لقاء الأرواح الجزء الثاني
سرٌّ يطفو على السطح
بقلم فاطمة النجار
كان الصمت يلفّ قصر آل شهاب كأنه عباءة ثقيلة، يكسر صمته أحياناً همس الرياح المتسللة عبر النوافذ المفتوحة على مصراعيها، تستجدي دفء شمس الظهيرة المتلاشية. جلست ليلى في غرفتها، قلبها يخفق بعنف كطائر أسير، وعيناها مثبتتان على صورةٍ في يدها. لم تكن صورة عادية، بل كانت مفتاحاً لبابٍ قديمٍ موصد، بابٌ يخفي خلفه ما كان يثقل روحها ويقضّ مضاجعها.
كانت الصورة قديمة، بحبرٍ أخذ لونه بالذبول، تظهر فيها سيدةٌ فاتنة الجمال، ترتدي زيّاً تقليدياً لم تره ليلى من قبل، وتقف بجانبها طفلةٌ صغيرةٌ لا تتجاوز السنوات الخمس. ملامح الطفلة كانت مألوفةً بشكلٍ مقلق، صورةٌ مصغرةٌ لوجهها هي، ليلى. لكن من تكون السيدة؟ ولماذا احتفظت بها والدتها، السيدة زينب، سراً؟
تسلل صوت خطواتٍ خفيفةٍ نحو الباب، فخبأت ليلى الصورة بسرعةٍ تحت وسادتها، وهمست بصوتٍ مرتعش: "ادخل."
فتحت والدتها الباب بابتسامةٍ حزينة، ورأت قلق ابنتها الواضح. جلست بجانبها على الأريكة، وقالت بصوتٍ ناعمٍ كالحرير: "ماذا يشغل بالك يا ابنتي؟ أرى حيرةً في عينيكِ منذ فترة."
أخذت ليلى نفساً عميقاً، وقررت أخيراً أن تواجه الحقيقة. "أمي، لقد وجدتُ شيئاً... شيئاً في صندوق والدكِ القديم. صورة."
اتسعت عينا السيدة زينب قليلاً، ثم عادت إلى طبيعتها، لكن ليلى لم تخطئ نظرة الخوف التي مرت بهما. "صورة؟ أي صورة؟"
"صورة لكِ... ولطفلةٍ صغيرة. الطفلة تشبهني كثيراً يا أمي. من تكون؟"
صمتت السيدة زينب لحظة، بدت وكأنها تخوض معركةً داخليةً صامتة. ثم قالت بصوتٍ متهدج: "هذه... هذه صورةٌ قديمةٌ جداً. كانت لي قبل أن ألتقي بوالدكِ."
"ولكن الطفلة؟" أصرت ليلى، وشعرت ببرودةٍ تتسلل إلى أطرافها.
نظرت السيدة زينب بعيداً، نحو النافذة، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ في الأفق. "هذه الطفلة... كانت ابنة أختي. توفيت في حادثٍ مؤسفٍ وهي صغيرة."
لم تقنع كلمات والدتها ليلى. كان هناك شيءٌ في نظرة والدتها، في ارتباكها، يوحي بالكثير. "ولكن يا أمي، ملامحها... تشبهني جداً. تكاد تكون أنا."
انهمرت دمعةٌ على خد السيدة زينب. "الحياة مليئةٌ بالمفاجآت يا ليلى. أحياناً نرى في الآخرين ما نود أن نراه، أو ما يشبهنا بشكلٍ غريب."
"ولكن لماذا أخفيتِ هذه الصورة؟ لماذا لم تخبريني عنها أبداً؟"
تنهدت السيدة زينب بعمق. "كان الأمر مؤلماً يا ليلى. رؤية تلك الطفلة كانت تذكرني بما فقدت. ووالدكِ... لم يكن يرغب في إثارة الذكريات المؤلمة."
شعرت ليلى بأنها تقف على حافة جرفٍ، وأن الحقيقة التي تبحث عنها تتدلى من خيطٍ رفيع. "ولكن يا أمي، هل لي الحق في معرفة الحقيقة كاملة؟ مهما كانت مؤلمة؟"
نظرت والدتها إلى عينيها مباشرةً، وفي تلك النظرة رأت ليلى انعكاساً لحزنٍ عميقٍ امتد عبر السنين. "الحقيقة يا ابنتي... قد تكون أثقل مما تظنين."
في تلك اللحظة، دخل والده، السيد فؤاد، الغرفة. رأى الدموع في عيني زوجته، والقلق على وجه ابنته. "ما الخبر؟ هل هناك ما يزعجكن؟"
نظرت ليلى إليه، ثم إلى والدتها، وشعرت بأن الوقت قد حان. "أبي، أمي تخبرني عن صورةٍ قديمةٍ وجدتها... صورةٌ لكِ يا أمي مع طفلةٍ تشبهني كثيراً."
تجمد السيد فؤاد للحظة، وبدت على وجهه علاماتٌ لم تستطع ليلى تفسيرها. اختلطت الدهشة بالارتباك، ثم بشيءٍ من الأسى. "هذه الصورة... لم أرها منذ زمنٍ طويل."
"ولماذا لم تخبرني يا أبي؟" سألت ليلى، صوتها يكاد يكون همساً.
نظر السيد فؤاد إلى السيدة زينب، وكأنه يستأذنها. ثم قال بصوتٍ جهوري، لكنه محمّلٌ بالأسى: "يا ابنتي، هناك أمورٌ في الحياة لا يمكننا أن نفهمها بالكامل إلا بعد أن نكبر. وقد قررنا أنا ووالدتكِ أن نؤجل هذه الحقيقة عنكِ لحمايتكِ."
"حمايتي؟ من ماذا؟"
"من ألمٍ شديدٍ قد لا تتحمليه." قالت السيدة زينب، وعادت الدموع لتتساقط.
"ولكنني أشعر بأنني أخوض في بحرٍ من الظلام. أرجوكم، قولوا لي ما هي الحقيقة." ألحّت ليلى، وقلبها ينبض بعنفٍ، متوقعةً أسوأ ما يمكن أن تتخيله.
تلاقت نظرات الأبوين، وكانت معركةٌ صامتةٌ تدور بينهما. ثم أشار السيد فؤاد إلى زوجته، كأنه يمنحها الإذن المطلق.
"ليلى يا ابنتي..." بدأت السيدة زينب، وصوتها يرتجف. "الصورة التي وجدتيها... ليست لطفلةٍ ابنة أختي. إنها... إنها صورتكِ أنتِ."
توقفت ليلى عن التنفس. "صوري؟ ولكن... كيف؟"
"في ذلك الوقت يا ابنتي..." واصلت السيدة زينب، ممسكةً بيد ليلى بقوة، "كنتُ أنا ووالدكِ... نمرّان بظروفٍ صعبةٍ جداً. قبل أن نلتقي بعائلتكِ الكريمة، كنا نعيش بعيداً عن الأهل. وواجهتُ حملي بكِ في ظروفٍ قاسية. وعندما ولدتي... كان هناك أشخاصٌ يريدون إيذاءنا، بسبب خلافاتٍ قديمةٍ متعلقةٍ بأملاكٍ عائلية."
"ولكن... هل هذا يعني...؟" بدأت ليلى تفهم، والرعب يتملكها.
"نعم يا ابنتي." قال السيد فؤاد، وعيناه مليئتان بالندم. "خشينا عليكِ. فقررنا، في تلك اللحظة العصيبة، أن نضعكِ في مكانٍ آمنٍ جداً، مع عائلةٍ موثوقةٍ لفترةٍ من الوقت، حتى تهدأ الأمور. لقد أوكلناكِ إلى رعايةِ أناسٍ طيبين، لكننا لم نتمكن من رؤيتكِ بشكلٍ مباشرٍ لحمايتكِ. وكنتُ أنا ووالدتكِ... نبكي شوقاً إليكِ كل ليلة."
"يعني... يعني أنني لم أكن... ابنتكما الحقيقية؟" سألت ليلى، وقلبها يكاد ينفطر.
"بل أنتِ ابنتنا الحقيقية يا ليلى!" قالت السيدة زينب بصوتٍ قوي، واحتضنتها بحرارة. "أنتِ نور عينينا، وروحنا. لقد اضطررنا لفعل ذلك لحمايتكِ. كان الأمر مؤلماً لنا، لكننا لم نستطع أن نتحمل فكرة خسارتكِ."
"ولماذا لم تخبروني بعد أن أصبحتُ في عمرٍ يسمح لي بالفهم؟"
"خشينا يا ليلى أن تدركي أن هناك من حاول إيذاءكِ، وأن تعيشي في خوفٍ. وأردنا أن نمنحكِ حياةً طبيعيةً سعيدة، وأن تبني علاقاتكِ مع عائلتكِ الحالية دون أن تثقلها هذه الحقيقة."
شعرت ليلى بالدوار. كل ما كانت تعتقده عن ماضيها، عن عائلتها، قد تداعى في لحظة. والشيء الذي كان يشغل بالها، والذي ظنت أنه مجرد صورة قديمة، كان هو السر الأكبر في حياتها. نظرت إلى والديها، ورأت في عينيهما حبّاً لا حدود له، ولكنها رأت أيضاً عبئاً ثقيلاً من الأسرار التي عاشاها.
"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟" سألت، بصوتٍ يملؤه التصميم. "من حاول إيذاءنا؟"
نظر السيد فؤاد إلى السيدة زينب، وقال بجديةٍ واضحة: "هؤلاء الأشخاص... لم يعد لهم وجودٌ الآن. لقد تم التعامل مع الأمر بالكامل. ولكن... اكتشفنا أنهم كانوا على علاقةٍ وثيقةٍ بأحد الأشخاص الذين كنتِ تعرفينهم سابقاً."
تسارعت دقات قلب ليلى. "من هو؟"
"إنهم... عائلة الأستاذ هشام. وبالتحديد... عمّه."
تجمدت ليلى في مكانها. عمّ هشام. الرجل الذي كان يعتبره الجميع شخصاً طيباً، والذي أظهر لها الكثير من اللطف. كيف يمكن أن يكون له علاقةٌ بمن حاولوا إيذاءها؟
"ولكن... كيف؟" سألت بصوتٍ خافت، لا يزال العقل يعالج كمية المعلومات الهائلة.
"كان عمّ هشام... متورطاً في خلافاتٍ ماليةٍ قديمةٍ مع والدي، قبل أن ألتئم بأبيكِ يا زينب. ورغم أن الأمر قديمٌ جداً، إلا أن هناك من استغل هذه الخلافات لمحاولة الإضرار بنا. وعندما قررنا إخفاء ليلى... استغل عمّ هشام غيابنا، وحاول معرفة مكانكِ."
شعرت ليلى بغضبٍ باردٍ يتسلل إليها. هشام. الرجل الذي أحبته، أو ظنت أنها تحبه، كان له هذا الارتباط المشبوه. هل كان يعلم؟ هل كان متورطاً؟
"وهل... هل كان هشام يعلم بهذا؟" سألت، والصوت يرتجف.
"لا نعلم على وجه اليقين يا ابنتي. كان عمّه رجلاً ماكراً. ولكن بعد كل هذه السنين... اكتشفنا أنه كان يراقبنا. وربما... كان يراقبكِ أنتِ أيضاً."
شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. كل ما كان يبدو واضحاً، قد أصبح الآن ضبابياً. الثقة التي بنتها، المشاعر التي عاشتها، كلها باتت موضع شك. نظرت إلى عائلتها، ورأت في أعينهم مزيجاً من الحب والقلق. لقد كشفوا لها الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة فتحت باباً لمزيدٍ من الأسئلة، ولربما لمزيدٍ من الألم.