عيناك وطني الجزء الثالث
أصداءُ الماضي ووشوشاتُ الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
استيقظتْ ليلى على شعورٍ ثقيلٍ يلفُّ كيانها، وكأنَّ غيمةً رماديةً غطتْ سماءَ روحها. لم تنمْ سوى ساعاتٍ قليلةٍ، وكانتْ تلكَ الساعاتُ مليئةً بالأحلامِ المشوشةِ، حيثُ تتداخلُ وجوهٌ غاضبةٌ، وأصواتٌ متهمةٌ، وصورٌ لحياةٍ تنهارُ. خرجتْ منْ غرفتها، تلتمسُ في ضوءِ الصباحِ الباهتِ بعضَ الراحةِ، ولكنَّ الشمسَ لم تكنْ كافيةً لتبديدِ الظلامِ الذي استقرَّ في أعماقها.
كانتْ والدتها، "أميمةَ"، قدْ استيقظتْ مبكراً كعادتها، وكانتْ تعدُّ الفطورَ بهدوءٍ. لاحظتْ أميمةُ شحوبَ وجهِ ابنتها، وعينيها اللتينِ بدتا غائرتينِ. اقتربتْ منها بحنانٍ، ووضعتْ يدها على جبينها. "صباحُ الخيرِ يا ابنتي. هلْ أنتِ بخيرٍ؟ تبدينَ متعبةً."
"صباحُ النورِ يا أمي"، أجابتْ ليلى بصوتٍ مرهقٍ، محاولةً رسمَ ابتسامةٍ. "مجردُ قلةِ نومٍ."
"لا أظنُّ أنَّ الأمرَ مجردُ قلةِ نومٍ"، قالتْ أميمةُ بنبرةٍ تفهمٍ. "أتحدثُ عنْ ليلى بالأمسِ. سمعتُ قليلاً منْ حديثِكم معَ والدِ أحمدَ. هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ؟"
تنهدتْ ليلى بعمقٍ. الحديثُ معَ والدتها كانَ ضرورياً، فصمتُها لنْ يغيرَ شيئاً. "الأمرُ معقدٌ يا أمي. أحمدُ… لديهِ مشكلةٌ معَ المقامرةِ. لقدْ أضاعَ كلَّ شيءٍ، وكانَ مختفياً بسببِ ديونِهِ. الآنَ يقولُ إنهُ تعافى، ويطلبُ فرصةً."
شعرتْ أميمةُ بصدمةٍ واضحةٍ، ولكنَّها تمالكتْ نفسها بسرعةٍ. كانتْ تعرفُ أنَّ ابنتها لم تكنْ لتفكرَ في العودةِ إلا إذا كانَ هناكَ أملٌ حقيقيٌّ. "مقامرةٌ؟ يا ابنتي، هذا أمرٌ خطيرٌ. الإدمانُ صعبُ المراسِ."
"أعلمُ يا أمي. هذا ما يقلقني. هلْ يمكنُ لشخصٍ أنْ يتغيرَ حقاً؟ هلْ يمكنُ للثقةِ التي انكسرتْ أنْ تُبنى منْ جديدٍ؟"
"هذا يعتمدُ على أحمدَ، وعلى إصرارهِ، وعلى قوةِ إيمانهِ"، قالتْ أميمةُ بحكمةٍ. "ولكنْ يعتمدُ أيضاً عليكِ يا ليلى. على قوةِ قلبكِ، وعلى ما يمكنكِ تحملهُ. تذكري، يا ابنتي، أنَّ اللهَ معَ الصابرينَ. ولكنَّهُ أيضاً لا يُغيِّرُ بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم."
"ولكنْ كيفَ أعرفُ إذا كانَ صادقاً؟ كيفَ أتأكدُ أنَّهُ لنْ يكررَ أخطاءهُ؟" سألتْ ليلى، وقدْ بدأتْ الدموعُ تتجمعُ في عينيها مرةً أخرى.
"هذهِ حكمةٌ يأخذها القلبُ، يا ابنتي. لا يوجدُ ضمانٌ مئةٌ بالمئةٍ في الحياةِ، ولكنْ هناكَ علاماتٌ. راقبي تصرفاتهِ، واستمعي إلى قلبكِ. وإذا قررتِ أنْ تعطيهِ فرصةً، فكوني قويةً، واستعيني باللهِ، وضعيهِ دائماً نصبَ عينيكِ."
جلستْ ليلى معَ والدتها، تتناولانِ الفطورَ في صمتٍ متقطعٍ. كانتْ كلُّ كلمةٍ منْ والدتها تنزلُ على روحها كبلسمٍ، ولكنَّ الشكوكَ كانتْ لا تزالُ تخيمُ عليها.
بعدَ يومينِ، تلقتْ ليلى رسالةً منْ أحمدَ. كانتْ الرسالةُ مكتوبةً بخطٍ مترددٍ، ولكنَّ الكلماتِ كانتْ تحملُ ثقلاً كبيراً. كتبَ فيها عنْ معاناتهِ خلالَ فترةِ العلاجِ، وعنْ وحدتهِ، وعنْ إدراكهِ لحجمِ الألمِ الذي سببهُ. ثمَّ انتهتْ بطلبٍ بسيطٍ: "أرجو أنْ تسمحي لي بلقائكِ. أريدُ أنْ أتحدثَ إليكِ وجهاً لوجهٍ، وأنا على استعدادٍ لتقديمِ أيِّ دليلٍ على ما أصبحتُ عليهِ."
بعدَ تفكيرٍ طويلٍ، وبعدَ استشارةِ والدتها، وافقتْ ليلى. حددا موعداً للقاءٍ في حديقةِ المسجدِ، مكانٌ هادئٌ وآمنٌ، تشعرُ فيهِ بالسكينةِ.
عندما التقتْ بهِ، كانَ أحمدُ مختلفاً. لم يعدْ يتسمُ بتلكَ النظرةِ الضائعةِ. كانَ هناكَ هدوءٌ في عينيهِ، وجديةٌ في تعابيرِ وجههِ. كانَ قدْ فقدَ بعضَ وزنهِ، وبدتْ عليهِ آثارُ التعبِ، ولكنَّه بدا أكثرَ نضجاً.
"شكراً لكِ لأنكِ سمحتِ لي بهذا اللقاءِ يا ليلى"، بدأَ بصوتٍ ثابتٍ. "أعلمُ أنني لا أستحقُّ هذهِ الفرصةَ. ولكنَّني سأبذلُ قصارى جهدي لأريكِ أنَّني لستُ ذلكَ الرجلَ الذي عرفتيهِ، بلْ رجلٌ يسعى لإرضاءِ اللهِ، ولإصلاحِ ما أفسدتُ."
قضيا وقتاً طويلاً يتحدثانِ. شرحَ أحمدُ تفاصيلَ إدمانهِ، وكيفَ سيطرَ عليهِ، وكيفَ استطاعَ التغلبَ عليهِ بمساعدةِ اللهِ ودعمِ عائلتهِ. أظهرَ لها صوراً لأوراقِ علاجهِ، ورسائلَ منْ معالجيهِ، وشهاداتٍ تدلُّ على حضورهِ المنتظمِ في مجموعاتِ الدعمِ.
"لقدْ تعلمتُ معنى التوبةِ الحقيقيةِ، يا ليلى"، قالَ وهوَ ينظرُ إليها بعمقٍ. "تعلمتُ أنَّ الإدمانَ ليسَ مجردَ فعلٍ، بلْ هوَ مرضٌ يصيبُ الروحَ والجسدَ. لقدْ تذوقتُ مرارةَ اليأسِ، وعرفتُ أنَّ النجاةَ لا تكونُ إلا بالاستعانةِ بمنْ خلقَ. وأنا الآنَ، وبفضلِ اللهِ، أقوى."
شاهدتْ ليلى صدقاً في عينيهِ، وشعرتْ بنبرةٍ جديدةٍ منْ العزمِ في صوتهِ. كانَ حديثهُ ينمُّ عنْ فهمٍ عميقٍ لمعاناتهِ، وعنْ إصرارٍ على التغييرِ.
"أعلمُ أنَّ الثقةَ لا تُبنى في يومٍ وليلةٍ"، تابعَ أحمدُ. "وأنا مستعدٌ لأصبرَ، ولأثبتَ لكِ كلَّ يومٍ أنَّني تغيرتُ. أريدُ أنْ أكونَ زوجاً صالحاً، وأباً حنوناً، ورجلاً ترضينَ بهِ. أريدُ أنْ أبدأَ حياةً جديدةً معكِ، حياةً مبنيةً على الإيمانِ، وعلى الاحترامِ المتبادلِ، وعلى الحبِّ الحلالِ."
قبلَ أنْ ينتهيَ اللقاءُ، سألها سؤالاً جعلَ قلبها يخفقُ بقوةٍ. "ليلى، هلْ أنتِ مستعدةٌ لمنحي فرصةً؟ فرصةً لأثبتَ لكِ أنَّ الحبَّ الذي كانَ بيننا ما زالَ موجوداً، وأقوى منْ أيِّ إدمانٍ، وأكثرُ صلاحاً منْ أيِّ ماضٍ."
كانَ السؤالُ يحملُ في طياته الكثيرَ. كانَ يطلبُ منها أنْ تتجاوزَ جراحَ الماضي، وأنْ تخاطرَ بقلبها مرةً أخرى. نظرتْ إلى وجههِ، ثمَّ إلى السماءِ، واستعانتْ باللهِ.
"سأمنحكَ فرصةً يا أحمدُ"، قالتْ أخيراً، وصوتها يحملُ خليطاً منْ الأملِ والقلقِ. "ولكنْ أريدكُ أنْ تعلمَ، أنَّ هذهِ الفرصةَ تتطلبُ جهداً كبيراً منكَ، وتتطلبُ صبراً منِّي. أريدُ أنْ أرى الخطواتِ تتوالى، لا أنْ أسمعَ الكلماتِ فقط."
ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً خفيفةً، شعرتْ ليلى بأنها ابتسامةُ روحٍ وجدتْ بارقةَ أملٍ. "سأبذلُ قصارى جهدي يا ليلى. ثقي باللهِ، وثقي بقلبي."
انتهى اللقاءُ، وغادرتْ ليلى وهيَ تشعرُ بخليطٍ منَ المشاعرِ. كانتْ قدْ اتخذتْ قراراً جريئاً، قراراً يتطلبُ شجاعةً كبيرةً. لم يكنْ الطريقُ سهلاً، ولكنهُ كانَ الطريقَ الوحيدَ الذي شعرتْ فيهِ ببارقةِ أملٍ لإعادةِ بناءِ ما انكسرَ. كانَ عليها أنْ تتذكرَ دائماً أنَّ القوةَ الحقيقيةَ تأتي منْ اللهِ، وأنَّ أيَّ بناءٍ يقومُ على غيرِ أساسِ التقوى والإيمانِ، فهو بناءٌ واهٍ.