عيناك وطني الجزء الثالث

لقاءٌ على عتبة الأمل

بقلم ليلى الأحمد

في مقهى هادئٍ ذي طابعٍ شرقيٍّ أصيل، حيث تتراقص ألوان النحاس المصقول تحت ضوء الفوانيس الخافت، وحيث تفوح رائحة الهيل والقهوة العربية، جلس خالد و"عمر". كان عمر شاباً في منتصف العشرينات، نحيلاً، ذو عينين حزينتين لكنهما تحملان بريقاً من الذكاء والوداعة. كانت ملامحه تحمل أثر تجربةٍ قاسية، لكنّ ابتسامته الخجولة كانت قادرةً على تبديد جزءٍ من تلك العتمة.

"شكراً لك يا خالد على هذه الدعوة،" قال عمر بصوتٍ هادئٍ فيه بحّةٌ تعبر عن عمق مشاعره. "لم أكن أتوقع أن أعود لهذه الأجواء بهذه السرعة."

"لا شكر على واجب يا عمر،" أجاب خالد، وهو يبتسم له. "الحياة تحتاج إلى هذه اللحظات. وهي فرصةٌ لنتعرف على بعضنا البعض بشكلٍ أفضل. هل أنت مستعدٌ للقاء؟"

نظر عمر إلى فنجان القهوة أمامه، ثمّ رفع بصره نحو خالد. "إذا كنتَ تعتقد أن هذا سيجلب لي شيئاً من الراحة، فأنا مستعد. لكن بصراحة، عقلي وقلبي ما زالا في مكانهما."

"وأنا أفهم ذلك جيداً،" قال خالد، وقد شعر بصدق عمر. "لينا، أختي، مرت بتجربةٍ مماثلة. فقدت من تحب، وما زالت تعيش في غياهب الماضي. ربما قد تجدان في بعضكما البعض صدىً لجراحهما، وشعاعاً ينير لهما دروب العودة."

قصّ خالد على عمر نبذةً عن لينا، عن طيبتها، عن ذكائها، وعن حبها العميق الذي جعلها تفقد بوصلتها بعد الفراق. لم يخفِ عنها شيئاً، ولم يبالغ في وصفها. كان يريد أن يرى عمر لينا كما هي، بفرحها وحزنها، بقوتها وضعفها.

"تبدو فتاةً رائعة،" قال عمر بعدما استمع لقصة لينا. "أتمنى أن أكون قادراً على أن أكون سبباً في عودتها إلى الحياة، وإلى نفسها. فمن حق كل شخصٍ أن يعيش بسعادة."

"وأنا أثق في نقاء سريرتك يا عمر،" قال خالد. "لقد رأيتُ فيك ما يجعلني مطمئناً. فلتكن البداية لقاءً بسيطاً، بلا ضغوط، وبدون أيّ توقعاتٍ كبيرة. الهدف هو أن نتعرف على بعضنا البعض، وأن نرى إن كانت هناك أيّ فرصةٍ للتآلف."

بعد صلاة العصر، وفي إحدى ساحات المسجد العتيقة، حيث تتناثر أوراق الأشجار الخريفية على البلاط القديم، كان اللقاء. كانت لينا، برفقة عمتها السيدة فاطمة، تنتظر. قلبها يخفق بترددٍ، ممزوجٍ بفضولٍ خفيف. لم تكن تعرف ماذا تتوقع. كانت قد وافقت على هذا اللقاء رضوخاً لرغبة خالد ووالدتها، ورغبةً خفيةً في أن ترى ما إذا كان هناك أملٌ حقيقيٌّ في استعادة حياتها.

ظهر خالد وعمر، وسرعان ما عرف عمر لينا من وصف خالد. كان عمر يرتدي ثوباً بسيطاً، ذو ملامح طيبة، وعينين تحملان هدوءاً ملفتاً.

"السلام عليكم،" قال عمر بابتسامةٍ خجولة.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،" أجاب خالد. ثمّ عرّف بينهما. "لينا، هذا عمر، زميلي. وعمر، هذه لينا، أختي."

بادلته لينا السلام، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على وجهها. كان عمر لا يشبه الصورة التي تخيلتها في ذهنها. لم يكن رجلاً قوياً أو متكبراً، بل كان يحمل في عينيه شيئاً من الشجن، وشيئاً من الأمل.

بدأت المحادثة بشكلٍ متردد. تحدثوا عن الطقس، وعن المسجد، وعن بعض الأمور العامة. كانت لينا تراقب عمر، تحاول أن تقرأ في عينيه شيئاً. ورأت فيه طيبةً صادقة، ورأت فيه شعوراً بالوحدة، بنفس شعورها.

"سمعتُ أنكِ تحبين قراءة الكتب،" قال عمر فجأة، وقد استجمع شجاعته. "هل هناك نوعٌ معينٌ تفضلينه؟"

ابتسمت لينا، واستشعرت أن هذه فرصةٌ لكسر الحاجز. "أحب الروايات التاريخية، وخاصةً تلك التي تتحدث عن الحضارات الإسلامية القديمة. وأنت؟"

"أنا أيضاً،" أجاب عمر بحماسٍ مفاجئ. "كانت هذه هوايتي المفضلة قبل أن..." توقف عن الكلام، وشعر بأنّ جرحه القديم قد بدأ يفتحه.

"أتفهم،" قالت لينا بهدوءٍ، فقد شعرت بما يشعر به. "الفقد أمرٌ مؤلمٌ جداً. لكنّ المعرفة، وخاصةً المعرفة بتاريخنا العظيم، تمنحنا القوة والإلهام."

تحدثا عن الكتب، وعن التاريخ، وعن الأماكن الجميلة التي زاراها. اكتشفت لينا أن عمر لديه ثقافةٌ واسعة، وأنه يمتلك رؤيةً عميقةً للحياة. كان صوته الهادئ، وطريقة تفكيره، يمنحانها شعوراً بالأمان.

السيدة فاطمة، التي كانت تراقب المحادثة عن كثب، شعرت بارتياحٍ كبير. رأت في عيني لينا بوادر اهتمامٍ، ورأت في عمر صدقاً واحتراماً.

"لقد سمعتُ أنكِ تهوين الرسم أيضاً، يا لينا،" قال عمر، وقد تذكر شيئاً من حديث خالد.

"نعم،" أجابت لينا بخجل. "لكنني لم أرسم منذ فترةٍ طويلة."

"لماذا؟" سأل عمر ببراءة. "الفنّ هو منفذٌ للروح. لا ينبغي لنا أن نغلقه."

"ربما،" قالت لينا، وهي تفكر في كلماته. "ربما أحتاج إلى دفعةٍ قويةٍ لأعود إليه."

"لا تترددي في أن تطلبي المساعدة،" قال عمر بابتسامةٍ دافئة. "فالأعمال الجميلة غالباً ما تحتاج إلى من يشاركنا رؤيتها، ويدعمنا في إبداعها."

في نهاية اللقاء، تبادلا أرقام الهواتف، ووعد عمر بأن يتصل بها مرةً أخرى، ليتحدثا عن الكتب، وعن التاريخ، وعن أيّ شيءٍ قد يخطر ببالهما.

عادت لينا إلى المنزل، وقلبها يخفق بسرعة. كان اللقاء قد ترك أثراً فيها. لم تشعر بالسعادة الغامرة، ولم تشعر بأنّ كلّ مشاكلها قد حُلّت. لكنها شعرت بشيءٍ آخر، شعورٌ بالارتياح، وشعورٌ بأنّ هناك احتمالاً.

"ما رأيكِ يا لينا؟" سألت السيدة فاطمة وهي تنظر إليها بابتسامةٍ.

"إنه شخصٌ طيبٌ يا خالتي،" قالت لينا بهدوء. "ولدينا الكثير لنتحدث عنه."

"الحمد لله،" قالت السيدة فاطمة، ثمّ قبلتها. "هذه بدايةٌ جيدة. تذكري، يا ابنتي، أن الحياة فرصٌ، ولا ينبغي لنا أن نغلق أبواب قلوبنا أمامها."

كان عمر، في طريقه عائداً إلى منزله، يفكر في لينا. رأى في عينيها حزناً عميقاً، ولكنه رأى أيضاً قوةً كامنة، وذكاءً لامعاً. شعر بأنّ هذه الفتاة قد تكون ملاذاً لروحه، وأنّ جرحهما المشترك قد يجمعهما، ويساعد كلّ منهما على الشفاء.

لقد كان اللقاء على عتبة الأمل. بابٌ قد انفتح قليلاً، وكشف عن نورٍ خافتٍ، ينتظر أن يكبر. هل سيتمكن عمر ولينا من استغلال هذه الفرصة؟ هل سينجحان في العثور على السعادة في ظلّ ماضيهما المؤلم؟ كانت الأسئلة معلقةً، تنتظر الإجابة في فصولٍ قادمة، حيث تتشابك الدروب، وتتلاقى الأقدار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%