عيناك وطني الجزء الثالث
أشباح الماضي ولغة الصمت
بقلم ليلى الأحمد
كانت شمس الظهيرة تُلقي بأشعتها الذهبية على أروقة شركة "الأنصاري للاستثمار"، مُعلنةً بداية يومٍ جديدٍ مليءٍ بالتحديات. في مكتبه الفخم، كان "سالم الأنصاري"، رئيس مجلس الإدارة، يُقلّب في ملفاتٍ تُشير إلى نجاحاتٍ باهرة، لكنّ عينيه لم تخلو من بريقٍ مُضطرب. كان يتلقى تقاريرَ دوريةً عن تقدّم "عمر" في مشروعه الجديد، وكان ذلك يُثير في نفسه مشاعرَ متناقضةً بين الإعجاب والغضب.
"لقد نجح في الحصول على تلك الصفقة الهامة،" تمتم "سالم" لنفسه بمرارة، "رغم كلّ ما فعلته لمنعه. لكنّ هذه ليست نهاية المطاف."
كان "سالم" يُكنّ ضغينةً قديمةً لـ "عمر"، ضغينةً تعود جذورها إلى سنواتٍ مضت، إلى خلافٍ تجاريٍ حادٍ كان قد أدى إلى خسارةٍ فادحةٍ لـ "سالم". منذ ذلك الحين، لم يكفّ عن البحث عن فرصةٍ للانتقام، وكان يعتقد أنّ "عمر" قد وجد طريقه ليُصبح عقبةً جديدةً في سبيل طموحاته.
اتصل "سالم" هاتفيًا بـ "زياد"، أحد مستشاريه الموثوقين، والذي كان يعرف جيداً كيف يُنفذ الأوامر دون تساؤل. "زياد، هل أنت جاهزٌ للمرحلة الثانية؟" سأل "سالم" بصوتٍ مُبهم. "كلّ شيءٍ جاهزٌ يا سيدي،" أجاب "زياد" بنبرةٍ مُتأنية، "التفاصيل الدقيقة تحت سيطرتنا. سنُفاجئ الجميع." "ممتاز. لا أريد أيّ خطأ. أريد أن أرى هذا المشروع ينهار، وأن أرى "عمر" يعود إلى نقطة الصفر. ثمّ سنرى من هو الأقوى."
في هذه الأثناء، كان "عمر" يُنهي اجتماعه مع وفدٍ أجنبي، وقد حقق فيه تقدّماً ملحوظاً. كان يشعر بالرضا عن أدائه، لكنّ شيئاً في داخله كان يُخبره بأنّ الأمور ليست على ما يرام تماماً. لقد لاحظ بعض التصرفات الغريبة من بعض الأشخاص الذين تعامل معهم مؤخراً، بعض الأسئلة المُلحة التي بدت وكأنّها تتجاوز حدود المعقول.
"ما زلتُ أشعر بقلقٍ خفيف،" قال "عمر" لـ "خالد" وهو يُغادر مكتبه، "كأنّ هناك شيئاً ما يراقبني." "لا تقلق يا صديقي،" طمأنه "خالد"، "ربما أنت فقط مُجهدٌ من كثرة العمل. لقد وصلتني رسالةٌ غامضةٌ بالأمس، لكنّي لا أعتقد أنّها ذات أهميةٍ كبيرة. سأُخبرك بالتفاصيل لاحقاً." "رسالةٌ غامضة؟ عن ماذا؟"
تردد "خالد" للحظة، ثمّ قرر أن يُخبر "عمر" بما قرأه، دون أن يُبالغ في تفاصيل قد تُثير هلعاً لا داعي له. سرد له مضمون الرسالة، عن وجود منافسين ومؤامراتٍ محتملة. "هذا مُقلقٌ حقاً،" قال "عمر" وهو يبتسم ابتسامةً زائفة، "لكنّي أعرف كيف أتعامل مع المنافسين. طالما أنّني لم أفعل شيئاً خاطئاً، فلا خوف عليّ."
رغم كلماته الواثقة، شعر "عمر" ببرودةٍ تتسرب إلى روحه. لقد بدأ يشكّ بأنّ التحذير الذي تلقاه "خالد" قد يكون أكثر جديةً مما ظنّ.
في منزل "لينا"، كانت الأجواء هادئةً نسبياً. استقبلت عائلتها ضيوفاً على العشاء، وكان الحديث يدور حول الأمور اليومية. لكنّ "لينا" كانت تشعر بثقلٍ خفيٍ في الهواء. في كلّ مرةٍ كان يُذكر فيها اسم "عمر"، كانت تشعر بحاجةٍ مُلحةٍ لمعرفة أخباره، لكنّها كانت تُحاول أن تُخفي ذلك.
"متى سيعود "عمر" يا ابنتي؟" سألتها والدتها بفضولٍ هادئ. "لا أعرف يا أمي،" أجابت "لينا" بابتسامةٍ باهتة، "لديه بعض الالتزامات. لكنّه قال إنّه سيتواصل معي قريباً."
شعرت "لينا" بأنّ صمت والدتها كان يحمل معه شيئاً ما. كانت والدتها عادةً ما تكون مُتحدثةً لبقةً، لكنّها في هذه الليلة بدت مُتحفظةً. "هل هناك ما يُقلقك يا أمي؟" سألت "لينا" بجدية. تنهدت الأم وقالت: "لا شيءٌ يا حبيبتي. فقط أتمنى أن يكون كلّ شيءٍ على ما يرام. أعرف أنّ "عمر" شابٌ جيد، لكنّ الحياة في الخارج ليست سهلة، وأخشى عليكِ من أيّ سوء."
شعرت "لينا" بأنّ كلمتي والدتها تحملان تحذيراً ضمنياً. هل كان هناك من يُحاول التأثير على رأي عائلتها بـ "عمر"؟ هل كانت هناك شكوكٌ تُزرع حوله؟
في تلك الليلة، وبينما كانت "لينا" تُقلّب صفحات كتابٍ قديم، وجدت رسالةً مخبأةً بين الأوراق. كانت رسالةً قديمةً من صديقةٍ قديمةٍ لها، تتحدث فيها عن رجلٍ كان يُحاول التعرّف عليها، رجلٍ كان له ماضٍ مُعقدٌ ومُتداخلٌ مع شخصياتٍ في عالم الأعمال. ذكرت الرسالة اسم "سالم الأنصاري"، ووصفته بأنّه رجلٌ لا يتورع عن فعل أيّ شيءٍ لتحقيق أهدافه.
تجمدت "لينا" في مكانها. هل كان هذا هو "سالم الأنصاري" الذي سمعت عنه "عمر"؟ هل كان هذا الرجل هو الذي يُحاول إلحاق الأذى به؟ بدأت الأفكار تتلاحق في عقلها، تُشكل شبكةً مُعقدةً من الاحتمالات.
قررت "لينا" أن تتواصل مع "عمر" فوراً، دون أن تُفكر مرتين. "عمر، أرجوك ردّ عليّ،" كتبت في رسالةٍ نصيةٍ عاجلة. "هناك شيءٌ هامٌ جداً يجب أن تعرفه. أعتقد أننا في خطر."
في الوقت ذاته، كان "سالم الأنصاري" يُعدّ لخطوته التالية. كان يعرف أنّ "عمر" بدأ يشعر بوجود شيءٍ ما، وكان عليه أن يُسرّع من خططه.
"زياد،" قال "سالم" ببرودٍ قاتل، "لقد حان الوقت لإنهاء المهمة. أريد أن أتأكد من أنّ "عمر" لن يتمكن من العودة إلى بلده بهذه السهولة. استخدم كلّ الوسائل الممكنة. لا أريد له أن يُفكر في "لينا" أو في أيّ شيءٍ آخر."
كان الليل يشتدّ، والظلال تتكاثف. لم تكن "لينا" تعلم أنّ صمت عائلتها، وغموض رسالة "خالد"، وهواجس "عمر"، كلها مؤشراتٌ على عاصفةٍ وشيكة. كان ماضي "سالم الأنصاري" يتربص بـ "عمر" و "لينا"، مُهدداً بتمزيق الأحلام قبل أن تتجسد.