قصة حب حقيقية الجزء الثالث
مؤامرات تتكشف وخيارات مريرة
بقلم سارة العمري
كانت الأجواء في بيت أحمد خان مشحونة بالتوتر. استقبل السيد أحمد السيد يوسف وابنه، وفي عينيه بريق يجمع بين الحزم والتصميم. لم يكن يرغب في أي تأخير. كانت خطبة سالم لابنة السيد يوسف بمثابة صفقة القرن، تعزز مكانته الاجتماعية وتفتح له آفاقاً جديدة.
"أهلاً بك يا سيدي يوسف"، قال السيد أحمد بابتسامة مصطنعة، "كنت أنتظر لقاءك بفارغ الصبر."
"وأنا كذلك يا أحمد"، أجاب السيد يوسف، وهو ينظر إلى ابنه الذي كان يقف بصمت، يبدو عليه شيء من الانزعاج. "ابني، خالد، هو فخر عائلتنا، وأنا على ثقة بأنه سيكون زوجاً صالحاً لابنتك."
تجمعت في صدر السيد أحمد سحابة من القلق. لم يكن يتوقع أن يواجه مقاومة، خاصة من ابنه. لكنه قرر تجاهل أي إشارات قد توحي بذلك. "بالطبع. خالد شاب واعد، وأنا على يقين بأن ابنتي، سارة، ستكون سعيدة به."
في هذه الأثناء، وصل الحاج رضوان، عمه، إلى بيت السيد أحمد. كان يحمل معه أخباراً مقلقة.
"يا أحمد"، قال الحاج رضوان وهو يدخل، "لقد تحدثت إلى السيدة آمنة. إن السيد حسن، ابن عمك، يحاول أن يفسد الأمر."
عبس وجه السيد أحمد. "حسن؟ وماذا يريد هو؟"
"يريد أن يستغل هذا الأمر ليبعدك عن بعض أصول العائلة. يريد أن يقول إنك تتزوج ابنتك لمصلحة شخصية، وأنك لا تهتم بمسائل النسب والتقاليد."
شعر السيد أحمد بالغضب. "هذا الرجل لا يرحم. دائماً ما يبحث عن فرصة للانتقام."
"ولهذا السبب"، تابع الحاج رضوان، "أعتقد أنك بحاجة إلى أن تظهر أمام السيد يوسف بأنك حازم وقوي. وأنك لا تتأثر بأي دسائس."
تنهد السيد أحمد، وهو ينظر إلى السيد يوسف. "لا تقلق يا سيدي يوسف. الأمور الخارجية لن تؤثر على قرارنا."
"بالطبع"، قال السيد يوسف، وهو يشعر بأن الأمور تسير كما هو مخطط لها.
ولكن، بينما كان الحوار يدور، دخلت السيدة آمنة، وهي تحمل في يدها صندوقاً قديماً.
"عفواً على المقاطعة يا أحمد"، قالت السيدة آمنة بصوت مهيب، "ولكن لدي أمر مهم أريد أن أشاركه معكم."
وقف الجميع، ينظرون إليها بترقب.
"لقد وجدت هذا الصندوق في أغراض والدتك الراحلة"، قالت السيدة آمنة، وهي تضع الصندوق على الطاولة. "ولما فتحته، وجدت فيه رسالة موجهة إليك، ورسالة أخرى موجهة إلى ابنتك، سارة."
انتبه السيد أحمد. والده، الذي لم يكن على علم بهذا الأمر، كان ينظر إليها باهتمام.
"ولكن قبل أن أقرأ الرسالة"، قالت السيدة آمنة، وهي تنظر إلى السيد أحمد بنظرة حادة، "أريد أن أسألك سؤالاً يا أحمد. هل أنت متأكد من أنك تتخذ القرار الصحيح؟ هل أنت متأكد بأنك لا تخطئ بحق ابنك، وبحق مستقبل عائلتك؟"
شعر السيد أحمد بالارتباك. لم يكن يتوقع هذه المواجهة.
"لقد قرأت الرسالة التي كتبتها والدتك إليك"، قالت السيدة آمنة، "وهي مليئة بالحكمة والحب. كانت تتحدث عن ليلى، عن أخلاقها، وعن مدى سعادة سالم معها. وتطلب منك أن تمنحها الفرصة."
"ليلى؟" سأل السيد يوسف، متفاجئاً.
"نعم"، قالت السيدة آمنة، "ليلى، الفتاة التي يحبها سالم. وهي أيضاً فتاة صالحة، ونقية القلب. والدة سالم، رحمها الله، كانت تحبها كثيراً، وكانت تأمل أن تكون زوجة لابنها."
تحدث السيد حسن، الذي كان واقفاً في الخلفية، بصوت ساخر. "إذن، لم تكن مجرد شائعات. إن سالم متعلق بفتاة عادية. هذا ما كنت أتوقعه."
شعر السيد أحمد بالإهانة. لم يكن يريد أن يتحدث عن هذا الموضوع أبداً.
"ولكن"، قالت السيدة آمنة، وهي تتجاهل تعليق السيد حسن، "قبل أن تستمر في هذا الزواج، يا أحمد، أريد أن تقرأ هذه الرسالة."
فتحت السيدة آمنة الرسالة الموجهة إلى أحمد. كانت بخط والدته، خط جميل ومنمق. بدأت تقرأ بصوت مسموع:
"إلى ابني العزيز أحمد، أتمنى أن تصلك هذه الكلمات وأنت في أفضل حال. لقد رأيت في منامي ليلة أمس، ورأيتك واقفاً أمام مفترق طرق. طريق يؤدي إلى الثراء والمجد، وطريق آخر يؤدي إلى السعادة والرضا. اخترت الطريق الأول، ولكني رأيت في عينيك ألماً خفياً. ابني، المال والسلطة لن يدوموا. ولكن الحب الصادق، والسعادة التي تنبع من القلب، هما كنوز الدنيا والآخرة. سالم، ابني، يحمل في قلبه حباً نقياً لفتاة تدعى ليلى. رأيتها في منامي، وكانت كالنجمة الساطعة. إنها فتاة صالحة، ذات أخلاق رفيعة. أرجوك يا أحمد، لا تضغط على سالم. لا تحرمه من سعادته. إن سعادة ابنك هي سعادتك. وإن كان يحب ليلى، فلتكن له. الحب الحلال هو بركة من الله. إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً."
بعد أن انتهت السيدة آمنة من القراءة، ساد صمت مطبق في الغرفة. نظر السيد أحمد إلى السيد يوسف، ثم إلى ابنه خالد، ثم إلى الحاج رضوان، وإلى السيد حسن.
"هذه الكلمات... كلمات أمي..." قال السيد أحمد بصوت مختنق، "لم أكن أتوقع أن تقول هذا. لقد كانت دائماً امرأة حكيمة."
"وهي أيضاً كانت تعلم أنك تحب سالم"، قالت السيدة آمنة، "وأن سعادته هي أهم شيء بالنسبة لك. فكر يا أحمد. هل تريد أن تجعل ابنك يعيش حياة تعيسة، من أجل المال والسلطة؟"
كان السيد أحمد في حيرة من أمره. كانت كلمات والدته تلقي بظلالها على قراراته. ورغم أنه كان ينظر إلى السيد يوسف على أنه فرصة العمر، إلا أن كلمات والدته كانت تزن أكثر.
"ولكن... ماذا عن ليلى؟" قال السيد أحمد، موجهاً كلامه إلى السيد حسن. "هل هي مناسبة لابني؟"
"مناسبة؟" قال السيد حسن بسخرية، "إنها مجرد فتاة عادية. ليس لديها نسب، ولا مال. هذا ما سمعته."
"ولكنها متدينة، وصالحة"، قالت السيدة آمنة، "وهذا أهم من النسب والمال. ألم تذكر والدتك، يا أحمد، أنها تريد لسالم زوجة صالحة؟"
بدأ السيد أحمد يشعر بالضغط. كان يعلم أن السيد حسن يحاول استغلال الموقف.
"ربما... ربما علينا أن نؤجل هذا الأمر"، قال السيد أحمد، وهو ينظر إلى السيد يوسف. "أحتاج إلى وقت للتفكير."
شعر السيد يوسف بالإحباط. "ولكننا كنا قد اتفقنا..."
"أعلم"، قال السيد أحمد، "ولكن هناك أمور عائلية طارئة يجب أن أتعامل معها أولاً."
وقف السيد حسن، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة. "إذاً، يا أحمد، يبدو أنك قد غيرت رأيك. هذا جيد. لأنني كنت أخشى أن تخسر ابنك من أجل المال."
شعر السيد أحمد بالحنق. "لست بحاجة إلى نصائحك يا حسن."
انسحب السيد يوسف وابنه، وهما يشعران بالخيبة. أما السيد حسن، فقد خرج وهو يشعر بالانتصار.
بقي السيد أحمد مع الحاج رضوان والسيدة آمنة.
"يا أحمد"، قال الحاج رضوان، "هذه فرصة ذهبية. والدتك كانت امرأة صالحة، وكلماتها مباركة. استمع إلى قلبك، وليس إلى طمع الآخرين."
"ولكن... ماذا عن ليلى؟" سأل السيد أحمد، وهو ينظر إلى السيدة آمنة. "هل أنت متأكدة من أن الفتاة صالحة؟"
"بالتأكيد"، قالت السيدة آمنة، "لقد عرفت والدتها جيداً، وهي كانت امرأة صالحة. وليلى ورثت عنها الكثير. إنها فتاة كريمة، وصابرة، ومؤمنة."
بعد نقاش طويل، ومع مواجهة مع كلماته الداخلية، ومع إصرار عمه وحكمة السيدة آمنة، بدأ السيد أحمد يشعر بأن قراره يتغير. لقد رأى في كلمات والدته حكمة عميقة، وفي إصرار سالم، حبّاً صادقاً.
"حسناً"، قال السيد أحمد، وقد استجمع شجاعته، "سأتحدث إلى سالم. وسأدعو ليلى وعائلتها غداً. وسنرى ما سيحدث."
شعر الحاج رضوان والسيدة آمنة بالارتياح. لقد كانت معركة شاقة، ولكنها ربما بدأت تنتهي لصالح الحب.
في تلك الأثناء، كان سالم في غرفته، يشعر باليأس. لقد سمع بالاجتماع الذي عقده والده مع السيد يوسف، وكان يتوقع الأسوأ. وفجأة، رن هاتفه. كانت السيدة آمنة.
"سالم"، قالت بصوت مبتهج، "لقد حدث شيء. والدك... والدك بدأ يتغير. تحدثي معه، وهو مستعد لسماعك."
شعر سالم بفرحة غامرة. لم يكن يصدق ما سمعه.
"شكراً لكِ يا عمة آمنة"، قال بصوت مرتعش، "شكراً جزيلاً لكِ."
وفي الطرف الآخر، كانت ليلى تتلقى اتصالاً من والدتها.
"ليلى"، قالت السيدة فاطمة بابتسامة مشرقة، "لقد تحدثت مع السيدة آمنة. يبدو أن هناك أخباراً جيدة. والد سالم... يبدو أنه مستعد لسماع حجج سالم."
شعرت ليلى بنبضة أمل جديدة. هل كانت هذه هي النهاية السعيدة التي طالما حلمت بها؟ هل ستتجاوز العقبات؟
ولكن، بينما كانت هذه الأحداث تتكشف، كان السيد حسن يخطط لخطوته التالية. لم يكن لينتظر نهاية سعيدة. كان هدفه الوحيد هو تدمير علاقة سالم بوالده، والحصول على ما يريد. لقد كانت المواجهة قد بدأت، ولكنها لم تنته بعد.