لقاء الأرواح الجزء الثاني

ظلال الماضي في قاعات الحاضر

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر نافذة مكتب "ليلى" الفسيح، لتلقي بوهجٍ دافئٍ على مساحات العمل المرتبة بعناية. كان الجو صباحًا هادئًا، تسوده رائحة القهوة العطرة وعبق الأوراق والرسومات الهندسية. استيقظت "ليلى" مبكرًا كعادتها، وقلبها يخفق بترقبٍ ممزوجٍ ببعض التوتر. اليوم هو اليوم الذي ستلتقي فيه بخالد عبد الرحمن، الرجل الذي ترك في روحها بصمةً عميقة.

أعدت نفسها بجدية، اختارت ثوبًا بلونٍ زاهٍ، يجمع بين الأناقة والبساطة، وزينت شعرها بعناية. لم يكن الأمر مجرد لقاءٍ عملي، بل كان أكثر من ذلك بكثير. كانت تتمنى أن يرى فيها خالد ما وراء المهندسة الناجحة، ويرى الروح التي تحدث عنها ذات يوم.

وصل خالد في الموعد المحدد، برفقة مساعده الشاب. فور دخوله المكتب، شعرت "ليلى" بأن الجو العام قد تغير. كان حضوره قويًا، وكأن هالةً من الثقة والخبرة تحيط به. نفس العينين السوداوين اللتين حفظتهما الذاكرة، تحملان الآن مزيدًا من العمق والحنكة. لم يبدُ عليه أثرٌ كبيرٌ للسنوات التي مرت، بل ازداد بهاءً ورزانةً.

"مساء الخير أستاذة ليلى"، قال خالد بابتسامةٍ مهذبة، وبدا وكأنه يتذكرها على الفور. "شكرًا لكِ على حسن الاستقبال."

"أهلاً بك يا مهندس خالد"، ردت "ليلى" بصوتٍ استعادت منه ثقتها، وعلى وجهها ابتسامةٌ ودودة. "يشرفنا وجودكم في مكتبنا."

جلسا في غرفة الاجتماعات، التي كانت تتزين بلوحاتٍ فنيةٍ مستوحاةٍ من العمارة الإسلامية، ورسوماتٍ لمشاريع سابقة. بدأ خالد بالاطلاع على التصاميم الأولية للمجمع السكني، وكان يتحدث عن رؤيته للمشروع بعمقٍ وبصيرةٍ نادرة. لم يكن مجرد مهندسٍ بارع، بل كان رجلًا يفهم روح المكان، ويسعى لدمج الأصالة بالمعاصرة.

"أرى في هذه التصاميم لمسةً فريدة"، قال خالد، وهو يشير إلى إحدى الرسومات. "هناك اهتمامٌ بالتفاصيل، وإدراكٌ لأهمية الفضاءات المفتوحة، وروحٌ تتناغم مع محيطها. أعجبني جدًا هذا الحرص على إبراز الهوية العربية في التصميم."

"هذا ما نسعى إليه دائمًا، يا مهندس خالد"، أجابت "ليلى"، وشعرت بأن كلماته تلامس قلبها. "نؤمن بأن العمارة ليست مجرد بناءٍ، بل هي انعكاسٌ لثقافةٍ وتاريخٍ وحضارة. ونسعى لأن يكون هذا المشروع مثالًا حيًا على ذلك."

تبادلا الأفكار والاقتراحات، وكان الحوار بينهما سلسًا وعميقًا، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمنٍ طويل. كانت "ليلى" تلاحظ كيف ينظر إليها خالد، ليس كزميلةٍ مهنيةٍ فحسب، بل بعينٍ تقدر رؤيتها وتحترم فكرها.

"تذكرين حينما التقينا ذات مرة"، قال خالد فجأة، بعد صمتٍ قصيرٍ بدا وكأنه يتأمل شيئًا ما. "كنتِ تتحدثين عن الفن، وعن الأبعاد الروحية للأشياء. ما زلت أرى هذه الروح في أعمالك."

احمر وجه "ليلى" قليلاً، وشعرت بخجلٍ طفيف. "لقد مرت سنواتٌ يا مهندس خالد. تغيرت الكثير من الأشياء."

"ولكن بعض الأشياء لا تتغير"، قال خالد بهدوء، ونظر إليها بعينيه الثاقبتين. "الجوهر، والجمال، والأحلام. هل ما زلتِ ترسمين؟"

"نعم، ولكن بشكلٍ أقل"، أجابت "ليلى" بصراحة. "الوقت والعمل يأخذان الكثير من وقتي."

"أتمنى أن تجدي وقتًا لتعودي لرسم أحلامك"، قال خالد، وبدا في صوته نبرةٌ فيها رجاءٌ خفي. "إن الفن هو نافذة الروح على عالمٍ أوسع."

استمر الاجتماع لساعاتٍ طويلة، ولم يشعر أيٌّ منهما بالملل. كانت الأفكار تتدفق، والتعاون يبدو واعدًا. في نهاية اللقاء، وبعد أن تبادلا عناوين البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف، وقف خالد ليودعها.

"شكرًا جزيلًا على وقتك، أستاذة ليلى. أعجبتني جدًا رؤيتك للمشروع، وأنا متحمسٌ جدًا للتعاون معكم."

"الشكر لك يا مهندس خالد. نتطلع إلى عملٍ مثمرٍ مع شركتكم."

خرج خالد، تاركًا "ليلى" تشعر بدوارٍ لطيف. لقد كان لقاءً مهنيًا ناجحًا بلا شك، ولكنه حمل معه الكثير من المشاعر الدفينة. هل كان هذا بدايةً لشيءٍ جديد؟ هل كانت الأقدار تمنحهما فرصةً أخرى؟

عادت "ليلى" إلى مكتبها، وجلست على مقعدها، تستعيد تفاصيل اللقاء. كانت تتذكر كل كلمةٍ قالها، كل نظرةٍ تبادلاها. خالد لم يكن مجرد مهندسٍ ناجح، بل كان يمتلك عمقًا روحيًا وفكريًا نادرًا، يتناغم مع ما كانت تبحث عنه.

في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم بسهولة. كانت تفكر في خالد، في الماضي، وفي المستقبل. هل ستتمكن من تجاوز صدمة اللقاء الأول، والتعامل مع هذه الفرصة الجديدة بعقلٍ وقلبٍ متوازنين؟ كانت تعلم أن مسار الحب الحلال يتطلب صبرًا وحكمةً، وأن القلوب لا تتجه إلا لما يبارك الله.

في صباح اليوم التالي، وصلها بريدٌ إلكترونيٌّ من خالد. لم يكن يحتوي على تفاصيل فنيةٍ فقط، بل كان يحمل أيضًا رسالةً شخصيةً لطيفة:

"أستاذة ليلى،

أردت أن أؤكد مجددًا على مدى تقديري لجهودكم وتعاونكم. لقد ألهمني لقاؤنا أمس، وأنا متفائلٌ جدًا بما يمكننا تحقيقه معًا. أتمنى أن تسمحي لي بدعوتك على فنجان قهوةٍ قريبًا، خارج إطار العمل، لنتبادل الأفكار بشكلٍ أعمق.

مع خالص الاحترام، خالد عبد الرحمن."

قرأت "ليلى" الرسالة مرارًا وتكرارًا. كان عرضًا مهذبًا، يعكس احترامه لها، ونيته الصادقة. هل كان هذا هو اللقاء الذي كانت تنتظره؟ لقاءٌ بين روحين، بدأ بشفقةٍ، وتجدد بالعمل، وأوشك أن يتحول إلى حلمٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%