عيناك وطني الجزء الثالث
ظلٌّ تحت سماءٍ واسعة
بقلم ليلى الأحمد
عادت "لينا" إلى بيت عائلتها، تحمل في قلبها ثقل الأرض، وفي عقلها صورًا متناقضة. صورٌ لـ "عمر" الذي حاولت أن تخاطب قلبه، وصورٌ للحاجّ "أحمد" الذي خاطب عقلها. لم يكن الأمر سهلاً. لقد تخلّت عن أحلامها، عن أحلامٍ كانت تنمو في تربةٍ خصبةٍ من الأمنيات، لتزرع بذرةً في أرضٍ قاحلة.
عندما دخلت، وجدت "عمر" واقفًا في الصالة، ينتظرها. بدت على وجهه علامات القلق، ممزوجةً بشيءٍ من الشوق. عندما رآها، ابتسم ابتسامةً خجولة، ولكنّها لم تصل إلى عينيه.
"ها قد عدتِ." قال، والصوت فيه نبرةٌ خافتة. "هل… هل كلّ شيءٍ على ما يرام؟"
نظرت لينا إليه، رأت فيه ألمًا يشبه ألمها، ولكنّه ألمٌ جاء من ضغوطٍ أخرى. "نعم يا عمر. لقد قبلتُ."
ارتسمت على وجه "عمر" ابتسامةٌ واسعة، ابتسامةٌ فيها راحةٌ عميقة، وامتنانٌ لا يُوصف. تقدم نحوها، ومدّ يده ليصافحها، ولكنّه توقف في اللحظة الأخيرة، مدركًا أنّ هذا الموقف لا يتطلب مصافحة. بدلًا من ذلك، قال: "شكرًا لكِ يا لينا. أنتِ… أنتِ أنقذتِنا. لم أكن لأعرف ماذا أفعل لولا لطفكِ."
"لم يكن لطفًا، يا عمر." قالت لينا، وصوتها فيه نبرةٌ قوية، حاول أن تخفي بها ألمًا عميقًا. "لقد كان قرارًا. قرارًا صعبًا، ولكنّه ضروري."
"أتفهم." قال "عمر"، ونبرته تحمل احترامًا. "أعلم أنّ هذا ليس ما كنتِ تتمنينه. ولكنّني… سأحرص على أن تكوني سعيدةً. سأفعل كلّ ما بوسعي لأجل ذلك."
"أتمنى ذلك يا عمر." أجابت لينا، ونظرتها تجول في أرجاء البيت، بيتٌ كان بالأمس قريبًا، واليوم يبدو وكأنّه بعيدٌ جدًا.
مرّت الأيام سريعة، لكنّ كلّ يومٍ كان يحمل معه ثقلاً مختلفًا. بدأ الحاجّ "أحمد" في ترتيبات الزواج. كانت التفاصيل كثيرة، ولكنّها لم تكن تحمل أيّ شيءٍ شخصيّ. فساتين، قاعات، دعوات. كلّ شيءٍ كان يُنفّذ بدقةٍ متناهية، ولكنّها لم تكن تحمل أيّ دفءٍ عائليّ.
كان "عمر" يحاول أن يكون قريبًا، ولكنّ حدوده كانت واضحة. كان يزورها، يتحدّث معها عن مستقبل المشروع، عن خططه، عن آماله. ولكنّها لم تكن ترى في عينيه سوى الامتنان، والأسف. لم تكن ترى فيه الحبّ الذي كانت تحلم به، ولم تكن ترى فيه الرجل الذي سيشاركها حياتها.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت "لينا" تجلس في غرفتها، تفكر في مستقبلها، دخلت والدتها، جلست بجانبها، ووضعت يدها على يدها.
"يا ابنتي." قالت والدتها، وصوتها يحمل حكمةً وشفقة. "أعلم أنّ هذا ليس سهلًا عليكِ. ولكنّكِ فتاةٌ قوية، فتاةٌ تعرف ما تفعل."
"يا أمّي." قالت لينا، وبدأت الدموع تنهمر. "لم أكن أتخيل أبدًا أن حياتي ستكون هكذا. لقد كنتُ أحلم بزوجٍ أحبّه، وزوجٍ يحبّني. رجلٌ نشاركه كلّ شيء، نبني معًا مستقبلًا. ولكنّني… أنا الآن سأتزوّج رجلًا لا أعرف عنه شيئًا، سوى أنّه غنيٌّ، وأنّه يريدني."
"وهو أيضًا، يا لينا، لديه أسبابه. والحياة، يا ابنتي، لا تسير دائمًا كما نتمنى. أحيانًا، علينا أن نختار الأقلّ ضررًا. والحاجّ أحمد، رجلٌ معروفٌ بتقديره لزوجته. وربّما… ربّما تجدين في هذا الارتباط، ما لم تتوقّعيه."
"ولكنّ قلبي يا أمّي." قالت لينا، تضغط على صدرها. "قلبي يبكي."
"سوف يشفى قلبكِ يا ابنتي. ومع الوقت، ستتعلمين كيف تحبّينه. والحبّ، يا لينا، مثل البذرة. إن سُقيت بالاهتمام، والتقدير، والاحترام، فإنّها تنمو وتزهر."
في يوم الزفاف، كان كلّ شيءٍ يبدو كالحلم. فستانٌ أبيضٌ حريريّ، طرحةٌ طويلةٌ تغطّي وجهها، وزينةٌ تليق بالملوك. ولكنّ قلب "لينا" كان ثقيلًا، يئنّ تحت وطأة الواقع.
أوصلها "عمر" إلى قاعة الزفاف، وابتسم لها ابتسامةً حزينة. "أتمنى لكِ كلّ التوفيق يا لينا." قال، ونبرته فيها شيءٌ من الندم. "وأعدكِ، بأنّني سأبذل كلّ ما في وسعي لأجعل هذه الشراكة ناجحةً، ولأحقق كلّ الوعود التي قطعتُها."
"شكرًا يا عمر." أجابت لينا، ونظرتها تجول في القاعة، بحثًا عن وجهٍ مألوف، وجهٍ يحمل دفئًا.
عندما دخل الحاجّ "أحمد"، بدا وكأنّ نورًا يسطع منه. كان يرتدي ثوبًا أسودَ فاخرًا، وعلى وجهه ابتسامةٌ هادئة. تقدم نحوها، وأمسك بيدها. كانت يده باردةً، ولكنّها كانت تحمل قوةً لا يمكن إنكارها.
"أهلاً بكِ في بيتي الجديد، زوجتي." قال، وصوته هادئ، ولكنّ فيه نبرةً تحمل وعدًا. "أتمنى أن تكوني سعيدةً معي. وأن تعطيني فرصةً لأثبت لكِ، أن هذا الزواج، ليس مجرّد صفقةٍ، بل بدايةٌ لحياةٍ جديدة."
نظرت لينا إلى عينيه، رأت فيهما شيئًا لم تكن تتوقّعه. لم تكن عينان جشعتين، ولا عينان متكبّرتان. بل عينان تحملان خبرةَ الحياة، ورغبةً في بناء شيءٍ مستقرّ.
"أتمنى ذلك يا الحاجّ أحمد." أجابت، وصوتها بالكاد مسموع. "ولكنّني… أتمنى أن يكون الحبّ جزءًا من هذه الحياة."
ابتسم الحاجّ أحمد، وشدّ على يدها برفق. "الحبّ يا لينا، هو ما يبني كلّ شيء. وسوف تجدينني، في كلّ خطوةٍ، أسعى لأجل ذلك."
انتقلوا إلى قاعة السيدات، حيث استقبلتها النساء بالتهاني. كان الجميع ينظر إليها بإعجاب، وإلى الحاجّ أحمد بكلّ تقدير. شعرت "لينا" بأنّها في عالمٍ آخر، عالمٌ لم تكن تتوقّعه.
في ليلة الزفاف، عندما دخلت إلى غرفتها، وجدت الحاجّ أحمد ينتظرها. كان جالسًا على طرف السرير، ينظر إليها بهدوء.
"لينا." قال، وصوته يحمل نبرةً غريبة، مزيجًا من الشوق والتردد. "أعلم أنّ هذا الموقف ليس سهلًا عليكِ. ولكنّني… سأحرص على أن تكوني مرتاحةً. وأن تعطيني فرصةً لنبني معًا حياةً كريمةً، حياةً يستحقّها كلّ منّا."
نظرت لينا إلى وجهه، ولم تكن تعرف ماذا تقول. كان صمتها هو الردّ الوحيد.
"لا تقلقي." قال الحاجّ أحمد، وهو يقوم من مكانه. "لن أزعجكِ الليلة. أريدكِ أن ترتاحي. الغد، سيكون يومًا جديدًا، وبدايةً جديدة."
خرج الحاجّ أحمد من الغرفة، تاركًا "لينا" وحدها. جلست على السرير، وبدأت تبكي. بكاءٌ صامتٌ، يحمل معه كلّ ما شعرت به من خوف، ومن أمل، ومن حيرة. لم تكن تعرف ماذا سيحمل الغد، ولكنّها كانت تعلم شيئًا واحدًا: أنّ حياتها قد بدأت رحلةً جديدة، رحلةً لم تكن تتخيلها أبدًا.