قصة حب حقيقية الجزء الثالث

ظلال الماضي وعبق المستقبل

بقلم سارة العمري

جلست ليلى بجانب والدها، وقد تركزت عينا والديها عليها، وكأنها محور اهتمام الجميع. لم تكن تعرف كيف تتصرف، فهي لم تعتد على هذا النوع من الاهتمام المباشر من قبل غرباء. كان فارس يجلس مقابلاً لها، وعيناه لا تفارقانها، يراقبانها بنظراتٍ تحمل مزيجاً من الإعجاب والفضول.

"لقد جئنا يا صاحب السمو، لنعبر عن تقديرنا لما قدمتموه لنا في الماضي، ولنبني جسوراً أقوى للمستقبل." قال الأمير خالد، مخاطباً الأمير سلمان. "خاصةً في ظل الظروف الحالية، يتطلب الأمر تكاتفاً وتعاوناً بين العائلات العريقة."

"نحن ندرك ذلك تماماً، يا سمو الأمير." أجاب الأمير سلمان. "ولكننا نعلم أيضاً أن زيارتكم تحمل أبعاداً أعمق من مجرد المصالح. لقد ربينا ابنتنا على الاحترام والأخلاق، ونحن على ثقةٍ بأنكم تبحثون عن شريكٍ حقيقيٍّ لابنكم، بعيداً عن المظاهر الزائفة."

انتقلت نظرات الأمير خالد إلى ليلى، ثم إلى فارس، وقال بابتسامةٍ واسعة: "بالضبط يا صاحب السمو. إن ابني فارس، هو عصارة تربيتنا، وهو شابٌّ صالحٌ، ذو خلقٍ رفيع، وقد رأيتُ فيه ما يجعله جديراً بأن يكون زوجاً لابنتكم الغالية."

شعرت ليلى بحرارةٍ ترتفع في وجهها. لم تكن تتوقع أن يكون موضوع الخطبة هو محور النقاش بهذه السرعة، وبهذه الصراحة. كانت تتوقع أن يكون اللقاء تمهيداً للقاءاتٍ أخرى، لاستكشاف طبيعة العلاقة، وليس إعلاناً مباشراً عن رغبةٍ في الزواج.

"بارك الله فيكم يا سمو الأمير." قال الأمير سلمان، وهو ينظر إلى ليلى بعينين فيهما حنانٌ وحكمة. "ليلى هي ابنتي الوحيدة، وبها يكتمل قلبي. ولكن قرارها هو الأهم. يا ابنتي، هل لديكِ ما تقولينه؟"

نظرت ليلى إلى والدها، ثم إلى فارس. كان يتأملها بصمت، ولا يظهر على ملامحه أي تعجل أو ضغط. كان هادئاً، منتظراً.

"يا والدي." قالت ليلى بصوتٍ واضحٍ وهادئ، وقد تغلبت على ارتباكها. "إن رغبتي الأولى هي أن أكون على توافقٍ مع من سأقضي معه بقية حياتي. وأنا أؤمن بأن الاختيار المبني على التعارف الحقيقي، وعلى فهمٍ متبادلٍ للخلق والدين، هو أساس الزواج السعيد."

"وهذا ما نؤمن به تماماً." قال الأمير خالد. "ولذلك، فقد أتينا لنعرض عليكم رغبتنا، ونترك لكم المجال لتتعرفوا على فارس. أعتقد أنهم سيكونون قادرين على التحدث معاً، دون وجودنا، ليتعرف كلٌّ منهما على الآخر بشكلٍ أفضل."

كانت هذه الفكرة مفاجئةً لليلى. لم تكن تتوقع أن يُترك لها هذا القدر من الحرية. لقد اعتادت أن تكون تحت أعين الرقابة، وأن تكون جميع لقاءاتها مع الرجال تحت إشرافٍ مباشر.

"ما رأيكِ يا ليلى؟" سأل الأمير سلمان، وهو يرى بعض التردد في عينيها.

"أنا موافقةٌ يا والدي." قالت ليلى، وقد استجمعت شجاعتها. "ولكن، هل سيكون هناك إشرافٌ؟"

"بالطبع." أجاب الأمير خالد. "سنترككما في القاعة الملحقة، تحت إشرافٍ من وصيفاتكن. ولكنكما ستكونان بمفردكما للحديث."

هذا كان تطوراً غير متوقع. شعرت ليلى بمزيجٍ من الارتياح والقلق. الارتياح لأنها ستحصل على فرصةٍ للتعرف على فارس دون ضغوط، والقلق من رد فعل قلبها.

بعد دقائق، وجدت ليلى نفسها في غرفةٍ واسعةٍ، تطل على حديقةٍ غنّاء. كانت الأجواء هادئةً ومريحة. جلس فارس مقابلها، مبتسماً.

"أنا سعيدٌ بهذه الفرصة، يا أميرة." قال فارس. "أتمنى ألا أكون قد سببت لكِ أي إزعاجٍ بطلبي المفاجئ."

"لا، أبداً." قالت ليلى، وهي تبتسم. "بل أنا من أشكرك. إنها فرصةٌ قيّمةٌ لي."

"دعيني أسألكِ سؤالاً صريحاً، يا أميرة." قال فارس، بعد لحظةٍ من الصمت. "هل لديكِ أي شخصٍ في قلبكِ؟"

كان السؤال مفاجئاً، ولكنه مباشرٌ وصادق. فكرت ليلى في يوسف. هل ما زالت تحمل له مشاعر؟ أم أن هذه المشاعر كانت مجرد وهمٍ جميلٍ لواقعٍ لم يتحقق؟

"في الماضي، كانت هناك مشاعرٌ." قالت ليلى بصراحة. "ولكنني أؤمن بأن الله يختار لنا ما هو خيرٌ لنا. ولذلك، فأنا هنا لأرى ما يخبئه لي القدر."

"وهل يعجبكِ ما رأيته حتى الآن؟" سأل فارس، وعيناه تلمعان بنوعٍ من التحدي الودي.

نظرت ليلى إلى وجهه، إلى عينيه العسليتين، إلى ابتسامته الهادئة. "لم أقابلكَ إلا للتو، يا فارس. ولكنني أرى فيكَ رجلاًً صاحب مبادئ، وصاحب خلقٍ حسن. وهذا بحد ذاته شيءٌ يدعو للإعجاب."

"وماذا عني؟" سأل فارس، وهو يميل إلى الأمام قليلاً. "هل ترين فيّ رجلاًً صالحاً؟"

"ما زلتُ أتعرف عليك." أجابت ليلى، وهي تشعر بنوعٍ من المتعة في هذا الحوار الصادق. "ولكنني أرجو أن تكون كذلك."

"هل تحبين الشعر؟" سأل فارس فجأةً.

"نعم، أحبه كثيراً." أجابت ليلى، مفاجأةً بتغيير الموضوع.

"فلتسمعي هذا، إذاً." قال فارس، وبدأ يقرأ من ورقةٍ صغيرةٍ كان يحملها. "يقولون أن العيون مرايا القلوب، وأنها تكشف ما تخفيه الأسرار. عيناكِ يا أميرة، فيها سماءٌ واسعة، فيها بحرٌ لا قرار له. هل لي أن أغرق فيهما؟"

شعرت ليلى بدموعٍ تتجمع في عينيها. كانت الكلمات تلامس شيئاً في أعماقها. لم يكن هذا مجرد كلامٍ جميل، بل كان يحمل صدقاً، وكان يذكرها بكلماتٍ أخرى، بكلماتٍ قديمةٍ، ولكنها لم تكن منه.

"هذه كلماتٌ جميلة." قالت ليلى، وهي تحاول السيطرة على مشاعرها. "من قالها؟"

"قالها قلبي." أجاب فارس بابتسامةٍ واسعة. "عندما رأيتكِ لأول مرة."

ابتسمت ليلى. كان كلامه جريئاً، ولكن كان فيه نوعٌ من الرومانسية التي لم تعتد عليها.

"ولكن، لماذا تطلب مني أن أعرفك؟" سألت ليلى. "ما الذي يجعلكَ تظن أنني سأكون زوجةً مناسبةً لك؟"

"لأنني أبحث عن شريكةٍ ليست مجرد امرأةٍ جميلة، بل امرأةٌ ذات روحٍ طيبة، وعقلٍ راجح، وقلبٍ ينبض بالإيمان. وقد رأيتُ في عينيكِ كل ذلك." أجاب فارس. "وأنا أؤمن بأننا سنكمل بعضنا البعض."

بدأ الوقت يمر بسرعة. تحدثا عن الطموحات، وعن الأحلام، وعن القيم التي يؤمنون بها. اكتشفت ليلى في فارس رجلاًً مثقفاً، واعياً، ولديه رؤيةٌ واضحةٌ للحياة. كان يعاملها باحترامٍ بالغ، ويستمع إليها بإنصاتٍ شديد.

"هل كنتَ تعرف أنني كنتُ متعلقةً بشخصٍ آخر؟" سألت ليلى فجأةً، وهي تشعر برغبةٍ في الصدق.

نظر فارس إليها للحظة، ثم قال بهدوء: "لقد علمتُ، يا أميرة. سمعتُ عن يوسف. ولكني أؤمن بأن القدر يحمل لنا خياراتٍ جديدة، وأن الحب الحقيقي ينمو ويزدهر مع الوقت، وليس مع مجرد الذكريات."

"ولكن، كيف عرفت؟" تساءلت ليلى.

"لقد أرسلتُ إليكِ رسالةً، قبل أن آتي." قال فارس. "وسألتُ عن تاريخكِ، وعن ماضيكِ. لم أرد أن أصل إلى هنا جاهلاًً. أردتُ أن أعرف كل شيءٍ عنكِ، لأفهم قلبكِ."

كانت هذه مفاجأةً أخرى. ليلى لم تستلم أي رسالة. هل ضاعت؟ أم أنها لم تصل؟

"لم تصلني أي رسالة." قالت ليلى، وشعرت بنوعٍ من الغموض.

"غريب." قال فارس، وعلامات الدهشة على وجهه. "لقد أرسلتها بنفسي. ربما حدث خطأٌ ما في البريد."

انتهى اللقاء، وتركت ليلى وقلبها مليئاً بالأفكار. فارس كان رجلاًً مختلفاً عما توقعت. كان صادقاً، جريئاً، ورومانسياً. ولكنه كان أيضاً غامضاً. كانت هناك أسئلةٌ لم تجد لها إجابة. هل كان فارس هو الشخص الذي كتب له أن يكون جزءاً من حياتها؟ أم أن ظلال الماضي، وذكرى يوسف، ستظل تطاردها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%