عيناك وطني الجزء الثالث

بوادر التغيير وأشواك العقبات

بقلم ليلى الأحمد

بدأت خيوط الشمس تنسلّ من ثنايا الستائر المخملية، تلقي بظلالٍ ذهبيةٍ راقصةٍ على أرضية الغرفة. لم يعد صباح لينا كباقي الأيام. كان هناك شيءٌ ما مختلف، همسٌ خفيٌّ في جوّ المكان، كأنّ الهواء نفسه يتنفسُ بارتياحٍ بعد ليلةٍ طويلةٍ من الاضطراب. لم تكن قد غفت طويلاً، لكنّ الصحوة هذه المرة لم تأتِ بعبء الذكريات الثقيل، بل بفضولٍ خفيفٍ، كأنّ عقرب الوقت بدأ يدور ببطءٍ نحو وجهةٍ جديدة.

في المطبخ، كانت عمتها، السيدة فاطمة، تعدّ فطوراً شهياً. كانت تعلو وجهها ابتسامةٌ رضا، تشبه ابتسامة الأم التي ترى فلذة كبدها تستيقظ من غفوةٍ عميقة. كانت السيدة فاطمة، بقلبها الكبير، رأت في لينا ابنتها، وملأت فراغ والدتها بقدرٍ من الحنان والرعاية.

"صباح الخير يا ابنتي،" قالت بصوتٍ دافئٍ وهي تضع طبق الفاكهة الطازجة أمامها. "رأيتكِ مستيقظةً مبكراً اليوم. هل أنتِ بخير؟"

نظرت لينا إلى عمتها، وابتسمت ابتسامةً باهتةً لكنها حقيقية. "صباح النور يا خالتي. نعم، أشعر بتحسنٍ طفيف."

"الحمد لله،" قالت السيدة فاطمة، وعادت لتصبّ لها كوباً من الشاي الأخضر. "الحياة تستمر يا عزيزتي، والأيام تحمل معها كلّ خيرٍ إذا استقبلناها بقلبٍ مفتوح. تذكري ما قالته لكِ والدتكِ. كانت مؤمنةً بكِ، مؤمنةً بقوتكِ."

كان ذكر والدتها يثير فيها مزيجاً من الحزن والتقدير. كانت كلماتها الأخيرة، كلماتها الصادقة، بدأت تعود إليها، ليس كعبءٍ، بل كنورٍ يرشدها. "أعلم يا خالتي. أحاول. لكن الأمر ليس سهلاً."

"لا أحد قال أن الأمر سهل،" قالت السيدة فاطمة، وجلست مقابلها. "لكنّ السهل ليس دائماً هو الأفضل. في بعض الأحيان، تكون الصعاب هي التي تصقلنا، وتجعلنا أقوى. تذكرين عندما كنتِ صغيرةً، وكيف كنتِ تخافين من تعلم ركوب الدراجة؟ كنتِ تسقطين وتبكين، لكنكِ لم تستسلمي. ثمّ أصبحتِ تركبينها كالفراشة."

ابتسمت لينا، وبدأت ترتسم على وجهها ملامحٌ أكثر حيوية. كانت كلماتها، كلام عمتها، كبلسمٍ يداوي جروحاً قديمة. "نعم، أتذكر. كنتُ أخاف كثيراً."

"والآن،" قالت السيدة فاطمة، ووضعت يدها على يدها. "أمِامكِ دراجةٌ جديدةٌ تحتاجين لتعلم قيادتها. دراجةُ الحياة. لا تخافي من السقوط، فالسقوط بدايةُ النهوض. والأهم، أنكِ لستِ وحدكِ. لديكِ عائلةٌ تحبكِ، وأخٌ يساندكِ."

كانت هذه المحادثة هي الشرارة الأولى. شرارةٌ بدأت بإشعال نارٍ خافتةٍ في قلب لينا، نارٌ بدأت تطرد الظلام، وتلوّن مساحةً صغيرةً من روحها بالأمل.

في هذه الأثناء، كان خالد، بعدما رأى هذه البوادر الطيبة، قد اتخذ قراراً حاسماً. كان قد تحدث مع بعض الأقارب، ووصله خبرٌ عن شابٍّ زميلٍ له في العمل، شابٌّ معروفٌ بأخلاقه ودينه، وسمعته الطيبة. اسمه "عمر". كان عمر قد مرّ بتجربةٍ صعبةٍ في حياته، فقد خطيبته في حادثٍ مؤلم، وكان يعيش حالةً من الحزن والعزلة.

"يا عمر،" قال خالد له في لقاءٍ جمعهما. "أعلم أنك تمرّ بوقتٍ عصيب. لكن الحياة لا تتوقف، ولابدّ لنا من البحث عن السعادة، عن الرفقة الصالحة التي تعيننا على مواجهة دروب الحياة."

نظر عمر إلى خالد بامتنانٍ، فقد كان خالد من الأشخاص القلائل الذين شعر معهم بالراحة. "أنا معك يا خالد. لكن قلبي ما زال مثقلاً."

"وهل تظنّ أن الحزن وحده سيعينك؟" قال خالد، وهو ينظر في عينيه. "أعرف فتاةً، لينا. ابنة عمي. مرت بما مررت به. فقدت شخصاً عزيزاً على قلبها، وما زالت تعيش في غياهب الماضي. أعتقد أنكما قد تجدان في بعضكما البعض ما يعينكما على تجاوز هذه المحنة."

تردّد عمر قليلاً. فكرة الارتباط مرةً أخرى كانت ثقيلةً على روحه. لكن كلام خالد، وكلامه عن لينا، أثارت فيه شعوراً بالتعاطف. ربما تكون هذه فرصةٌ لهما، فرصةٌ للخروج من وحدتهما، وإعادة بناء حياتيهما. "أنا لا أعرف إن كنتُ مستعداً."

"لا تكن مستعجلاً،" قال خالد. "فقط فكر في الأمر. يمكننا أن نرتب لقاءً بسيطاً، لقاءً تعريفياً، بدون أيّ ضغوط. ما رأيك؟"

وافق عمر بتردد. لم يكن يتوقع أن يأتي يومٌ يتحدث فيه عن الارتباط مرةً أخرى.

في بيت الجد، بدأت لينا تشعر بتحسنٍ ملحوظ. بدأت تعود إلى روتين حياتها، بدأت تساعد عمتها في شؤون المنزل، بل وبدأت تقضي بعض الوقت في حديقة المنزل، تستنشق عبير الزهور، وتستمع إلى زقزقة العصافير. كانت لا تزال تتذكر أحمد، لكنّ ذكراه لم تعد كسيفٍ يخترق قلبها، بل كقصةٍ مؤثرةٍ، كدرسٍ تعلمته، كفصلٍ انتهى في كتاب حياتها.

لكنّ هذه التغييرات لم تخلُ من أشواك. كانت جدتها، الحاجة زينب، تراقبها بعينٍ فاحصة. كانت الحاجة زينب، امرأةٌ حكيمةٌ وصارمة، تعتقد أن لينا تبالغ في حزنها، وأنها بحاجةٍ إلى من "يقوّم اعوجاجها".

"يا لينا،" قالت لها في إحدى الأمسيات، وهي تجلس بجانبها على الأريكة. "لقد مرّ وقتٌ كافٍ. والحياة لا تنتظر أحداً. ما هذه الحياة التي تعيشينها؟ هل هذه هي لينا التي عرفتها؟"

شعرت لينا ببعض الضيق. لم تكن مستعدةً بعد لتحدياتٍ جديدة. "جدتي، أنا فقط أحتاج بعض الوقت."

"الوقت يمضي يا ابنتي،" قالت الحاجة زينب بصرامةٍ متزايدة. "والفرص لا تتكرر. لقد رأيتُ فيكِ بريقاً، بريقَ فتاةٍ قويةٍ ذكية. ولكنّ الحزن قد خبا هذا البريق. أخشى أن تتحول قصتكِ إلى قصةٍ مأساويةٍ، إلى عبرةٍ لمن يعتبر."

ثمّ نظرت إليها بعمقٍ، وكأنها ترى ما لا تراه لينا. "لقد سمعتُ أن خالد يتحدث عن شابٍّ اسمه عمر. شابٌّ طيبٌ، ويحمل في قلبه جرحاً كجرحكِ. ربما يكون هذا هو الحلّ. ربما يكون لقاءكما بدايةً لطريقٍ جديد."

تفاجأت لينا. لم تكن تعرف شيئاً عن هذا الأمر. "عمر؟ من هو؟"

"إنه شابٌّ من معارف خالد،" قالت الحاجة زينب. "طيبٌ، وخلوقٌ، وله مكانته. فكّري بالأمر يا لينا. لا ترفضي ما قد يكون خيراً لكِ."

شعر قلب لينا بخفقانٍ غريب. فكرة الارتباط مرةً أخرى كانت بعيدةً جداً عن ذهنها. لكنّ كلمتي "عمر" و"خالد" بدتا كإشارةٍ من القدر. هل يمكن أن يكون هذا هو الطريق الذي تكلم عنه أخوها؟ هل يمكن أن يكون هذا هو الحلّ للخروج من سجن ذكرياتها؟

كانت العقبات بدأت تتسلل إلى حياتها، ولكنّ بوادر التغيير كانت أيضاً ظاهرة. هل ستتمكن من تخطي هذه الأشواك؟ هل ستستطيع أن تعيد بناء حياتها، وأن تفتح قلبها لأملٍ جديد، أم ستغرق مرةً أخرى في وهج الذكريات؟ كانت الإجابة معلّقةً في الهواء، تنتظر أن تتكشف مع الأيام القادمة، ومع اللقاء الذي قد يغير مجرى حياتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%