لقاء الأرواح الجزء الثاني

وشوشات الماضي وهمسات الحاضر

بقلم فاطمة النجار

كانت أصواتُ صانعي البهجة تتردد في أرجاء منزل السيدة فاطمة، حيث تمّ التحضير للاحتفال بخطوبة ليلى وفارس. الأضواء الكاشفة تبرق، والأقمشة الملونة تزين الجدران، ورائحة الحلويات العربية الأصيلة تفوح في الأرجاء. كانت ليلى، في ثوبها الأبيض الأنيق، تشعّ بجمالٍ هادئ، وابتسامةٍ واسعةٍ ترتسم على وجهها. كانت تشعر بأنها تعيش حلماً، حلماً نسجته الأيام والليالي، حلماً شاركها فيه فارس.

يجلس فارس بجوارها، ينظر إليها بعينين تفيضان حباً وإعجاباً. لقد تجاوزت علاقتها به مرحلة الصداقة، وتخطت حدود الإعجاب، لتصل إلى عمقٍ أسمته "الرفقة التي ترضي الله". تذكر فارس كيف بدأت هذه العلاقة، كيف كانت مجرد لقاءاتٍ عابرة، ثم تطورت إلى أحاديثَ عميقة، ثم إلى مشاعرَ جياشة. لم يكن يخشى هذه المشاعر، بل كان يحتضنها، متوكلاً على الله، ومؤمناً بأن ما يجمع قلبيهما هو رزقٌ حلالٌ مبارك.

في زاويةٍ أخرى من القاعة، جلست السيدة فاطمة بجوار السيدة عائشة، والدة فارس. كانت تجاعيد القلق قد خفتت من على وجهيهما، وحلّ محلها ابتساماتٌ راضية. لقد اطمأنّ قلب كل منهما على مستقبل أبنائهما. كانت السيدة فاطمة ترى في فارس الشاب الذي سيحمي ابنتها ويسعدها، والسيدة عائشة ترى في ليلى الفتاة التي ستملأ حياة ابنها بالفرح والحب.

"أحمد الله أن الأمور سارت على ما يرام يا عائشة." قالت السيدة فاطمة. "والله يا فاطمة، لم أتخيل أن يكون الأمر بهذه السرعة واليسر. لكن قلب ابني فارس كان متعلقاً بليلى، وقلب ليلى مفتونٌ به. وهذا ما يهم." "الحمد لله. الأهم هو أن نراهما سعيدين، وأن يبنيان حياةً قويةً مبنيةً على الحب والاحترام."

وسط هذه الأجواء السعيدة، كان هناك شعورٌ غامضٌ يساور ليلى. لم يكن قلقاً، بل كان نوعاً من الترقب، ترقبٌ لما قد يحمله المستقبل. لقد تحدثت مع فارس عن مشاكله المالية، ووعدها بأنها ستحلّ. لكنها لم تستطع أن تتجاهل حقيقة أن عالمه لم يكن خالياً من التحديات.

وفجأة، دخل رجلٌ إلى القاعة، يرتدي ثياباً أنيقة، ويبدو عليه الارتباك. كان ذلك الرجل هو "سالم"، زميل فارس القديم في العمل. سالم، الذي كان لديه تاريخٌ معقدٌ مع فارس، تاريخٌ من الغيرة والمنافسة. لم تكن ليلى تعرف سالم، ولكنها رأت نظرات فارس تتجه نحوه، نظراتٌ فيها شيءٌ من الحذر.

"أهلاً بك يا فارس. سعيدٌ برؤيتك." قال سالم بصوتٍ حاول أن يجعله ودوداً، لكنه كان يحمل نبرةً خفيّة من السخرية. "أهلاً بك يا سالم. لم أتوقع رؤيتك هنا." ردّ فارس بهدوء. "علمتُ بخطوبتك، وأردتُ أن أهنئك بنفسي. كما علمتُ أنك تمرّ ببعض الضائقة المالية. ربما أستطيع أن أقدم لك بعض المساعدة، كصديقٍ قديم."

شعرت ليلى ببرودةٍ مفاجئة تسري في عروقها. لم تفهم ما يدور، لكنها رأت كيف توتّر فارس. "شكراً لك يا سالم. ولكنني قادرٌ على تدبير أموري." قال فارس بصرامة. "كما تشاء. فقط تذكر، أنا هنا." ثم نظر سالم إلى ليلى، وابتسم لها ابتسامةً غامضة. "أهلاً بكِ يا ليلى. سمعتُ عنكِ الكثير. أتمنى لكِ كل السعادة مع فارس."

ابتسمت ليلى مجاملةً، لكنها شعرت بعدم الارتياح. غادر سالم، تاركاً وراءه موجةً من الأسئلة في ذهن ليلى. "من هذا الرجل يا فارس؟" سألت ليلى عندما اختلى بها. "إنه زميلٌ قديم. كان يعمل معي في مشروعي السابق. كان لديه بعض التحفظات عليّ." "تحفظات؟" "نعم. كان يرى أنني منافسٌ له، وكان يحسدني على نجاحاتي. لقد كان لديه دورٌ في بعض المشاكل التي واجهتها الشركة في الماضي." "ولماذا أتى إلى هنا؟" "لا أدري. ربما ليحرجني، أو ليثير بعض المشاكل. ولكنه لن يستطيع. أنا الآن في مرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ أقوى." "ولماذا أشار إلى أموالك؟" "لأنه يعلم أنني أواجه بعض الصعوبات. يريد أن يستغلّ ذلك. ولكنه لا يعرف شيئاً عن قوتي، وعن دعمكِ لي." ابتسمت ليلى، واحتضنت ذراعه. "لا تقلق يا فارس. أنا معك. ولن نسمح لأحدٍ بتعكير صفو سعادتنا."

بعد الحفل، بينما كان فارس وليلى يسيران جنباً إلى جنب، تذكر فارس شيئاً آخر. تذكر أوراق والد ليلى، والمشاريع التي كانت تولّت مسؤوليتها. "ليلى، هل أنتِ متأكدةٌ من قدرتكِ على التعامل مع كل هذه المسؤوليات؟" سأل. "نعم يا فارس. لقد بدأتُ أتعلم. وأمي تساعدني. بالإضافة إلى ذلك، لقد وجدتُ في نفسي قوةً لم أكن أعرف بوجودها." "هذا رائع. ولكن تذكري، إذا احتجتِ لأي شيء، فلا تترددي في طلب المساعدة." "وأنا أعرف ذلك. أنتَ أول من ألجأ إليه."

في اليوم التالي، تلقت ليلى مكالمةً من سيدةٍ تدّعي أنها تعمل في أحد البنوك. كانت السيدة تتحدث عن إمكانية استثمارٍ كبيرٍ في إحدى الشركات التابعة لإرث والدها. كانت الفرصة تبدو مغريةً جداً، لكن شيئاً ما في نبرة صوت السيدة جعل ليلى تشعر بالشك. "هل يمكنكِ إرسال التفاصيل لي عبر البريد الإلكتروني؟" سألت ليلى. "بالطبع. ولكن أردتُ أن أتأكد من أنكِ مهتمةٌ أولاً." "نعم، أنا مهتمة. ولكن أريد أن أرى كل شيءٍ بوضوح." بعد المكالمة، شعرت ليلى بأنها يجب أن تتحدث مع فارس. لقد تعلمت منه أن لا تتجاهل حدسها. "فارس، لقد تلقيتُ اتصالاً اليوم. حول فرصة استثمارٍ في شركتي. ولكنني شعرتُ بأن هناك شيئاً غريباً." "ما هو؟" "صوتها، وطريقة كلامها. لم تكن طبيعية. كما أن الفرصة تبدو جيدةً جداً لتكون حقيقية." "هل هي من بنكٍ معروف؟" "لا أدري. لم تذكر اسم البنك بوضوح. فقط قالت إنها تمثل جهةً استثماريةً كبيرة." "لا تثقي بها يا ليلى. في عالم الأعمال، هناك دائماً من يحاول استغلال الآخرين. ربما تكون محاولةً من سالم. أو شخصٍ آخر يريد استغلالكِ." "ولكن كيف؟" "لا أدري. ولكن كوني حذرة. ولا تقبلي أي شيءٍ قبل أن نتناقش فيه معاً. وأنا سأتأكد بنفسي من هذه الجهة."

شعر فارس بالغيرة على ليلى، ليس غيرة الحسد، بل غيرة الحماية. كانت هذه المشاكل والتحديات، التي بدأت تظهر في حياتهما، مجرد إشارةٍ إلى أن طريقهما لن يكون مفروشاً بالورود. ولكنه كان مستعداً لمواجهة كل ذلك، ومعه ليلى، شريكته في الحب، وشريكته في الحياة. كانت علاقتها بفارس قد تجاوزت مجرد الود، لتصبح رابطةً قويةً، رابطةً مبنيةً على الثقة، والتحديات المشتركة، ووعدٌ بمستقبلٍ أجمل، مستقبلٍ يسير بخطىً ثابتة نحو بناء أسرةٍ سعيدة، في ظلّ الحب الحلال.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%