عيناك وطني الجزء الثالث

لقاءٌ لم يأتِ كما يُشتهى

بقلم ليلى الأحمد

جمدت "لينا" في مكانها، كأنّها صخرةٌ نحتتها الرياح القاسية. "عمّي الحاجّ أحمد؟" تردّدت الكلمة في أذنها، كصدىً بعيدٍ في كهفٍ مظلم. لم تكن تتوقّع أن يكون الحلّ، أو بالأحرى، الثمن، هو هذا الرجل الذي لطالما راقبته بعينٍ حذر، رجلٌ لا يظهر إلاّ في المناسبات العائلية الكبيرة، ويترك خلفه هالةً من الغموض والاحترام، ممزوجةً بشيءٍ من الرهبة.

"نعم، عمّك أحمد." أكّد "عمر"، ونبرته تحمل ثقلاً لا يُحتمل. "لقد كان في المدينة، والتقيتُ به بالصدفة. وعندما رأى حاجتي، وعلم بالوضع المالي لأسرتنا، عرض عليّ المساعدة. لكنّ مساعدته… مشروطة."

"مشروطة بماذا؟" سألت لينا، وصوتها بالكاد يعلو فوق ضجيج الشكوك التي بدأت تعصف بذهنها. لم تكن تخشى "عمّها"، ولكنّ فكرة ارتباطها به، فكرة أن تكون جزءًا من "صفقة" أقامها هو، كانت أشدّ إزعاجًا من أيّ شيءٍ آخر.

"هو… يبحث عن زوجةٍ صالحة." قال "عمر"، يتفادى النظر إليها. "لقد رأى فيكِ، يا لينا، كلّ ما يبحث عنه. ورأى فيّ، فرصةً ليكون لكِ زوجًا. ولم يتردّد في عرضي، عرضي هذا. قال لي، بصراحةٍ مروّعة، إنّ الأمر لا يتعلق بالحبّ، بل بالواجب. واجبٌ تجاه العائلة، وواجبٌ تجاه المال. وإنّ مشروعنا الكبير، الذي سيُعيد لنا كرامتنا، لن يبدأ إلاّ إذا تمّ هذا الزواج."

نظرت لينا إلى أشجار الزيتون، التي كانت تبدو لها اليوم كشواهد صامتة على صراعٍ عميق. لم تكن ابنةً صغيرةً، فقد تجاوزت العشرين عامًا، وكانت قد رأيت ما يكفي من أعباء الحياة لتفهم معنى المسؤولية. ولكنّ الزواج، لم يكن يومًا مجرّد صفقة. لم يكن يومًا مجرّد تبادلٍ للمصالح.

"ولماذا أنا؟" سألت، وصوتها يرتجف قليلاً. "ألم يكن هناك فتياتٌ أخريات؟ فتياتٌ ربما كنّ أكثر صلاحًا، أو أكثر إغراءً؟"

"لقد قال، يا لينا، أنّه يبحث عن نقاءٍ نادر. عن قلبٍ لم يتلوّث بفساد المدينة، وعن روحٍ تملك الأصالة. وعندما رأى كيف تتعاملين مع الناس، وكيف تهتمين بوالدتكِ، وكيف تحافظين على سمعة العائلة، قال إنّكِ مثالٌ للمرأة الصالحة. وإنّكِ، يا لينا، تحملين تاريخًا طيبًا، تاريخًا لا يُشترى بالمال."

كانت كلماته كالتبرّعات التي تُلقى على الفقراء، تُخفّف من جوعهم، ولكنّها لا تملأ فراغهم. لقد رأى فيها "عمر" كلّ ما يبحث عنه، ورأى فيّ "عمّك" كلّ ما يبحث عنه. ولكنّها، لينا، كانت تشعر بأنّها مجرّد قطعةٍ على رقعة شطرنج، يتحرّكها الآخرون حسب أهوائهم.

"وماذا عن مشاعركِ يا لينا؟" سأل "عمر"، وصوته فيه نبرةٌ تحمل أسفًا عميقًا. "هل تفهمين… مدى صعوبة الموقف؟ مدى ثقل هذه المسؤولية؟"

"أفهم يا عمر." أجابت، وصوتها أصبح هادئًا، لكنّ فيه صلابةً لم تكن موجودةً من قبل. "أفهم أنّني أصبحتُ ثمنًا. ثمنًا لما خسرته عائلتي. وثمنًا لما سيُعاد إليها."

"ليس ثمنًا، يا لينا. بل… جسرٌ. جسرٌ يعبر بنا إلى برّ الأمان."

"وماذا عن السعادة؟ عن الحبّ؟ عن مستقبلٍ نبنيه معًا؟" سألت، وعيناها تتّجهان إلى الأفق، حيث بدأت الشمس ترسل أشعتها الذهبية، معلنةً بداية يومٍ جديد، يومٍ غريبٍ تمامًا.

"الحبّ يأتي، يا لينا. والشراكة تبنى. ولعلّ هذه الشراكة، المبنية على أُسسٍ قويةٍ من المسؤولية والتقدير، ستكون أقوى من أيّ حبٍّ بدأ بالحماس فقط."

"الحماس؟ هل تظنّ أنّ ما بيني وبينك كان مجرّد حماس؟"

"لم أقل ذلك يا لينا. لقد كنتُ دائمًا أرى فيكِ… أرى فيكِ أكثر من مجرد شقيقة." قال "عمر"، وصوته يخفت، وفيه لمحةٌ من الأسف. "ولكنّ الظروف، يا لينا، أقوى من أحلامنا. وأحيانًا، تكون الأقدار أقسى من رغباتنا."

"وهل هذه هي قدرنا؟ أن نتنازل عن أحلامنا، عن حياتنا، من أجل المال؟"

"ليس المال، يا لينا. بل الكرامة. والعودة إلى أصولنا. عائلتنا لها اسمٌ كبير، ولها مكانةٌ في هذه القرية. ولا يمكن أن ندعها تنهار بسبب بعض الديون. أنتِ، يا لينا، ستكونين المنقذة. أنتِ، يا لينا، ستكونين البطلة."

لم تستطع لينا أن تقرر. كان عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا سيحدد مسار حياتها، ومستقبل عائلتها. نظرت إلى "عمر"، وإلى حيرته، وإلى أمله. رأت فيه الإنسان الذي يحاول أن يُنقذ ما يمكن إنقاذه، حتى لو كان الثمن هو نفسه.

"سأفكر." قالت، وصوتها يكاد لا يُسمع. "سأفكر في الأمر. ولكنّني… أريد أن أتحدّث إلى عمّي الحاجّ أحمد بنفسي."

"بكلّ سرور." أجاب "عمر"، ونفسه يرتاح قليلاً. "غدًا، سأرتب اللقاء. وسأكون معكِ، إن أردتِ."

"لا." قالت لينا، ونبرتها حازمة. "أريد أن أتحدّث إليه وحدي. أريد أن أسمع منه، وأن أفهمه. ثمّ… سأقرّر."

صعدت "لينا" إلى غرفتها، وغلقت الباب خلفها. جلست على سريرها، وضمّت وسادتها إلى صدرها. بدأت الدموع تنهمر من عينيها، دموعٌ تحمل معها الكثير من الأسى، والكثير من الخيبة. لقد عادت "عمر"، وعادت معه الأمل، ولكنّ هذا الأمل كان يحمل في طياته قصةً لم تكن تتخيلها أبدًا.

في اليوم التالي، ذهبت "لينا" إلى بيت عمّها الحاجّ أحمد. كان بيتًا فخمًا، ذا طرازٍ حديث، ولكنّه لم يحمل أيّ دفءٍ عربيّ أصيل. استقبلتها الخادمة بابتسامةٍ مصطنعة، وأدخلتها إلى غرفةٍ واسعة، زينتها لوحاتٌ باهظة الثمن، وأثاثٌ فاخر.

جلس الحاجّ أحمد خلف مكتبه، رجلٌ في منتصف العمر، شعره بدأ يخفّ، وجهه يحمل آثار التعب، لكنّ عينيه كانت حادّتين، كالصقر. لم يكن يرتدي سوى ثوبٍ بسيط، لكنّ وجوده كان يملأ الغرفة.

"أهلاً بكِ يا لينا." قال، وصوته هادئ، لكنّ فيه نبرةٌ تحمل سلطةً لا يمكن تجاهلها. "لقد أخبرني عمر عن سبب زيارتك."

"نعم يا عمّي." أجابت لينا، وحاولت أن تبدو قوية. "لقد علمتُ أنّك تبحث عن زوجةٍ، وأنّ عمر قد عرض عليّ هذا الارتباط."

"وهل أنتِ موافقة؟" سأل الحاجّ أحمد، وعيناه تتفحّصانها.

"أنا… أنا أريد أن أفهم." قالت. "أريد أن أفهم لماذا اخترتني أنا. ولماذا هذا الارتباط، بالذات؟"

"لقد رأيتُ فيكِ، يا لينا، كلّ ما أبحث عنه في امرأة. الأصالة، والنقاء، والتقوى. وأنتِ، يا لينا، تحملين اسمًا طيبًا، اسمًا لا يُراد أن يُلطّخ. أما عن الارتباط، فهو لإنقاذ عائلتك، ولإعادة بناء ما خسرته. وعمر… عمر هو الشابّ الذي يمكن أن يحمل هذه المسؤولية، ولكنّه يحتاج إلى مساعدة. ومساعدتي، يا لينا، تأتي مع شروط."

"وما هي هذه الشروط؟"

"أنتِ، يا لينا، ستكونين زوجتي. وسأمنح عمر كلّ ما يحتاجه لإعادة بناء مشروعه. ولكن… يجب أن تكوني سعيدةً في بيتي. وأن تعطيني فرصةً لأحبّك، وأقدّرك."

"ولكنّني… أريد أن أكون زوجةً عن حبّ، يا عمّي." قالت لينا، وصوتها فيه لمسةٌ من الرجاء. "أريد أن أبني حياةً، لا أن أشتريها."

ضحك الحاجّ أحمد ضحكةً خافتة. "الحبّ يا لينا، يمكن أن يُبنى. وقد تجدين فيّ، ما لم تجديه في غيري. أنا رجلٌ أؤمن بالوفاء، وبالتقدير. وسأحرص على سعادتكِ. ولكنّني… لا أملك وقتًا لإضاعة أحلامٍ وردية. فإمّا أن تقبلي، أو… أن تتركوا كلّ شيءٍ كما هو."

نظرت لينا إلى وجهه، رأت فيه جدّيةً قاطعة. لم يكن الأمر مجرّد كلمات. كانت هذه فرصةٌ لا تتكرر. كان عليها أن تختار بين أحلامها، وبين مستقبل عائلتها.

"سأقبل." قالت، وصوتها فيه نبرةٌ تحمل ثقلاً لا يُطاق. "سأقبل، يا عمّي. ولكنّني… أريد ضمانًا. ضمانًا بأنّ مشاعري، وأنّ حياتي، لن تكون مجرّد صفقةٍ أبدية."

"ستحصلين على ما تريدين، يا لينا." قال الحاجّ أحمد، وابتسامةٌ خفيفةٌ رسمت نفسها على شفتيه. "أنا رجلٌ أؤمن بالوعود. وسوف ترى ذلك بنفسك."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%