عيناك وطني الجزء الثالث
ريحٌ تعصفُ في صحراء الروح
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليلةً أخرى من ليالي الصمت الثقيل، تلك التي يئنُّ فيها القلبُ تحت وطأةِ ما لم يُقَل، وما لم يُكشَف. نورٌ باهتٌ يتسللُ من شقِّ الستائرِ المخمليةِ، يرتسمُ على وجهِ "ليلى" خطوطاً حزينةً، ترسمُها الأفكارُ المتشابكةُ والهمومُ المتراكمةُ. منذُ رحيلِ "أحمد"، بدتِ الأيامُ تتشابهُ، واللياليُ تطولُ، وكأنَّ الزمنَ قد توقفَ عندَ لحظةِ الوداعِ المؤلمةِ، لحظةٍ ألقتْ بظلالِها على كلِّ شيءٍ، على كلِّ زاويةٍ في هذا البيتِ الذي كانَ يوماً يضجُّ بالحياةِ والأملِ.
تتذكرُ دفءَ يديهِ، وضحكتَهُ التي كانتْ تشقُّ سكونَ البيتِ، وكلماتهِ التي كانتْ تزرعُ في قلبها الطمأنينةَ. أينَ ذهبَ كلُّ ذلك؟ وهلْ كانَ وهماً جميلاً سرعانَ ما تلاشى؟ سؤالٌ يترددُ في أعماقها، يهزُّ أركانَ يقينها.
وقفتْ أمامَ المرآةِ، تتأملُ وجهَها الشاحبَ، والعينينِ اللتينِ فقدتا بريقَهُما. لم تعدْ تلكَ الفتاةُ المرحةُ المفعمةُ بالحيويةِ. لقدْ أكلَ الحزنُ من روحها، وزرعَ في قلبها شعوراً بالخواءِ لا ينتهي. كانَ حديثُ والدتها عن "عودةِ أحمدَ" يترددُ في أذنيها كصدىً بعيدٍ، ولكنهُ لم يعدْ يبعثُ في قلبها ذلكَ الأملَ الذي كانَ. لقدْ تسللتْ الشكوكُ إلى روحها، وباتتْ تفكرُ في طبائعِ البشرِ المتغيرةِ، وفي صعوبةِ الثقةِ بمنْ عرفَ طريقَ الانزلاقِ.
تذكرتْ ليلةَ أمسِ، حينَ اضطرَّتْ للذهبِ إلى منزلِ "أمِّ يوسفَ"، صديقةِ العائلةِ القديمةِ، بعدَ أنْ علمتْ أنَّ "أحمدَ" قدْ عادَ إلى المدينةِ. لم يكنْ قراراً سهلاً، فالمواجهةُ كانتْ تخيفها، ولكنَّ الفضولَ والرغبةَ في فهمِ ما حصلَ دفعاها.
كانتِ الأجواءُ في منزلِ "أمِّ يوسفَ" مشحونةً بالتوترِ. "أمُّ يوسفَ"، امرأةٌ طيبةٌ ولكنَّها تحملُ في عينيها عبءَ السنينِ، كانتْ تتبادلُ النظراتِ القلقةَ معَ "الحاجِّ عبدِ الرحمنِ"، والدِ "أحمدَ" ومُختارِ الحيِّ. أما "أحمدُ" نفسه… فقدْ كانَ مختلفاً.
لم يعدْ ذلكَ الشابُّ الذي عرفتهُ. كانَ وجههُ شاحباً، وعيناهُ غائرتينِ، وعيناهُ تحملانِ نظرةَ الضياعِ. كانتْ تلتفُّ حولَهُ هالةٌ منْ الإرهاقِ والذبولِ. بالكادِ استطاعَ النظرَ إليها، وعندما فعلَ، كانَ في عينيهِ مزيجٌ منْ الخجلِ والأسفِ، ولمحةُ ذلكَ البريقِ القديمِ الذي اختفى.
"أهلاً بكِ يا ليلى"، قالَ بصوتٍ خافتٍ، بدا وكأنهُ قادمٌ منْ بعيدٍ. كانَ صوتهُ قدْ تغيرَ، فقدَ قوتهُ ورونقَهُ. "أهلاً بكَ يا أحمدُ"، أجابتْ بصوتٍ بالكادِ مسموعٍ، وقلبها يخفقُ بعنفٍ. "أتيتُ لأعتذرَ… وأوضحَ"، أضافَ، ولكنَّ كلماته كانتْ متعثرةً، وكأنَّها لا تجدُ طريقَها للخروجِ.
شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. لم يكنْ هذا هوَ اللقاءُ الذي تخيلتهُ. كانتْ تأملُ في اعتذارٍ صادقٍ، في شرحٍ وافٍ، في بصيصِ أملٍ لعودةِ المياهِ إلى مجاريها. ولكنَّ ما رأتهُ كانَ روحاً منهكةً، وقلباً جريئاً أثقلتهُ الخطايا.
"ماذا حدثَ يا أحمدُ؟" سألتْ مباشرةً، فقدْ نفدَ صبرُها منْ التلميحاتِ والغيومِ. "لقدْ اختفيتَ دونَ كلمةٍ، تركتني معلّقةً بينَ السماءِ والأرضِ. هلْ كانَ كلُّ شيءٍ مجردَ كذبةٍ؟"
نظرتْ والدةُ أحمدَ بخجلٍ إلى الأرضِ. أما الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، فقدْ عادَ وجههُ إلى ذلكَ الصقيعِ الذي يعرفهُ الجميعُ. "يا ابنتي، أحمدُ مرَّ بظروفٍ قاسيةٍ"، قالَ بصوتٍ أجشٍّ، محاولاً تخفيفَ وطأةِ الحقيقةِ.
"ظروفٌ قاسيةٌ؟" كررتْ ليلى باستغرابٍ، تشعرُ بأنَّ الأمرَ أعمقُ منْ مجردِ ظروفٍ. "ما هيَ هذهِ الظروفُ التي تجعلُ شاباً يرتبِطُ بفتاةٍ ثمَّ يختفي دونَ أثرٍ؟"
تكلمَ أحمدُ بصعوبةٍ، وأخيراً تجمعتْ لديهِ الشجاعةُ. "لقدْ… لقدْ أخطأتُ يا ليلى. أخطأتُ بحقكِ، وبحقِّ نفسي، وبحقِّ عائلتي. لقدْ انزلقتُ في طريقٍ مظلمٍ… طريقِ المقامرةِ."
توقفَ الكلامُ في حلقِ ليلى. المقامرةُ! الكلمةُ الصادمةُ ألقتْ بها في دوامةٍ منْ المشاعرِ المتضاربةِ. الصدمةُ، الخيبةُ، الغضبُ، والشعورُ بالغدرِ. كيفَ يمكنُ لشخصٍ كانتْ تثقُ بهِ، شخصٍ يبدو مظهرهُ نبيلاً، أنْ يقعَ في مثلِ هذا الإدمانِ المدمرِ؟
"مقامرةٌ؟" أعادتْ الكلمةَ، وصوتها يرتجفُ. "هلْ هذا ما كنتَ تفعلهُ؟ هلْ كلُّ وعودكَ، كلُّ أحلامنا المشتركةِ، كانتْ مجردَ ستارٍ لهذا الإدمانِ؟"
"لا، يا ليلى، لم يكنْ الأمرُ كذلكَ تماماً"، قالَ أحمدُ، وفي عينيهِ دموعٌ تتلألأُ. "بدأتُ بشكلٍ بسيطٍ، ظننتُ أنني أستطيعُ التحكمَ بهِ. ولكنَّ الأمرَ خرجَ عنْ سيطرتي. لقدْ خسرتُ كلَّ شيءٍ، ديونٌ… وصعوباتٌ… اضطررتُ للابتعادِ لأحاولَ إصلاحَ ما أفسدتُ."
"إصلاحٌ؟" سخرتْ ليلى بمرارةٍ. "وهلْ كانَ الهربُ هوَ الحلُّ؟ هلْ كانَ تركُ عائلتكَ، وكسرُ قلبِ فتاةٍ أحببتها، هوَ الطريقُ للإصلاحِ؟"
"لم أكنْ أستطيعُ أنْ أراكِ وأنا في هذهِ الحالةِ"، قالَ بصوتٍ ضعيفٍ. "كنتُ خجولاً، ومكسوراً. كنتُ أريدُ أنْ أعودَ إليكِ وأنا رجلٌ صالحٌ، رجلٌ تستحقينهُ."
"رجلٌ تستحقينهُ؟" كبرتْ الكلمةُ في صدرها، وشعرتْ بدموعٍ حارةٍ تنسابُ على خديها. "أحمدُ، لقدْ كنتُ أحبُّكَ كما أنتَ. كنتُ أحبُّ روحكَ، طيبتكَ، أحلامكَ. لم أكنْ أهتمُّ بالمالِ أو بالمظاهرِ. كنتُ أبحثُ عنْ شريكٍ لحياتي، عنْ رجلٍ أخافُ اللهَ فيهِ، وأبني معه أسرةً. ولكنَّكَ… لقدْ خنتَ ثقتي."
شعرَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بوطأةِ الموقفِ. "يا ليلى، أحمدُ الآنَ يحاولُ التوبةَ. لقدْ ذهبَ إلى مركزِ علاجٍ، وتعافى، والآنَ يريدُ البدءَ منْ جديدٍ."
"مركزُ علاجٍ؟" ترددتْ ليلى الكلمةَ، تحاولُ استيعابَ كلِّ ما تسمعهُ. هلْ هذا هوَ "أحمدُ" الذي عرفتهُ؟ وهلْ الإدمانُ يمكنُ أنْ يُشْفى منهُ حقاً؟
"لقدْ كنتُ بعيداً عنْ كلِّ شيءٍ، عنْ اللهِ، وعنْ نفسي، وعنْكم"، قالَ أحمدُ، وعيناهُ مثبتتانِ عليها، تحملانِ رجاءً يائساً. "لقدْ علمني الإدمانُ دروساً قاسيةً. عرفتُ قيمةَ ما فقدتُ. أريدُ فرصةً أخيرةً يا ليلى. أريدُ أنْ أصلحَ خطئي، وأنْ أثبتَ لكِ أنني أستحقُّ حبكِ، وأنني قادرٌ على أنْ أكونَ الزوجَ الذي حلمتِ بهِ."
كانتْ كلماته تحملُ صدقاً، ولكنَّ ندوبَ الماضي كانتْ عميقةً. الخوفُ منْ تكرارِ الخطأ، ومنْ الانجرافِ مرةً أخرى، كانَ يقبضُ على قلبها. هلْ يمكنُ لحبٍّ أنْ يتجاوزَ هذهِ العقبةَ؟ هلْ يمكنُ للثقةِ المكسورةِ أنْ تُبنى منْ جديدٍ؟
نظرتْ إلى والدةِ أحمدَ، التي كانتْ تنظرُ إليها بعينينِ مليئتينِ بالرجاءِ. ثمَّ نظرتْ إلى الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، الذي أومأَ برأسِهِ قليلاً، كأنهُ يمنحُها إذناً صامتاً بالتفكيرِ.
"لا أعرفُ يا أحمدُ"، قالتْ أخيراً، وصوتها بالكادِ يخرجُ. "لقدْ جرحتني بعمقٍ. ولا أعرفُ إنْ كنتُ أستطيعُ الثقةَ بكَ مرةً أخرى."
ثمَّ انصرفتْ، تركتْ خلفها صمتاً أثقلَ منْ أيِّ كلامٍ، وقلباً ممزقاً بينَ الحزنِ على ما مضى، والخوفِ مما قدْ يأتي. كانَ عليها أنْ تتخذَ قراراً، قراراً سيحددُ مسارَ حياتها. ولكنَّ قراراً كهذا لا يُتخذُ في ساعةِ غضبٍ أوْ حزنٍ، بلْ في هدوءٍ وتفكيرٍ عميقٍ.
عادتْ إلى غرفتها، وجلستْ على السريرِ، تحتضنُ نفسها. كانتْ تشعرُ وكأنَّها وحيدةٌ في هذا العالمِ، تواجهُ صراعاً داخلياً مريراً. حبُّها لأحمدَ كانَ لا يزالُ قوياً، ولكنَّ جرحَ خيانتهِ كانَ أعمقَ. هلْ كانتْ مستعدةً للمخاطرةِ بكلِّ شيءٍ منْ أجلِ رجلٍ أثبتَ أنَّ لهُ ضعفاً قاتلاً؟ سؤالٌ كانَ يطاردها، وكانَ يثقلُ كاهلَ روحها.
ظلتْ مستيقظةً طوالَ الليلِ، والدموعُ تتساقطُ بلا توقفٍ. الغدُ يحملُ معه تحدياتٍ جديدةً، وقراراتٍ مصيريةً. ولكنْ في هذهِ اللحظةِ، لم يكنْ لديها سوى الألمِ، والشكِ، ورغبةٍ عاجزةٍ في فهمِ كيفَ لحياةٍ كانتْ تبدو سعيدةً أنْ تتحولَ إلى هذا القدرِ منْ المعاناةِ. كانتْ تعلمُ أنَّ طريقَ الشفاءِ، سواءً لها أوْ لأحمدَ، سيكونُ طويلاً وشاقاً، وأنَّ قراراتِ القلبِ لا تكونُ دائماً سهلةً، خاصةً عندما تكونُ مشوبةً بالذكرياتِ المؤلمةِ والظلالِ القاتمةِ.