الفصل 10 / 25

الحب الحلال

رسائلٌ عابرةٌ وهمساتٌ مكشوفةٌ

بقلم مريم الحسن

كانَ الظلامُ قدْ بدأَ يلقي بعباءتِهِ على المدينةِ، لكنَّ الأفكارَ كانتْ لا تزالُ تتراقصُ في ذهنِ ليلى، محتدمةً كشعلةٍ تكادُ تنطفئُ. حديثُ سارةٍ لم يغبْ عنْ ذاكرتِها، بلْ ظلَّ يترددُ في أذنيها كصدىً مزعجٍ. نظرتْ إلى هاتفِها، ومررتْ بأصابعِها على صورِ خالدٍ التي كانتْ قدْ حفظتْها بدافعِ الفضولِ والاهتمامِ. كانَ وجهُهُ طيبًا، ونظرتُهُ تحملُ صدقًا وبراءةً. لكنْ الآنَ، بدتْ تلكَ الصورةُ تحملُ معها عبئًا ثقيلًا، عبئًا منْ التوقعاتِ والضغوطِ.

في نفسِ الوقتِ، كانَ خالدٌ يشعرُ بشيءٍ منَ الاضطرابِ. لقدْ لاحظَ تغيرًا في سلوكِ والدتهِ، الحاجةِ فاطمةِ. كانتْ تتحدثُ كثيرًا عنْ عائلةِ السيدِ أحمدَ، وعنْ مدى كرمِهِ وأخلاقِهِ. لم تكنْ تلكَ الأحاديثُ بريئةً تمامًا، بلْ كانتْ تحملُ تلميحاتٍ واضحةً حولَ فكرةِ "إتمامِ الروابطِ العائليةِ". وفي إحدى المراتِ، سألتهُ بصوتٍ فيهِ خبثٌ ودهاءٌ: "يا خالدٌ، هلْ رأيتَ يومًا الآنسةَ ليلى؟ إنَّها فتاةٌ رائعةٌ، أليسَ كذلك؟" ارتعشَ قلبُ خالدٍ قليلًا. لقدْ رآها مراتٍ قليلةً في المناسباتِ العائليةِ، وكانَ يشعرُ بانجذابٍ غريبٍ نحوها. "نعم يا أمي، رأيتها. إنَّها طيبةُ القلبِ وجميلةُ المظهرِ." "بالضبطِ! أليسَ منَ المدهشِ أنْ تكونَ فتاةٌ بهذهِ الصفاتِ لم ترتبطْ بعد؟" قالتْ والدتُهُ، وعيناها تلمعانِ ببريقِ مكيدةٍ. شعرَ خالدٌ بأنَّ شيئًا ما ليسَ على ما يرامٍ. كانَ يعلمُ أنَّ والدتَهُ ليستْ منْ محبي "الصدفِ"، وأنَّ كلَّ كلمةٍ تقولُها لها غايةٌ.

في صباحِ اليومِ التالي، قررتْ ليلى أنْ تأخذَ زمامَ المبادرةِ. لم تكنْ تريدُ أنْ تكونَ مجردَ قطعةٍ شطرنجٍ في لعبةٍ لا تفهمُ قواعدَها. اتصلتْ بخالدٍ. كانَ صوتُها يرتجفُ قليلًا وهيَ تضغطُ على زرِّ الاتصالِ. "السلامُ عليكمْ، سيدُ خالدٍ." "وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، الآنسةُ ليلى. كيفَ حالُكِ؟" أجابَ خالدٌ، وقدْ فاجأهُ اتصالُها. "الحمدُ للهِ. أردتُ أنْ أسألَ عنْ أمرٍ خاصٍّ بالمصنعِ، ولكنْ... هلْ تسمحُ لي بالحديثِ في موضوعٍ آخرَ؟" ترددَ خالدٌ قليلًا، لكنَّ فضولَهُ تغلبَ عليهِ. "بالتأكيدِ، تفضلي." "لقدْ سمعتُ منْ صديقتي سارةٌ... سمعتُ عنْ فكرةِ ربطِ العائلتينِ. وفهمتُ أنَّ هناكَ تلميحاتٍ حولَ... زواجٍ..." صمتَ خالدٌ قليلًا، يحاولُ استيعابَ ما تقولهُ. لقدْ كانَ يشعرُ هوَ الآخرُ ببعضِ التلميحاتِ منْ والدتِهِ، لكنَّ سماعَها منْ ليلى أكدَ لهُ أنَّ هناكَ شيئًا حقيقيًا يحدثُ. "نعم، لقدْ سمعتُ بعضَ الهمساتِ منْ والدتي أيضًا. ولكني لم أكنْ متأكدًا منْ صحةِ المعلومةِ." "إذاً... هلْ أنتَ موافقٌ على هذهِ الفكرةِ؟" سألتْ ليلى، وصوتُها يحملُ نبرةَ خوفٍ حقيقيٍّ. "لا أعرفُ يا آنسةَ ليلى. لمْ أُسألْ رسميًا بعدُ. ولكنْ... لمْ أكنْ أتوقعُ أنْ تأتيَ الأمورُ بهذهِ السرعةِ وبهذهِ الطريقةِ." "أنا أيضًا لمْ أتوقعْ ذلكَ. لقدْ كنتُ أفكرُ فيكِ كزميلٍ... وكشخصٍ قدْ نبني معهُ علاقةً طيبةً... ولكنْ ليسَ بهذهِ الطريقةِ." "ماذا تقصدينَ؟" سألَ خالدٌ، وقدْ شعرَ بانجذابٍ أكبرَ نحوها. "أقصدُ أنَّني أؤمنُ بأنَّ العلاقةَ يجبُ أنْ تبدأَ بالتعارفِ الصادقِ، ثمَّ يتبعُها التقاربُ، ثمَّ يأتيُ الزواجُ. أما أنْ يأتيَ الزواجُ أولًا كصفقةٍ، ثمَّ نبدأُ بالتعارفِ، فهذا أمرٌ لا أشعرُ بالراحةِ تجاهَهُ." "أتفهمُ ما تقولينَ. وأنا أتفقُ معَكِ تمامًا. لقدْ تعبتُ منْ التخطيطِ المستقبليِّ الذي يفرضُهُ الآخرونَ. أردتُ أنْ تكونَ لديَّ فرصةٌ لأتعرفَ على الشخصِ الذي قدْ أشاركهُ حياتي بشكلٍ طبيعيٍّ." "إذاً... ماذا نفعلُ؟" سألتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بقليلٍ منَ الأملِ. "ربما... ربما يجبُ أنْ نتحدثَ معَ والدينا. أنْ نحاولَ توضيحَ وجهةِ نظرِنا. ربما يمكنُنا أنْ نطلبَ فرصةً للتعارفِ بشكلٍ أعمقَ قبلَ اتخاذِ أيِّ قراراتٍ نهائيةٍ."

بعدَ انتهاءِ المكالمةِ، شعرتْ ليلى ببعضِ الارتياحِ، لكنَّ التوترَ لمْ يختفِ تمامًا. لقدْ فتحتْ بابًا للتواصلِ معَ خالدٍ، لكنَّها لمْ تكنْ متأكدةً منْ أنَّ والدتَها ستسمحُ لهمْ بذلكَ.

في بيتِ العمِّ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، كانتْ الحاجةُ فاطمةُ تتحدثُ معَ زوجِها. "يا عبدُ الرحمنِ، لقدْ تحدثتُ معَ السيدِ أحمدَ. وبدا سعيدًا جدًا بالفكرةِ. إنَّ تزويجَ خالدٍ منْ ابنتِهِ سيكونُ صفقةً رائعةً لنا. المصنعُ يحتاجُ إلى رأسِ مالٍ جديدٍ، والسيدُ أحمدُ غنيٌّ جدًا." نظرَ العمُّ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ إلى زوجتِهِ ببعضِ الاستغرابِ. "ولكنْ، هلْ تحدثتِ معَ خالدٍ؟ هلْ هوَ موافقٌ؟" "خالدٌ؟ وما شأنُ خالدٍ؟ إنَّهُ ابني، وأنا أعرفُ ما هوَ الأفضلُ لهُ. الأهمُّ هوَ تأمينُ مستقبلِ العائلةِ. وأحمدُ ابنُهُ شابٌ جيدٌ، ولكنْ... لستُ متأكدةً منْ درجةِ تدينِهِ. فلماذا لا نزوجُهُ خالدًا، فتاةً طيبةً كليلى، منْ عائلةٍ معروفةٍ بتدينِها؟" "زوجُهُ خالدًا؟ أيُّ عائلةٍ تتحدثينَ عنها؟" سألَ العمُّ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، وقدْ بدأَ يشعرُ بأنَّ الأمرَ أكبرُ منْ مجردِ صفقةٍ تجاريةٍ. "عائلةُ السيدِ أحمدَ. لقدْ أخبرتُهمْ أنَّ ابنَنا خالدًا يبدو مهتمًا بابنتِهم. إنَّها فتاةٌ مؤدبةٌ جدًا. ولماذا لا نُتمُّ الأمرَ بزواجِ ابنتِهم منْ خالدٍ؟"

صُدمَ العمُّ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ. لمْ يكنْ لديهِ أدنى فكرةٍ بأنَّ زوجتَهُ قدْ بدأتْ في نسجِ خيوطِ هذهِ الصفقةِ. لقدْ كانَ يرى في ليلى فتاةً مناسبةً لابنِهِ، ولكنهُ كانَ يأملُ في علاقةٍ تنمو بشكلٍ طبيعيٍّ، وليسَ كصفقةٍ مفروضةٍ. "فاطمةُ، ما تقولينَ؟ هلْ أنتِ مجنونةٌ؟ أنتِ تتحدثينَ عنْ زواجِ ابنِنا منْ شخصٍ لا يعرفُهُ؟ ومنْ دونِ استشارتِهِ؟" "لا يا عبدُ الرحمنِ. إنَّها فرصةٌ لا تعوضُ! السيدُ أحمدُ هوَ منْ عرضَ فكرةَ تزويجِ ابنتِهِ منْ خالدٍ، ولكني ظننتُ أنَّ ابنتَهُ قدْ تكونُ مناسبةً أكثرَ! كلُّها خططٌ، وأنا فقطْ أُسرِّعُ الأمورَ لمصلحتِنا!"

كانَ العمُّ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ يشعرُ بالإحباطِ. لقدْ رأى في ليلى الفتاةَ التي يحلمُ بها لابنِهِ، ولكنهُ الآنَ يرى أنَّ والدتَهُ قدْ حولتْ الأمرَ إلى لعبةٍ تجاريةٍ، لا تهتمُّ فيها بمشاعرِ الأولادِ.

في تلكَ الليلةِ، وصلَ إلى هاتفِ خالدٍ رسالةٌ نصيةٌ. كانتْ منْ رقمٍ غيرِ معروفٍ. فتحَ الرسالةَ، فوجدَها تقولُ: "لا تسمحْ لهمْ أنْ يتحكموا في مصيرِكَ. الحديثُ معَ ليلى هوَ الحلُّ الوحيدُ." شعرَ خالدٌ بالدهشةِ. منْ يكونُ هذا المرسلُ؟ هلْ هوَ شخصٌ يعرفُ الحقيقةَ؟ أمْ شخصٌ يريدُ إيقاعَهُ في فخٍّ آخرَ؟ هذهِ الهمساتُ والرسائلُ العابرةُ جعلتْ الأمورَ أكثرَ تعقيدًا، وألقتْ بظلالٍ منَ الشكِّ على ما كانَ يعتقدُ أنَّهُ بدايةُ علاقةٍ بريئةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%