عيناك وطني الجزء الثالث

بين رمال الماضي وظلال المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء يلف غرفتها كعباءة ثقيلة، محمّلة برائحة البخور المتبقي من صلاة العشاء وبعبق الياسمين المتسلل من النافذة المفتوحة. جلست لينا على طرف السرير، وعيناها شاردتان في الفراغ، وقلبها يخفق بخوف لا تعرف مصدره تماماً. منذ عودة والديها من العمرة، اختلّ الهدوء في بيتهم، وشيئاً فشيئاً، بدأت تشعر بتغيّر في الأجواء، وكأن ستارة شفافة قد سُدلت بينها وبين ما كانت تعتقده يقيناً.

الآن، وفي هذه اللحظة المتأخرة من الليل، كان استدعاء والدتها لها بهذه السرعة، والملامح التي رسمت على وجهها علامات الجدية والقلق، كلها أمور تزيد من اضطرابها. نهضت عندما سمعت طرقاً خفيفاً على الباب، فدخلت أمها، وبصحبتها أختها الكبرى، فاطمة. نظرت الأم إلى ابنتها نظرة مختلطة بالعطف والأسى، وبدأت حديثها بصوت متقطع: "لينا يا ابنتي، لديّ أمرٌ هامٌّ أودّ أن أحدثكِ فيه. أمرٌ قد يغير مسار حياتكِ."

تجمّدت لينا في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في عروقها. "ما هو يا أمي؟ هل هناك ما يقلقكِ؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.

أخذت الأم نفساً عميقاً، ثم وضعت يدها على يد لينا المرتجفة. "الموضوع يتعلق بخالد، ابن عمكِ."

عند ذكر اسم خالد، ارتسمت علامات الدهشة على وجه لينا، ثم تلتها موجة من الارتباك. لم ترَ خالد منذ فترة طويلة، فقد كان مسافراً للدراسة في الخارج، ولم تعد علاقتها به وثيقة كما كانت في الصغر. "خالد؟ ماذا له علاقة بالأمر؟"

لم تجب الأم مباشرة، بل أشارت إلى فاطمة، التي بادرت بالحديث بلهجة حازمة لكنها هادئة: "لقد عاد خالد إلى البلاد يا لينا. وقد حضر قبل أيام، ولكن الخبر لم يُعلَن فوراً. والآن، وبعد أن تمّ الأمر، علمنا بمساعيه."

"مساعيه؟" تكررت لينا الكلمة، وكل خلية في جسدها بدأت تتأهب لسماع ما سيأتي.

"لقد تقدم خالد لخطبتكِ رسمياً." قالت الأم، وعيناها مليئتان بالترقب، تنتظر رد فعل ابنتها.

اتسعت عينا لينا بصدمة. خطبته؟ خالد؟ هل كانت هذه مزحة؟ ولكن نظرات أمه وفاطمة الجادة أكدت لها أن الأمر جاد. شعرت وكأن الأرض تدور بها. خالد، الذي عرفته كابن عم، كرفيق طفولة، هل أصبح الآن يريدها زوجة؟ "ولكن... كيف؟ ومتى؟"

"لقد طلب والدكِ، وعمي، الاجتماع معكِ، ومع خالكِ، وبعدها سيتم الإعلان الرسمي. والدكِ يريد أن يستشيركِ قبل أن يتخذ قراراً نهائياً. ولكنني أردت أن أعرف رأيكِ أولاً، قبل أي شيء." قالت الأم، وحاولت أن ترسم ابتسامة مطمئنة على شفتيها.

لم تجد لينا كلمات تصف ما تشعر به. مزيج من المفاجأة، والحيرة، وشيء من الخوف. تذكرت حديثها مع يوسف، ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إلى قلبها تجاهه. هل كل هذا سيذهب هباءً؟ هل هذا يعني نهاية الحلم الذي كانت تنسجه في خيالها؟ "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." اعترفت لينا بصوت متلعثم. "لم أتوقع هذا أبداً."

"الأمر مفاجئ لنا جميعاً يا ابنتي." قالت فاطمة، ولعلها لاحظت اضطراب أختها. "لكن خالد رجلٌ طيبٌ، ذو أخلاقٍ ودين. وعائلتنا ستسعد بهذا الارتباط. فهو ابن عمكِ، ويعرفكِ جيداً، وستكون الأمور أيسر."

"ولكن... ماذا عن يوسف؟" تساءلت لينا في سرها، وشعرت بوخزة في قلبها. هذا السؤال لم تستطع النطق به، ولكنه كان يتردد في أذنها كصدى.

"ماذا قلتي يا لينا؟" سألت الأم.

"لا شيء يا أمي. فقط... أنا بحاجة إلى وقت للتفكير." قالت لينا، محاولة استجماع شتات أفكارها.

"خذي وقتكِ يا ابنتي." قالت الأم، وعادت لتضع يدها على رأسها. "لكن تذكري أن هذه فرصةٌ طيبةٌ. زواجٌ من ابن العم، فيه صلة رحم، وتفاهمٌ، وتجانسٌ بين العائلتين."

خرجت الأم وفاطمة، وتركت لينا وحيدة مع أفكارها المتصارعة. جلست مرة أخرى، وأسندت رأسها إلى الجدار البارد. خالد! لم يخطر ببالها قط. كانت ترى في خالد ابن عمها، الرجل الذي يكبرها بسنوات، والذي كانت تتذكر مواقفه الطيبة معها في طفولتها. ولكن فكرة أن يصبح زوجها، فكرةٌ لم تكن مستعدة لها على الإطلاق.

بدأت صور يوسف تتسلل إلى ذهنها. ابتسامته، كلماته الطيبة، نظرات عينيه التي كانت تخبر قصصاً لم تفهمها تماماً، ولكنها كانت تشعر بصدقها. هل يمكن أن يكون كل هذا وهماً؟ هل يمكن أن تكون مشاعرها تجاهه مجرد إعجاب عابر، ثم يأتي القدر ليضع أمامها طريقاً آخر، طريقاً قد يكون أكثر أماناً، وأكثر قبولاً من المجتمع والعائلة؟

خرجت من غرفتها متسللة، متوجهة إلى شرفة المنزل حيث كانت ترى أضواء المدينة تتلألأ في الظلام. وقفت هناك، مستندة إلى السياج، تستنشق هواء الليل البارد، محاولة تهدئة اضطرابها. هل كانت مستعدة لأن تضحي بشعورٍ بدأ ينمو في قلبها، فقط لأن العادات والتقاليد تفرض عليها خياراً آخر؟

تذكرت وجه والدتها المليء بالرجاء، ووجه والدها الذي لطالما أراد لها الأفضل. لم تكن تريد أن تخالف رغباتهم، ولكنها أيضاً لم تكن تريد أن تكذب على نفسها، أو على من قد يكون له مكان في قلبها.

فجأة، شعرت بيدٍ تلمس كتفها. استدارت بفزع، لتجد والدها واقفاً بجانبها، ينظر إليها بعينين فيهما الكثير من الحنان والحكمة. "ماذا بكِ يا ابنتي؟ أراكِ شاردة الذهن."

"لا شيء يا أبي. فقط... بعض الأفكار." قالت لينا، وحاولت أن ترسم ابتسامة.

"هل يتعلق الأمر بما قالته أمكِ؟" سأل الأب بهدوء، وجلس بجانبها.

نظرت لينا إليه، وشعرت بأنها تستطيع أن تبوح له بكل شيء. "نعم يا أبي. الأمر مفاجئ جداً."

"أعلم يا ابنتي. ولكن خالد رجلٌ طيب، وهو ابن عمكِ، وهذا يسهّل الكثير. عائلتنا، وعائلتكم، ستسعد بهذا الزواج. لقد تحدثت مع عمكِ، وهو سعيدٌ جداً بهذا الأمر."

"ولكنني... أنا لم أفكر بهذا الأمر قط." قالت لينا، وصوتها يرتجف قليلاً. "ولدي... لديّ مشاعرٌ أخرى."

رفع الأب حاجبه قليلاً، ونظر إليها بتمعن. "مشاعرٌ أخرى؟ هل تقصدين أحداً؟"

ترددت لينا. هل هذا هو الوقت المناسب للحديث عن يوسف؟ رجلٌ عرفته لبضعة أشهر، مقابل رجلٌ عرفته طوال حياتها، وبينهم صلة رحم. "لا يا أبي. ليس أحداً محدداً." كذبت لينا، وشعرت بوخزة أخرى في قلبها. كانت تعلم أن هذه الكذبة قد تكون نقطة اللاعودة.

"إذاً، الأمور ستكون أيسر." قال الأب، ومسح على رأسها. "خالد رجلٌ مناسبٌ، وستكون سعيدةً معه بإذن الله. استخيري الله يا لينا، وفكري ملياً. هذا أمرٌ يخصّ مستقبلَكِ، وأنا لن أجبركِ على شيء. ولكن تذكري أن العائلة لها دورٌ كبيرٌ في هذه القرارات."

هذه الكلمات الأخيرة وضعت ثقلاً جديداً على كاهل لينا. "العائلة لها دورٌ كبيرٌ." نعم، لقد أدركت ذلك. وربما كان الدور أكبر مما تتخيل. لقد شعرت بأن خياراتها تتقلص، وأن حجاباً ثقيلاً بدأ ينزل على أحلامها.

وقفت لينا، وقالت بصوتٍ أكثر ثباتاً مما كانت عليه قبل دقائق: "سأفكر يا أبي. وسأستخير الله."

عاد الأب إلى غرفته، وتركت لينا وحدها مرة أخرى، تواجه صراعاً داخلياً أعنف مما كانت تتخيل. كانت تعلم أن قرارها لن يكون سهلاً، وأن الطريق أمامها قد يكون مليئاً بالتعقيدات. هل تستطيع أن تتجاهل قلبها؟ أم أن تتجاهل عائلتها؟ لقد بدأت تتسرب إلى روحها قناعةٌ مؤلمة: ربما كان قدرها قد كتب لها طريقاً لا تستطيع أن تحيد عنه، حتى لو كان مخالفاً لما تتمناه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%