لقاء الأرواح الجزء الثاني

أغلال الظلام

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة جدة، وانسدلت ستائر الصمت على الشوارع التي تعج بالحياة نهارًا. لكن في قلب قصر آل الحسيني الفسيح، لم يكن الصمت إلا غطاءً رقيقًا يخفي عاصفة من المشاعر المتلاطمة. جلست ليلى، وهي الفتاة التي لم تكن تعرف سوى طريق النور والفضيلة، في غرفتها، وعيناها زائغتان، وقلبها يتخبط كطائر جريح. لقد غرق بصيص الأمل الذي لاحت به في الأفق، ليحل محله ظلام دامس، أعمق من أي ظلمة قد عرفتها.

أتت الغرارة إلى حياتها كضيف ثقيل، لم تدعُه، ولم تكن تتوق لقدومه. كانت مجرد فكرة، ثم أصبحت نزوة، لتتحول مع الأيام إلى عبودية مرعبة. بدأت بتردد، ثم أصبح الأمر اعتادًا، ثم ضرورة، والآن، أصبحت كمن أدمن السم، لا يستطيع الانفكاك عنه. كانت تعلم أن ما تفعله خطأ، خطأ جسيمًا، يحرمها من لذة العيش الهانئ، ويسرق منها براءتها، ويعرض مستقبلها للخطر، وخاصة مستقبلها مع يوسف، الرجل الذي أحبته بصدق، والذي كان يمثل لها كل شيء.

تسللت الدموع من عينيها، حارقةً كالملح على جراح لم تلتئم. كم تمنت لو أن الزمن يعود بها إلى الوراء، إلى تلك الأيام التي كانت فيها حياتها بسيطة، نقية، ومليئة بالإيمان. أيام لم تكن تعرف فيها لذة "الهروب" من الواقع، بل كانت تواجهه بشجاعة، متسلحةً بحسن الظن بالله. الآن، أصبح هروبها هو ما يقيدها، ما يجعلها أسيرة لرغباتها المكبوتة، لعقدها القديمة، وللضغوط التي لم تكن تعلم أنها تحملها في أعماق روحها.

أتذكرت كلمات والدتها، تلك المرأة الصالحة التي علمتها كل شيء جميل، وكل شيء رفيع. "يا ابنتي، إن النفس البشرية أمانة، وعلينا أن نحافظ عليها، وأن نقيها من الشوائب، وأن نجعلها قريبة من الله دائمًا. ففي القرب منه، السكينة، وفي البعد عنه، الضياع." كانت تلك الكلمات تنخر في قلبها الآن، تلومها، وتؤنبها.

لقد شعرت بالذنب يغمرها، ذنب تجاه والدتها، تجاه يوسف، بل تجاه نفسها. كيف لها أن تدعي الحب، وهي تخفي هذا السر المظلم؟ كيف لها أن تتحدث عن الزواج، وهي غارقة في ما لا يحل لها؟ لقد بدأت تشعر بالنفور من نفسها، من نظرتها في المرآة. ذلك الوجه الشاحب، تلك العينان اللتان افتقدتا بريقهما، وذلك الصمت الذي كان يتحدث عن قصة لم تجرؤ على البوح بها.

أصبح الحديث مع يوسف عبئًا ثقيلًا. كل كلمة منه، كل نظرة، كانت تزيد من شعورها بالضياع. كان يراها صافية، نقية، كعادتها، ولم يكن يعلم كم أصبحت هذه الرؤية بعيدة عن الحقيقة. كان يخطط لمستقبلهما، يرسم أجمل الصور لبيتهم، لأطفالهم، ولحياتهم الزوجية الهانئة، بينما كانت هي، في الظلام، تبني جدرانًا من الوهم، وتقيم أساسات من الخوف.

حاولت مرة، ومرة أخرى، أن تقاوم. كانت تحبس نفسها في غرفتها، تقرأ القرآن، وتدعو الله بصدق أن ينجيها. كانت تشعر بلحظات من الصفاء، بلحظات من الانتصار على تلك الرغبة الخبيثة. لكن سرعان ما كانت تعود، كالدائرة التي لا تنتهي. كانت تلك "الخلوة" السريعة، ذلك "العالم" الذي كانت تخلقه لنفسها، هو ما أصبح يوفر لها لحظات من النسيان، من الهروب من كل شيء.

لم يكن الأمر سهلاً. كان هناك خوف عميق يراودها، خوف من أن يكشف أمرها، خوف من أن تفقد كل شيء. لكن الرغبة، كانت أقوى. كانت كسم الأفعى، يتسلل إلى عروقها، يخدّر أحاسيسها، ويجعلها ضعيفة أمام إغراءاته.

في أحد الأيام، بينما كانت تتصفح هاتفها، وقعت عينها على رسالة من يوسف. كانت رسالة مليئة بالحب، والشوق، والحماس. كان يطمئنها، ويسألها عن حالها، ويتحدث عن لقاء قريب. قرأت الرسالة، وتجمعت في حلقها غصة. كيف لها أن ترد عليه؟ كيف لها أن تخبره عن هذا القلق الذي يستبد بها، دون أن تكشف عن حقيقتها؟

أغلقت الهاتف، ووضعت وجهها بين يديها. أصبحت حياتها مزيجًا غريبًا من الصراع الداخلي، والخوف الخارجي، والأمل المتلاشي. كانت تشعر بأنها تقف على حافة هاوية، وأنها على وشك السقوط. لكن ما الذي يجعلها تستمر في هذا الطريق؟ ما الذي يدفعها إلى تكرار هذا الخطأ، رغم علمها بعواقبه؟

ربما كان السبب هو تلك العزلة التي شعرت بها في بعض الأحيان، تلك الفراغات التي تركتها التجارب السابقة، أو تلك التوقعات التي كانت تشعر بأنها لا تستطيع تلبيتها. كانت تبحث عن شيء، عن شعور، عن قوة، لم تجدها في العالم الحقيقي.

نظرت إلى صورتها مع يوسف، صورة التقطتها في يوم لقائهما الأول. كانت تبتسم، وكان هو ينظر إليها بحب. كم كانت سعيدة في تلك اللحظة! كم كانت واثقة من مستقبلها! لكن الآن، بدأت تلك السعادة تبدو بعيدة، وكأنها حلم جميل تلاشى مع شروق الشمس.

كانت تعلم أن الوقت يمر، وأن كل يوم يمر يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى حياتها. وأن سرها، مهما حاولت إخفاءه، سيظل كالنار تحت الرماد، مستعدًا للاشتعال في أي لحظة. كانت تشعر بالحصار، وبأن كل الطرق مسدودة.

تنهدت بعمق، وحاولت أن تجمع شتات نفسها. كان عليها أن تجد مخرجًا. كان عليها أن تواجه هذا الظلام الذي ابتلعها. لم يعد أمامها خيار سوى المواجهة. لكن كيف؟ وكيف ستبدأ؟ وهل ستتمكن من إنقاذ نفسها قبل فوات الأوان؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها، دون أن تجد إجابة شافية.

في تلك الليلة، لم تنم ليلى. ظلت مستيقظة، تتقلب على فراشها، وقلبها يرتجف. كان الصراع داخليًا، ولكنه كان يترك أثره على كل تفاصيل حياتها. كانت كالنبتة التي تسقيها السموم، تحاول أن تنمو، لكنها تتعفن في الوقت نفسه.

وبينما كانت الشمس تستعد لتشرق، حاملةً معها وعدًا بيوم جديد، كانت ليلى تشعر بأن يومها سيبدأ كسابقه، يوم مليء بالصراع، والخوف، والعبودية. كانت أغلال الظلام قد أحكمت قبضتها، ولم تكن تعرف كيف ستتحرر منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%