عيناك وطني الجزء الثالث

الفجر الذي لم يكتمل

بقلم ليلى الأحمد

كان الصمت الذي يلفّ جدران بيتهم العتيق أشدّ وطأة من ضجيج المدينة الذي بدأ يتصاعد مع خيوط الفجر الأولى. جلست "لينا" على عتبة النافذة المطلة على بستان الزيتون، ترقّب حركة الظلال الراقصة على أغصانها الملتفة، وتستمع إلى همسات الريح وهي تحمل عبير الأرض النديّ. لم تكن ترقّب طلوع الشمس بقدر ما كانت ترقّب خطى "عمر".

مرّت لحظات ثقيلة، تطول وتتمدد كأنها دهر. في كلّ مرّة كان صوت حجر يتزحزح أو ورقة تتساقط، كان قلبها يقفز إلى حنجرتها، ثم يعود ليستقرّ بصعوبة متجددة. لم تكن تخشى وحدتها، فقد اعتادت عليها منذ رحيل والدها. لكنّ هذه المرة، كان هناك خوفٌ مختلف، خوفٌ يقرص الروح من الداخل.

تذكّرت كلماته الأخيرة، حين صافحها وابتسامته تحمل مزيجًا غريبًا من الأمل والتحدي: "سأعود يا لينا، ومعي ما سيغيّر كلّ شيء." كانت تلك الكلمات قبل أسبوعين، قبل سفره إلى المدينة الكبيرة، حيث تسعى العيون الجشعة وراء الفرص، وحيث تتاجر الأيدي بأحلام الفقراء.

شعرها الأسود الداكن، الذي عادة ما تضفره بعناية لتصل خصلاته إلى أسفل ظهرها، كان اليوم متناثرًا حول وجهها كالهالة، يداعب بشرتها الشاحبة. أصابعها النحيلة، التي اعتادت على لمس قماش السميك لتصنع ثيابًا لأطفال القرية، كانت اليوم تعبث بخيطٍ فضفاضٍ في طرف وشاحها. لم يكن التعب هو ما أرهقها، بل ثقل الانتظار.

كانت "لينا" تمتلك روحًا قوية، كأشجار الزيتون التي تحيط ببيتهم، صابرة، شامخة، لا تنحني أمام العواصف. لكنّ الأيام الأخيرة كانت كالرياح العاتية، تختبر صبرَها، وتهزّ جذورَ أملها. سمعت عن أخبارٍ تتناقلها الألسن في السوق، عن تجارٍ خسروا كلّ شيء، عن أيدٍ امتدت لتسرق، وعن وعودٍ تبخّرت كالدخان.

ارتدت قفطانها الأزرق الداكن، ذي التطريز الأبيض البسيط الذي صنعته بيديها، ومسحت بعينيها الحزينتين على صورة والدها المعلقة على الجدار. كانت عيناه العظيمتان، اللتان تفيض حكمةً ولطفًا، تبعثان فيها الأمان، لكنّ الغياب كان يخلق فجوةً لا يملؤها سوى حضوره.

"يا ربّ، احفظه بعينك التي لا تنام، وأعده إلينا سالمًا غانمًا." تمتمت بالدعاء، وصوتها يكاد لا يُسمع.

عندما سمعت صوت وقع الأقدام يقترب، استدارت بسرعة. كان "عمر" واقفًا عند البوابة، وثوبه الأبيض قد تلطّخ ببقعٍ من التراب، وشعره مبعثر، لكنّ عينيه… عينيه كانتا تلمعان بنورٍ مختلف. نورٌ حمل معه شيئًا من غربة المدينة، وشيئًا من صمودها.

"لينا!" نادى بصوتٍ أجشّ، بدا وكأنّه لم يستخدمه منذ زمن.

نهضت دون تردّد، خطى سريعة تقودها إليه. كان يقف منتصبًا، جسده القويّ يبدو متعبًا، لكنّ ابتسامته التي رسمت نفسها على شفتيه لم تخفِ الأثر العميق للإرهاق.

"لقد عدت!" قالت، والصوت يخرج منها ممزوجًا بالبكاء والفرح.

تقدم نحوها، لم يقبّلها، ولم يحتضنها بالطريقة التي اعتادوا عليها في زمنٍ مضى، فحدود الأخلاق التي تربّوا عليها كانت أقدس من أيّ مشاعر جارفة. بدلًا من ذلك، وضع يده على كتفها، وضمّها برفقٍ، لكنّ لمسة يده حملت ألف كلمة.

"نعم، لقد عدت. ولم أعد وحدي." قال، وعيناه تجولان في المكان، ثم تستقرّان عليها.

"لم تعد وحدك؟" تساءلت، قلبها يتوق لمعرفة ما يحمله هذا الغموض.

ابتسم "عمر" ابتسامةً واسعة، ابتسامةً تحمل وعدًا بغدٍ أفضل، رغم الشحوب الذي يخيم على وجهه. "تعالي، لن نجلس في الداخل. فالحديث الذي سأقوله، لن يصلح أن يُقال بين أربعة جدران."

مشيا جنبًا إلى جنب نحو بستان الزيتون، حيث كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية الأولى بين الأغصان. جلسا تحت ظلّ شجرةٍ عتيقة، تظلّلها أغصانها المتشابكة كأذرعٍ تحمي.

"لقد كان الأمر أصعب ممّا تخيلت، يا لينا." بدأ "عمر"، وصوته هادئ، يحمل نبرةً عميقة من المسؤولية. "المدينة يا لينا، عالمٌ آخر. هناك، لا يعرفون معنى الصبر، ولا قيمة الشدّة. الكلّ يسعى خلف دنياه، ولا يرى إلاّ ما يلمع في يديه."

تنفّس بعمق، وواصل: "ذهبتُ إلى هناك بقلبٍ ملؤه الأمل، أريد أن أستعيد ما خسره والدي. كان لديه الكثير من الديون، وبعض الأيدي التي لم ترَ الخير فينا، استغلت ضعفه. وعدتُ نفسي أن أعيد كرامتنا، وأن أُسدد كلّ ما علينا."

نظر إلى الأرض، ثم رفع عينيه إليها: "لكنّ سوق المال، يا لينا، عالمٌ لا يرحم. الخسارة فيه أسرع من الربح، والخداع فيه أسهل من الصدق. قابلتُ رجالًا، بعضهم كان يتحدّث بالدين، لكنّ أفعالهم كانت أبعد ما يكون عنه. حاولوا استغلال حاجتي، وإغراقنا في ديونٍ أكبر."

"عمر! ماذا تقصد؟" سألت لينا، والقلق يعتصر قلبها.

"لم أستطع أن أستعيد كلّ شيء، يا لينا." قال، وصوته يخفت. "لكنّني لم أعد خالي الوفاض. لقد وجدتُ شيئًا، شيئًا قد يغيّر مسارنا. ولكنه… ولكنه لم يأتِ سهلاً. لقد اضطررتُ لبعض التنازلات، تلميحاتٌ بسيطة، مجاملاتٌ تافهة، كلماتٌ ما كان يجب أن تُقال. ولكنّ كلّ هذا، في سبيل تحقيق هدفٍ نبيل."

أمسكت بيده، يدها الباردة تحتضن يده الدافئة، التي بدت عليها آثار العمل الشاق. "أعرف قوتك يا عمر، وأعرف صدقك. لم تفعل شيئًا يغضبك. قل لي، ما الذي وجدته؟"

ابتسم "عمر" مرة أخرى، ابتسامةً مختلطة بالندم والراحة. "لقد اكتشفتُ، في خضمّ صراعي، أن هناك مشروعًا كبيرًا، مشروعًا سيكتسب سمعةً طيبةً، سيُفيد الكثيرين، وسيُدرّ ربحًا كبيرًا. لكنّ صاحبه، رجلٌ لا يثق إلاّ بمن يعرفهم جيدًا. لقد كان يبحث عن شريكٍ موثوق، له سمعةٌ طيبةٌ في الأوساط المعروفة. و… لقد أشار إليّ أحدهم."

"من؟"

"رجلٌ نبيل، سمعته طيبة، ولكنه… غريبٌ بعض الشيء. يتّسم بالصرامة، ويُعرف بالولاء الشديد لمن يقدّرهم. لقد قدّم لي فرصةً، لكنّها مشروطة."

"مشروطة بماذا؟"

"بأن أُثبت له… حسن نيّتي. وأن أكون على قدر المسؤولية. وأن… أن أتزوّج."

صمتت لينا. الهواء الذي تنفّسته اختنق في صدرها. نظرت إلى "عمر"، تتأمل وجهه. لم يكن هناك سوى صدقٌ عميق، وإرهاقٌ يدلّ على معركةٍ ضروس.

"تتزوّج؟" كرّرت بصوتٍ خافت، غير مصدّقة. "ولكن… من؟"

"هذه هي المشكلة يا لينا." قال "عمر"، ونظرته تجول بين عينيها. "لقد كان شرطه أن يكون الزواج من فتاةٍ تعرفها عائلتي، فتاةٌ تتمتّع بالأخلاق الحميدة، والسمعة الطيبة، وتربيةٌ صالحة. ورجلٌ من دونه… لا يمكن أن يرى هذا المشروع النور."

"ولمن تكون هذه الفتاة؟" سألت، وصوتها بالكاد مسموع.

"له." قال "عمر"، ومرّت رعشةٌ عبر جسده. "له. رجلٌ… غنيٌّ جدًا، ولكنه… لا يزال يبحث عن شريكة حياته. لقد رأى فيكِ، يا لينا، كلّ ما يتمناه في امرأة. و… لقد رأى فيّ، الرجل الذي يمكن أن يزوجكِ منه. لقد قال لي، بوضوحٍ شديد، أنّه لن يمنحني الثقة للمشروع، إلاّ إذا قبلتُ هذه الصفقة."

"صفقة؟"

"نعم. صفقةٌ لإنقاذ سمعة العائلة، ولتحقيق العدل، ولإعادة بناء ما خسره والدي. ولكنّ ثمنها… هو أنتِ."

لم تستطع لينا أن تتنفس. لم يكن هذا ما تخيلته عندما رأت "عمر" قادمًا. كان لديها أملٌ كبير، وأحلامٌ ورديةٌ عن عودته. لكنّها لم تتخيّل أبدًا أن عودته ستحمل معها مثل هذه الضغوط.

"يعني… أنتَ… أنتَ تتنازل عنّي؟" سألت، وصوتها يرتجف.

"لا يا لينا! أبدًا!" قال "عمر" بسرعة، ويده تمسك بيدها بقوة. "لم أكن أبدًا أريد أن أرى الدموع في عينيكِ. ولكنّني… إنّني محاصرٌ. هذه فرصةٌ لن تتكرر. هذه الصفقة، يا لينا، هي الطريق الوحيد لاستعادة كرامتنا، ولعيش حياةٍ كريمةٍ لكِ ولنا. إنّ هذا الرجل، هو الذي يمتلك المفتاح. وبدونه… سنغرق في الديون، وسنتجرّع مرارة الهزيمة."

نظرت لينا إلى وجهه، رأت فيه صدق المعركة، ورأت فيه ألم الاختيار. لم يكن الأمر سهلاً عليه، ولم يكن سهلاً عليها. لكنّ فكرة أن تكون "لينا" نفسها، هي الثمن، جعلت قلبها يتجمد.

"ومن هو هذا الرجل؟" سألت، وصوتها أصبح صلبًا، يحاول إخفاء ألمٍ بدأ يتغلغل في روحها.

"هو… عمّك. عمّك الكبير، الحاجّ "أحمد"." قال "عمر"، ونظرته تحدّق في الأفق البعيد، كأنّه يخشى النظر في عينيها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%