لقاء الأرواح الجزء الثاني

الشفق على ضفاف النيل

بقلم فاطمة النجار

كانت السماء تتوشح بآخر خيوط الذهب والبنفسج، فيما استرخى قرص الشمس الغارب خلف الأفق، تاركًا وراءه لوحة سماوية تتجلى فيها روعة الخلق. على ضفاف النيل المهيب، حيث تتراقص الأمواج الهادئة على وقع نسمات المساء العليلة، وقفت "ليلى" تتأمل هذا الجمال، وفي قلبها صدى لأحداثٍ قديمة، وحلمٍ بات غبارًا. كانت قد مرت سنواتٌ ثلاثٌ على ذلك اللقاء الذي غيّر مجرى حياتها، على ذلك الوجه الذي نقشته ذاكرتها كنقشٍ على حجر، وعلى تلك الكلمات التي لم تُقال، ولكنها صرخت بصمتٍ عميق.

كانت "ليلى" قد بلغت الآن الخامسة والعشرين، عيناها الواسعتان اللتان تحملان بريق الذكاء والحكمة، رغم ما شابتهما أحيانًا من حزنٍ مكتوم، تزين وجهًا أسمر كحبة التمر، ترتسم عليه ملامحٌ عربية أصيلة، تجعلها محط الأنظار أينما حلت. ترتدي الآن ثوبًا فضفاضًا بلون السماء في الغروب، مزينًا بتطريزاتٍ بسيطة، تعكس ذوقها الرفيع وحشمتها. كانت في هذا المكان، على هذا الكورنيش الهادئ، تفضل أن تبدأ يومها وتنتهي، فهو ملاذها، ومسرح أحلامها التي لم تمت، بل تتربص في زوايا الروح.

ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيها وهي تستعيد تلك الذكرى. كان لقاءً عابرًا، أشبه بزهرةٍ فتنتها رائحتها، ثم اختفت كالسراب. التقته في معرضٍ فنيٍّ بالقاهرة، حيث كانت تعرض بعض أعمالها. كان شابًا يتمتع بهيبةٍ وقار، نحيل البنية، قوي الملامح، بعينين سوداوين لامعتين تحملان دفئًا ورزانةً. كان يقف أمام إحدى لوحاتها، يتأملها بتعمق، وبدا وكأنه يرى ما وراء الألوان والفرشاة، يرى الروح الكامنة.

"لوحاتك تحمل أبعادًا أخرى، لا تراها العين المجردة فقط"، قالها بصوتٍ هادئٍ عميق، أحدث في قلبها رعشةً غريبة.

التفتت إليه متعجبةً، ولم تستطع سوى أن تحدق في عينيه. "وهل تدرك ما تراه؟" سألت بصوتٍ بالكاد مسموع.

ابتسم ابتسامةً لطيفة، كشفت عن لمعةٍ في عينيه. "أرى ما تخبئه الروح، أرى الأحلام التي تتشبث بالحياة، وأرى الشفق الذي يلوح في الأفق، حاملاً معه وعدًا بغدٍ جديد."

كلماته تلك، الغامضة والنبيلة في آنٍ واحد، أثارت فضولها، وزرعت في نفسها شعورًا غريبًا بالتعلق. تبادلا الحديث لساعاتٍ بعدها، عن الفن، عن الحياة، عن معاني الوجود، وعن طموحاتٍ بدت في تلك اللحظة متحققةً. كان اسمه "خالد"، مهندسٌ مرموقٌ، له باعٌ طويلٌ في إعمار الأرض، وشغفٌ بفهم أسرارها.

ولكن، كما بدأت القصة، انتهت المفاجأة. لم يطلب رقمها، ولم يعرض عليها لقاءً آخر. اكتفى بنظرةٍ عميقة، وكلمةٍ أخيرةٍ غامضة: "الأرواح تلتقي حينما يكون لها أن تلتقي، فلا تقلقي حينما يتفرق الأجساد." ثم اختفى بين الزحام، تاركًا إياها مع فراغٍ كبير، وبصمةٍ لا تُمحى.

مرت الأيام، وتحولت إلى شهور، ثم إلى سنوات. حاولت "ليلى" نسيان الأمر، ولكن صورة "خالد" ظلت محفورةً في ذاكرتها. كرست وقتها لفنها، ولمجال عملها في تصميم المنازل، وباتت ناجحةً بكل المقاييس. كانت تعيش حياةً كريمةً، محاطةً بعائلتها المحبة، ووالديها اللذين كانا يمثلان لها السند والأمان. لكن، رغم كل النجاحات، كان هناك فراغٌ روحيٌّ، وأمنيةٌ دفينةٌ للقاءٍ آخر، للقاءٍ يحمل معنىً أعمق، للقاءٍ تمنحه الأقدار.

كانت "ليلى" تعلم جيدًا أن الرزق قسمان: رزقٌ في الدنيا، ورزقٌ في الآخرة. وهي تسعى دائمًا لجمع حظها الوافر من كليهما. في حياتها، كانت تتبع منهجًا واضحًا: التمسك بدينها، واحترام تقاليدها، والسعي نحو الكمال في كل ما تقوم به. أما في جانب الحب، فقد آمنت بأن الحب الحلال، القائم على المودة والرحمة والاتفاق، هو الحب الذي يدوم ويُبارك. وكانت قد رفضت العديد من عروض الزواج، ليس لأنها لا ترى في أصحابها الخير، بل لأنها كانت تنتظر ذلك الشعور، ذلك الارتباط الروحي الذي شعرت به مع "خالد"، وإن كان لقاءً خاطفًا.

تنهدت "ليلى" بعمق، وهمست لنفسها: "يا رب، إن كان لي فيه خيرٌ، ف اجمعنا، وإن كان فيه شرٌّ، فاصرف عني شره، وارزقني خيرًا منه."

كانت قد أصبحت مديرةً لمكتب تصميمٍ هندسيٍّ مرموقٍ، يعنى بتصميم وتخطيط المشاريع السكنية والفندقية. وكانت تتمتع بشخصيةٍ قيادية، ودقةٍ متناهيةٍ في التفاصيل، ورؤيةٍ فنيةٍ فريدة. في الآونة الأخيرة، كان مكتبها يعمل على مشروعٍ ضخمٍ بالتعاون مع إحدى الشركات الاستثمارية الكبرى، مشروعٌ يهدف إلى إنشاء مجمعٍ سكنيٍّ متكاملٍ على أطراف القاهرة، مستلهمٍ من الطراز المعماري الإسلامي الأصيل.

وفي أحد الأيام، تلقت اتصالًا مفاجئًا من رجلٍ عرفته بصوتٍ عميقٍ ورزين. "معك المهندس خالد عبد الرحمن، رئيس مجلس إدارة شركة 'الإعمار الذهبي'."

تجمدت "ليلى" في مكانها، وكأن الزمن توقف. صوتٌ أعادها ثلاث سنواتٍ إلى الوراء، إلى ذلك المعرض، إلى تلك الكلمات، إلى ذلك اللقاء الذي لم تستطع نسيانه.

"مساء الخير، أستاذة ليلى"، قال بصوتٍ يحمل نفس الدفء والرصانة. "أعلم أن الاسم قد يبدو مألوفًا، ولكني أتمنى أن تتذكريني."

لم تستطع "ليلى" أن تقول شيئًا. شعرت بأن قلبها يخفق بعنف، وأن جسدها يرتعش.

"لا بأس إن لم تتذكري"، تابع خالد، وكأنه قرأ ما في نفسها. "لقد التقينا ذات مرة، في معرضٍ فنيٍّ منذ زمنٍ قريب."

"أتذكر"، قالت "ليلى" أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ متردد. "أتذكر جيدًا."

"ممتاز"، قال خالد، وشعرت "ليلى" بابتسامةٍ ارتسمت على شفتيه من خلال نبرة صوته. "سبب اتصالي بكِ اليوم هو مشروعكم الجديد. لقد اطلعت على بعض التصاميم الأولية، وأعجبتني جدًا. أرغب في أن أزور مكتبكم غدًا، للاطلاع على تفاصيل أكثر، واقتراح بعض التعاونات المحتملة."

شكرته "ليلى" على لطفه، وأخبرته بأنها ستكون على أتم الاستعداد لاستقباله. فور إنهاء المكالمة، جلست "ليلى" على كرسيها، تحاول استيعاب ما حدث. خالد. خالد الذي ترك بصمةً لا تُمحى، عاد ليظهر في حياتها من جديد، في سياقٍ مهنيٍّ، بعد كل هذه السنوات. هل كان هذا مجرد مصادفة؟ أم أن الأقدار بدأت تنسج خيوط لقاءٍ جديد؟ شعرت بخلطةٍ من المشاعر تتصارع في صدرها: الترقب، والفضول، والقليل من القلق. أغمضت عينيها، وتمنت أن يكون هذا اللقاء، هو اللقاء الذي ينتظره قلبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%