عيناك وطني الجزء الثالث
وهج الذكريات وسديم الغياب
بقلم ليلى الأحمد
كانت رائحة البخور العتيقة، تلك التي تغلغلت في ثنايا جدران بيت الجد، تفوح كشبحٍ لأيامٍ خلت. لم تعد تلك الأيام مجرد ذكرياتٍ عابرة، بل صارت كشوكٍ تتسلل إلى قلب لينا كلما غفت عيناها، مستحضرةً وجهه، وجهَ أحمد، الذي بات حلماً بعيد المنال. كان فراقه، بعد ذاك العهد المبرم بين قلبيهما، ثقيلاً كجبلٍ يستقر على صدرها، يمنع عنها كل نفسٍ هانئ.
في غرفته التي ازدانت بعبق ذكرياتها، وقف أخوها الأكبر، خالد، ينظر إلى صورته المعلقة على الجدار، صورته وهو يبتسم بخجل، تلك الابتسامة التي كانت تذيب جليد قلبها. كان خالد، دوماً، حصنها المنيع، وحاميها الأمين، لكن هذه المرة، بدا عاجزاً أمام زلزالٍ هزّ أركان حياتها. لم يعد الأمر مجرد حزنٍ عابر، بل صار إدماناً على الألم، تعلّقاً بظلاله، وتشبثاً بأشباح الوعد.
"لينا، يا أختي،" نادها بصوتٍ فيه بحّةٌ لم تعهدها من قبل. "حتى متى؟ حتى متى تبقين أسيرة هذا الوهم؟"
التفتت لينا نحوه، وعيناها غائرتان، تشعان بلونٍ باهتٍ يحكي قصة ليلٍ طويلٍ بلا نجوم. "وهل للألم نهاية يا خالد؟ هل للذكرى دواء؟"
اقترب منها، وجلس بجانبها على طرف السرير، محاولاً أن يحتضنها بحنانه الأخوي، لكن ثقل الفراق كان أشدّ من أن تحتويه يدٌ بشرية. "الدواء يا لينا هو في المضي قدماً، في البحث عن نورٍ جديدٍ يضيء دروب المستقبل، لا في التشبث بظلال الماضي."
"لكنه لم يذهب بعيداً يا خالد،" همست لينا، وأخذت تتمتم بكلماتٍ متقطعة، كأنها تتحدث مع الهواء. "ما زلت أشعر بأنفاسه، أسمع خطواته على العتبة، أرى بصيص عينيه في كل زاوية. كيف لي أن أنساه؟ كيف لي أن أعيش وأنا قطعةٌ من روحه تركتني؟"
لقد تغلغل حبه في نسيج روحها، فبات ينمو مع كل نبضة قلب، ويتشعب مع كل شهيق. لم يعد الأمر مجرد حبٍّ لفتىً عادي، بل صار كهفاً مظلماً اختبأت فيه، ترفض الخروج منه، تخشى أن تواجه عالمًا خالياً من بريق عينيه. لقد تحول تعلقه بأحمد إلى نوعٍ من الإدمان، إدمانٌ روحيٌّ، يحرمها النوم، ويسرق منها الأكل، ويحيل أيامها ولياليها إلى سوادٍ مطبق.
تنهد خالد بحسرة. لقد حاول بشتى الطرق أن يلفت انتباهها إلى واقعها، لكنها كانت ترفض الانصياغ، تعيش في عالمٍ نسجته من خيوط الأماني والأحلام. "لينا، يا حبيبتي، تذكري ما وعدتِ به نفسك، ما وعدتِ به والدتك قبل رحيلها. لقد أرادت لكِ السعادة، أرادت لكِ حياةً كريمةً ومليئةً بالفرح. هل تعتقدين أن أحمد، لو كان هنا، سيحب أن يراكِ بهذه الحال؟"
تصلّبت لينا عند ذكر والدتها. كانت كلماتها الأخيرة، كلمات الأم الحنون، تدوي في أعماقها كصدىً أبدي. "أريدكِ أن تكوني قوية يا ابنتي، أن تبني حياتكِ بنفسك، وأن تجدي السعادة في رضى الله، وفي حبٍّ حلالٍ يجمع بين قلبين على طاعته."
"ولكني لا أستطيع،" قالت لينا بصوتٍ يكاد يكون همساً. "كلما حاولت، شعرت وكأن الأرض تميد بي، وكأنني أفقد الأرض التي أقف عليها. أحمد هو أرضي، هو سمائي، هو كل ما في حياتي."
كان إصرارها هذا هو ما يثير قلق خالد. لم يكن يخشى عليها من الحزن فقط، بل كان يخشى عليها من نفسها، من ضعفها الذي يتزايد، ومن هذا التعلق الذي يحدّ من حريتها ويسلبها قدرتها على الاختيار. لقد وصل الأمر إلى حدٍّ جعلها ترفض حتى الخروج من المنزل، ترفض رؤية أيٍّ من الأهل والأصدقاء، وتكتفي بتمضية أيامها بين غرفتها المظلمة، تتصفح صور أحمد، وتقرأ رسائله القديمة، كأنها تبحث عن دليلٍ على أنه ما زال على قيد الحياة، ما زال ينبض في عالمها.
"ولكن يا لينا،" استأنف خالد، محاولاً أن يجد نقطة ضعف في حصنها المتين. "هل فكرتِ في مستقبلِك؟ هل فكرتِ في ما سيحدث إذا لم تقومي بمسؤولياتك؟ والدتك تركت لكِ إرثاً، تركت لكِ مسؤولياتٍ يجب أن تتحمليها. كيف ستديرين كل هذا وأنتِ غارقةٌ في هذا الحزن؟"
تأرجحت لينا في جلستها. كان ذكر الإرث والمسؤوليات يؤلمها، فهو يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بذكرى والدتها، وبتلك الوعود التي قطعتها لها. لكن حتى هذه الأمور، التي كانت يوماً ما محور اهتمامها، بدت الآن باهتةً أمام بريق الذكريات. "سأتدبر أمري،" قالت بصوتٍ ضعيف، كأنها تقنع نفسها قبل أن تقنع أخاها.
"أتدرين يا لينا،" قال خالد، وقد عقد العزم على شيءٍ ما. "هناك فرصةٌ جديدةٌ قد تأتي إلى حياتك. فرصةٌ لا تعرفين عنها شيئاً بعد، فرصةٌ قد تحمل لكِ بصيص الأمل الذي تبحثين عنه."
رفعت لينا رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين فيها مسحةٌ من الفضول، لكنها سرعان ما خفتت، عادت أدراجها إلى وهج الذكريات. "لا أبحث عن أي شيء، يا خالد. أريد فقط أن أبقى هنا، في عالمي، مع ذكراه."
"لكن العالم ليس كذلك يا لينا،" قال خالد، وقد استقرّ في قلبه قرارٌ، قرارٌ قد يكون قاسياً في بدايته، لكنه سيجلب لها الخلاص في نهايته. "العالم يتحرك، والأيام تمضي، والحياة تستمر. وإذا لم تتحركي معها، فستصبحين كصخرةٍ صامتةٍ في نهرٍ جارٍ، ستُجرفين مع تيار الحياة دون أن تشعري، أو ستبقين ثابتةً إلى أن تتحطمِ على صخور الحقيقة."
ارتعش جسد لينا من كلماته، لكنها لم تجب. غاصت مرةً أخرى في بحر ذكرياتها، حيث أحمد يبتسم، وحيث الوعود تبدو ما زالت طازجةً، وحيث لا وجود لخوفٍ أو قلق. كانت تعلم أن ما يفعله أخوها بدافع الحب، لكنها لم تستطع أن تتخلى عن هذا الإدمان الذي أصبح جزءاً منها، هذا التعلق الذي بات هو حياتها، وكل ما تبقى لها من ماضٍ جميل. كان وهج ذكرياته هو شمسها الوحيدة، وغياب أثره هو سديمٌ يحجب عنها نور المستقبل.
لكن خالد، بوجهه الصارم وعينيه الحنونتين، كان قد وضع نصب عينيه هدفاً واحداً: أن يعيد لينا إلى الحياة، إلى عالمٍ لا يقتصر على ظلّ رجلٍ راحل. لم يكن يعرف بعد ما هي القوة التي ستستطيع أن تجذبها من هذا القبر الروحي الذي بنته لنفسها، لكنه كان يؤمن بأن هناك دائماً باباً خفياً، سراً دفينًا، ينتظر اللحظة المناسبة لينفتح، ويعيد النور إلى عينين غابت عنهما.
في تلك الليلة، لم تنم لينا. ظلت تستحضر تفاصيل وجه أحمد، ملمس يديه، نبرة صوته. تذوقت مرارة الفقد، وحلاوة الوعد، ودارت في حلقةٍ مفرغةٍ من الشوق والحنين، غير مدركةٍ أن هذه الحلقة بدأت تتآكل من أطرافها، وأن رياح التغيير بدأت تهبّ، حاملةً معها همساتٍ لم تفهم معناها بعد. إنها تفقد السيطرة، تائهةٌ في متاهةٍ لم تخلقها وحدها، بل صنعتها الأقدار، ونفخت فيها روح الأمل الخادع.
ولكن، هل سيستمر هذا العذاب؟ هل ستبقى لينا حبيسةً لشبحٍ من الماضي؟ أم أن هناك بصيص نورٍ ينتظرها، نورٌ قد يعيدها إلى الحياة، ويضيء لها دروباً لم تخطر لها ببال؟ سؤالٌ بقي معلقاً في الهواء، ينتظر إجابةً تخفيها الأيام القادمة.