قصة حب حقيقية الجزء الثالث

رحلة الروح في سراديب الذنب

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً أخرى تمضي ثقيلةً على صدرِ الأستاذِ عبد الرحمن. لم تكن ظلمةُ الليلِ وحدها ما يُثقلُ روحه، بل كان عبءُ السِّرِّ الذي كتمهُ سنينًا، وكأنَّهُ جمرةٌ تتَّقدُ في داخله، تُذيبُ سكينتَهُ، وتُبعثرُ هدوءَ باله. منذُ أنْ وطئتْ قدماه أرضَ هذهِ المدينةِ الغريبة، سعى جاهداً لِتَرميمِ ما انهدمَ في حياته، لِإعادةِ بناءِ جسورِ الثقةِ معَ ابنتهِ الحبيبةِ سارة، التي حملتْ على عاتقها أثقالَ الماضي، ورغمَ صغرِ سنها، فرضتْ على نفسها مسؤولياتٍ تفوقُ عمرها.

كانتْ سارةُ، تلكَ الوردةُ التي نبتتْ في أرضٍ جرداء، تُبهرُهُ بذكائِها، ورِقتها، وحكمتِها التي تتجاوزُ سنواتِ عمرها. لم تكنْ مجردَ ابنة، بل كانتْ قرينةَ دربٍ، وشريكةَ حياةٍ في أشدِّ أوقاتِهِ ضعفاً. ولكنْ، كيفَ لهُ أنْ يُشاركها ثقلَ ذنبهِ، وقدْ كانَ سبباً في جراحِها العميقة؟ لقدْ أمضى أياماً وليالٍ في محاولةِ إيجادِ مخرجٍ، ولكنَّ كلَّ دربٍ بدا مسدوداً، وكلَّ حلٍّ كانَ يُفضي بهِ إلى متاهةٍ أعمق.

في تلكَ الليلة، جلسَ عبد الرحمن في مكتبتهِ المزدانةِ بعبقِ الكتبِ القديمة، يقلِّبُ أوراقَ ذكرياتٍ طوتها الأيام. أضاءَ نورُ المصباحِ الخافتُ وجهَهُ الذي شابَهُ القلق، وظلَّتْ عيناهُ زائغتينِ، تبحثانِ عنْ إجابةٍ في صفحاتِ التاريخِ، وفي آياتِ القرآنِ الكريمِ التي كانتْ ملاذَهُ في ضيقاتِه. لقدْ تعلَّمَ، وبالتجربةِ المريرة، أنَّ الحقيقةَ، مهما بلغتْ قساوتُها، هيَ الدواءُ الوحيدُ للجراحِ المستعصية.

في المقابل، كانتْ سارةُ تسهرُ في غرفتها، ترسمُ أحلامَها على أوراقِ دفترِها. لم تكنْ تعلمُ شيئاً عنْ الصراعِ الدفينِ الذي يعيشُهُ والدها، لكنَّها كانتْ تشعرُ بثقلٍ غريبٍ يُلقي بظلالهِ على البيت. كانتْ تُصلي، وتدعو اللهَ أنْ يُبعدَ عنهمْ كلَّ شرٍّ، وأنْ يُنيرَ دروبَهم. كانتْ تتذكرُ حديثَ جدتِها عنْ أهميةِ الصدقِ والوفاءِ، وأنَّ كلَّ بناءٍ يقومُ على الكذبِ، مهما بدا متيناً، فإنَّهُ سينهارُ حتماً.

تذكرتْ سارةُ حواراً دارَ بينها وبينَ الأستاذِ نبيل، صديقِ والدها المقرب، والذي أثنى على أخلاقِ الأستاذِ عبد الرحمن، وشهدَ لهُ بحسنِ السيرةِ والخلق. لكنَّ شيئاً ما في نظرةِ الأستاذِ نبيل، في لمحةٍ سريعةٍ مرتْ على وجههِ، جعلَ سارةَ تتساءلُ. هلْ كانتْ مجردَ وساوسَ شيطانٍ، أمْ أنَّ هناكَ ما وراءَ الظاهرِ؟

في زاويةٍ أخرى منَ المدينة، كانَ السيدُ وليد، رجلُ الأعمالِ الثري، يُشعلُ سيجارتهُ الفاخرة، وتتطايرُ خيوطُ الدخانِ الكثيفِ حولَ وجههِ الذي بدا متجهمًا. كانَ يشعرُ بالضيق، وبالغضبِ المكظوم. لقدْ عادَ إلى المدينةِ بعدَ غيابٍ طويل، ليجدَ أنَّ كلَّ شيءٍ قدْ تغير. وأنَّ بعضَ الوعودِ قدْ تمَّ نقضُها، وأنَّ بعضَ الديونِ قدْ نسيت.

"كيفَ لهمْ أنْ ينسوا؟" همهمَ وليدٌ بصوتٍ أجش، وعيناهُ تتقدُ بنارٍ خفية. لقدْ كانَ صبوراً، ولكلِّ صبورٍ حدود. لقدْ أمهلَهمْ وقتاً طويلاً، ولكنَّ الوقتَ قدْ نفد. كانَ يرى في نجاحِ الأستاذِ عبد الرحمن، وفي سعادةِ سارة، استفزازاً صارخاً له. وكأنَّهمْ يُثبتونَ لهُ أنَّهُ هوَ الذي خسرَ المعركة، وأنَّهُمُ الذينَ انتصروا.

لمْ يكنْ وليدٌ رجلاً يسهلُ نسيانُهُ. لقدْ كانَ لديهِ شبكةُ علاقاتٍ واسعة، ورجالٌ يُطيعونَ أوامرهُ دونَ سؤال. كانتْ لديهِ القدرةُ على قلبِ الموازينِ، وعلى إشعالِ الفتنِ منْ أصغرِ الشرارات. وكانَ يرى في سرِّ الأستاذِ عبد الرحمن، وفي مخاوفِ سارة، فرصةً ذهبيةً للانتقام، ولِإعادةِ الأمورِ إلى نصابها، من وجهةِ نظرهِ.

في تلكَ الأثناء، كانتْ ريم، زميلةُ سارةُ في العمل، تُتابعُ الأوضاعَ عنْ كثب. كانتْ تتمتعُ بذكاءٍ حادٍّ، وقدرةٍ على ملاحظةِ التفاصيلِ الصغيرةِ التي قدْ تغيبُ عنْ غيرها. كانتْ تشعرُ بأنَّ سارةَ تخفي سراً، وأنَّ هناكَ شيئاً ما يُثقلُ كاهلَها. ولكنَّها كانتْ تردعُ نفسها عنْ التدخل، خشيةَ أنْ تُسببَ لها المزيدَ منَ الضيق.

ولكنَّ الضميرَ، ذلكَ الصوتُ الخافتُ الذي لا يهدأ، بدأَ يُلحُّ عليها. لقدْ رأتْ في عيني سارةَ حزناً عميقاً، وقلقاً مستمراً. ورأتْ في الأستاذِ عبد الرحمن، الرجلَ المهيبَ والهادئ، علاماتِ اضطرابٍ لمْ تعهدها فيهِ منْ قبل.

كانتْ الأيامُ تمرُّ، والحياةُ تمضي، ولكنَّ كلَّ نفسٍ كانتْ تحملُ في طياتها قصةَ صراع. صراعٌ بينَ الظاهرِ والباطن، بينَ الواجبِ والرغبة، بينَ الشكِّ واليقين. وكانَ القدرُ ينسجُ خيوطَ قصصِهمْ، مُقرباً إياهمْ منْ نقطةِ اللاعودة، حيثُ لا مفرَّ منَ المواجهة، ومنَ الكشفِ عنْ كلِّ ما هوَ مُخبأ.

كانَ الأستاذُ عبد الرحمن يقفُ أمامَ مرآتهِ، ينظرُ إلى انعكاسِ وجههِ الشاحب. لقدْ رأى فيهِ رجلاً مُنهكاً، مُثقلاً بالهموم. ولكنَّهُ رأى أيضاً بصيصَ أملٍ في عينيه، أملٍ في التغيير، وفي الغفران. لقدْ عرفَ أنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلاً، وأنَّ الثمنَ قدْ يكونُ باهظاً. ولكنَّهُ كانَ مستعداً لِدفعه.

كانَ لديهِ مشروعٌ كبيرٌ في ذهنِهِ، مشروعٌ قدْ يُعيدُ لهُ ما فقدهُ، ويُصلحُ ما فسد. ولكنَّ هذا المشروعَ كانَ يتطلبُ شجاعةً، وتضحيةً، وإيماناً بالغدِ الأفضل. وكانَ يعلمُ أنَّ سارةَ هيَ مفتاحُ هذا المشروع، وأنَّ موافقتها، وثقتها، هيَ الوقودُ الذي سيُحرّكُ عجلةَ التغيير.

في تلكَ الليلةِ الباردة، بدأَ الأستاذُ عبد الرحمن يكتبُ رسالةً إلى سارة. رسالةً لمْ يكتبْ مثلها منْ قبل. رسالةً تحملُ اعترافاً، ورجاءً، ووعداً. رسالةً ستكونُ بدايةً النهاية، أو نهايةَ البداية. كانتْ الحروفُ تتساقطُ منْ قلمه، تحملُ ثقلَ سنواتٍ منَ الصمتِ والندم. وكانَ كلُّ حرفٍ فيها، صرخةً مدويةً منْ روحٍ تبحثُ عنِ السلام.

في تلكَ الأثناء، كانتْ ريمُ تتصفحُ بعضَ الملفاتِ القديمةِ في مكتبِها. وبينما هيَ تُقلِّبُ الأوراق، وقعَ بصرُها على وثيقةٍ قديمةٍ، كانتْ تحملُ ختمَ شركةٍ قديمةٍ كانتْ معروفةً بإفلاسها قبلَ سنوات. لمعتْ عينا ريم. تذكرتْ أنَّ هذهِ الشركةَ كانتْ مرتبطةً بشكلٍ ما بالأستاذِ عبد الرحمن، وبقصةِ صعودهِ السريع.

شعرتْ ريمُ بقشعريرةٍ تسري في جسدها. هلْ كانَ نجاحُ الأستاذِ عبد الرحمن مبنياً على أسسٍ واهية؟ هلْ كانَ هناكَ ما لا تعرفهُ سارة؟ دفعها فضولُها، ورغبتُها في مساعدةِ صديقتها، إلى مزيدٍ منَ البحث. كانتْ تعلمُ أنَّ الكشفَ عنْ أيِّ سرٍّ يتعلقُ بالأستاذِ عبد الرحمن قدْ يُسببُ صدمةً لسارة، ولكنَّها كانتْ تؤمنُ بأنَّ الحقيقةَ، مهما كانتْ مؤلمة، هيَ أفضلُ منَ العيشِ في وهمٍ.

لمْ يكنْ ليلُ تلكَ الليلةِ ليحملَ السكونَ للجميع. كانتْ هناكَ قلوبٌ تخفقُ بالقلق، وعقولٌ تُحاكُ المؤامرات، وأرواحٌ تبحثُ عنِ النجاة. كانتْ تلكَ الليلةِ، ليلةً تتكشفُ فيها الأسرار، وتتحددُ فيها المصائر، وتُزرعُ فيها بذورُ الغدِ، سواءٌ كانَ غداً مزهراً، أو صحراءَ قاحلة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%