمرٌ أود أن أتحدث معكِ فيه، عندما يسمح وقتكِ. ربما عن بعض الأمور المتعلقة بالأعمال الخيرية التي تجمعنا. هل يمكن أن نتفق على موعدٍ قريب؟"
طلبٌ مفاجئ، وموقفٌ حرج. لم تستطع نور أن ترفض بشكلٍ مباشر، فقد بدا الأمر وكأنه طلبٌ في سياقٍ اجتماعيٍ مقبول. لكن في داخلها، كانت تعلم أن هذا اللقاء قد يكون بدايةً لمشكلةٍ أكبر.
"سأرى يا سيد أحمد. سأرى متى يسمح وقتي." أجابت بتعلثم.
"أتمنى أن تسمحي لي. لديّ بعض الأفكار التي أعتقد أنها قد تثير اهتمامكِ." قال، ثم ابتسم مرةً أخرى، وانصرف.
عادت نور إلى منزلها تحمل ثقلًا جديدًا. كان الطلب بحد ذاته ليس خطيرًا، لكنه كان خطيرًا في سياق ما تشعر به. لقد فتح الباب أمام إمكانية لقاءٍ آخر، لقاءٍ قد يكون أعمق، وأكثر خطورة.
في تلك الليلة، لم تستطع أن تنام. استلقت بجوار خالد، تشعر ببرودةٍ غريبة. كان خالد يتمتم في نومه، ويتحرك قليلًا. أدركت نور أن هذه المشاعر التي تعصف بها قد تؤثر ليس فقط عليها، بل على حياتها الزوجية بأكملها.
"ماذا لو وافقت؟" تساءلت في نفسها. "ماذا سيحدث؟"
تذكرت سارة، ونصائحها. تذكرت أمها، وكلماتها الحكيمة. لكن صوت أحمد، وصوته الرقيق، وابتسامته، كانت تتردد في أذنيها.
في اليوم التالي، قررت نور أن تتخذ قرارًا. عليها أن تفعل شيئًا. لم تستطع أن تعيش هكذا، في صراعٍ دائم، بين ما تريده، وما يجب عليها فعله.
اتصلت بوالدتها. "أمي، أحتاج أن أتحدث معكِ في أمرٍ هام."
"تفضلي يا ابنتي، ما الذي يشغلكِ؟"
روت نور لوالدتها قصة لقائها بأحمد، وطلبه. شعرت بالخجل وهي تروي التفاصيل، لكنها عرفت أن والدتها هي الوحيدة التي يمكن أن تنصحها في مثل هذه الأمور.
بعد أن استمعت الأم بصبر، قالت بهدوء: "يا ابنتي، أنتِ في محنة. أحمد رجلٌ أجنبي، ولا ينبغي لكِ أن تمنحيه اهتمامًا كبيرًا. إذا كان لديه ما يقوله، فليبلغه عبر قنواتٍ رسمية، أو عبر وسيطٍ موثوق به. أما أن تلتقي به وحدكِ، فهذا يفتح بابًا للشبهات."
"لكنني لم أوافق بعد يا أمي."
"ولكن احتمالية الموافقة هي التي تقلقني. يا نور، أنتِ تملكين كل شيءٍ مع خالد. لماذا تبحثين عن شيءٍ قد يدمّر كل شيء؟"
"أنا لا أبحث يا أمي. ولكن الأمر يحدث."
"ما يحدث هو أنكِ تسمحين له بأن يحدث. قوة الإرادة، والدعاء، واللجوء إلى الله، هي سلاحكِ. لا تقوي العدو بإعطائه فرصةً لينال منكِ."
انتهت المكالمة، وتركت نور تشعر بمزيدٍ من الثقل. لقد كان قرارًا صعبًا. هل توافق على اللقاء، وتتعرض لخطرٍ أكبر؟ أم ترفض، وتمنح نفسها فرصةً للشفاء؟
قررت نور أن تفعل شيئًا مختلفًا. لم ترغب في مقابلة أحمد، ولكنها لم ترغب أيضًا في إثارة شكوكه أو دفعه إلى الاعتقاد بأنها تتجاهله.
ذهبت نور إلى جمعيةٍ خيريةٍ قريبة، وتقدمت لتطوع. كانت الجمعية تعمل على مساعدة الأسر المحتاجة، وتوفير التعليم لهم. بدا هذا العمل كأنه فرصةٌ لتوجيه طاقتها ومشاعره القلقة نحو شيءٍ إيجابي.
وبينما هي منهمكةٌ في ترتيب بعض الأوراق، تلقت رسالةً على هاتفها. كانت من أحمد.
"نور، أتمنى أن تكوني بخير. لم أحصل على ردٍ منكِ. هل ما زال اللقاء ممكنًا؟ ربما غدًا في المقهى المجاور لمتجركِ؟ الساعة الرابعة عصرًا؟"
نظرت نور إلى الرسالة، ثم إلى أوراق العمل الخيري أمامها. شعرت بأنها في مفترق طرقٍ جديد. هذه المرة، لم يكن الأمر يتعلق فقط بمشاعرها، بل بخياراتها، وبقدرتها على توجيه حياتها.
هل ستسمح للشيطان بأن يقودها إلى هذا اللقاء؟ أم أنها ستختار طريقًا آخر، طريقًا مليئًا بالصعوبات، ولكنه طريقٌ آمن، طريقٌ يحفظ لها حياتها، وكرامتها، وعلاقتها بمن تحب؟ لقد باتت المعركة الداخلية أشد ضراوة، وبدأت خيوط حياتها تتشابك بطرقٍ لم تتوقعها أبدًا.