الفصل 11 / 25

الحب الحلال

مواجهةُ الحقيقةِ وصدى المستقبلِ

بقلم مريم الحسن

تتالتْ الأيامُ، وكلُّ يومٍ يلقي بعبءٍ جديدٍ على قلوبِ أبطالِنا. كانتْ ليلى تعيشُ في دوامةٍ منَ المشاعرِ المتضاربةِ. الأملُ الذي زرعتهُ في قلبِها مكالمتُها معَ خالدٍ، بدأَ يتلاشى تحتَ وطأةِ الصمتِ المطبقِ منْ جانبِ والدتِها. كانتْ تراقبُها بعينِ الشكِّ، تتلمسُ في كلماتها تلميحاتٍ لم تكنْ تعترفُ بها علانيةً.

"يا ليلى، سمعتُ أنَّ والدةَ السيدِ أحمدَ تريدُ زيارتَنا قريبًا." قالتْ الأمُّ ذاتَ صباحٍ، وهيَ تُرتِّبُ أزهارَ الياسمينِ في مزهريةٍ زجاجيةٍ. توقفتْ ليلى عنْ شربِ قهوتِها. "حقًا؟ ولماذا؟" "لأنَّنا نتحدثُ عنْ أمورٍ مهمةٍ. أمورٍ تتعلقُ بمستقبلِ العائلةِ. إنَّهمْ يريدونَ إتمامَ صفقةِ الزواجِ." "صفقةُ الزواجِ؟ أمي، نحنُ نتحدثُ عنْ حياةِ إنسانينِ، وليسَ عنْ صفقةٍ تجاريةٍ. أنا وخالدٌ لمْ نتحدثْ إلا بصورةٍ عابرةٍ، ولمْ نُقرِّرْ شيئًا." نظرتْ الأمُّ إلى ابنتِها بنظرةٍ حادةٍ. "وماذا تريدينَ؟ أنْ تنتظري حتى يأتيَ إليكِ فارسُ الأحلامِ على حصانٍ أبيضَ؟ هذهِ فرصتُكِ يا ليلى. إنَّها فرصةٌ لتأمينِ مستقبلكِ ومستقبلِنا." "ولكنْ... ولكنَّني أريدُ أنْ أشعرَ بالحبِّ يا أمي. أنْ أعرفَ أنَّ الشخصَ الذي سأتزوجهُ هوَ منْ اختارهُ قلبي، وليسَ منْ اختارتهُ الظروفُ." "الحبُّ يأتي معَ الوقتِ يا ابنتي. الأهمُّ الآنَ هوَ الاستقرارُ. خالدٌ شابٌّ جيدٌ، وعائلةُ السيدِ أحمدَ غنيةٌ. هذا هوَ الأهمُّ في هذهِ الأيامِ."

في الجهةِ الأخرى، كانَ خالدٌ يواجهُ ضغطًا مماثلًا منْ والدتِهِ. كانتْ الحاجةُ فاطمةُ لا تكلُّ عنْ الحديثِ عنْ "الفوائدِ العظيمةِ" لهذا الزواجِ. "يا خالدٌ، لقدْ تحدثتُ معَ السيدِ أحمدَ. وبدا سعيدًا جدًا. إنَّهُ يريدُ أنْ يزورَنا قريبًا ليُقدمَ عرضَهُ الرسميَّ. اعتبرْ هذهِ فرصةً ذهبيةً لتأمينِ مستقبلِنا." "ولكنْ يا أمي، أنا لمْ أتفقْ معَ الآنسةُ ليلى على شيءٍ. لقدْ تحدثنا بصورةٍ عابرةٍ، ولمْ تكنْ هناكَ أيُّ موافقةٍ رسميةٍ." "موافقةٌ؟ وما شأنُ موافقتِها؟ إنَّ هذهِ الأمورَ تُقرَّرُ منْ قبلِ العائلاتِ. أنتَ فقطْ ستقومُ بتنفيذِ القرارِ. والأهمُّ منْ ذلكَ، أنَّ الآنسةَ ليلى تبدو فتاةً رائعةً. سمعتُ عنها الكثيرَ. إنَّها منْ عائلةٍ طيبةٍ."

لمْ يستطعْ خالدٌ كبتَ انفعالِهِ. "أمي، هلْ أنتِ متأكدةٌ أنَّ هذهِ هيَ رغبةُ الآنسةِ ليلى؟ أمْ أنَّكِ تفعلينَ هذا لأجلِ مصلحتِكِ؟" صُدمتْ الحاجةُ فاطمةُ منْ جرأةِ ابنِها. "كيفَ تتحدثُ معي بهذهِ الطريقةِ؟ أنا والدتُكَ! وأعرفُ ما هوَ الأفضلُ لكَ!" "ولكنْ يا أمي، هلْ فكرتِ يومًا في مشاعري؟ هلْ سألتِني عنْ رأيي؟" "رأيكَ؟ رأيكَ لا يهمُّ في هذهِ الأمورِ. المهمُّ هوَ مصلحةُ العائلةِ."

كانَ العمُّ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ يشهدُ هذهِ المواجهاتِ بصمتٍ، لكنَّ قلبَهُ كانَ يعتصرُ ألمًا. لقدْ حاولَ مرارًا أنْ يقنعَ زوجتَهُ بأنَّ هذهِ الطريقةَ في التعاملِ معَ الأمورِ خاطئةٌ، وأنَّها قدْ تؤدي إلى نتائجَ عكسيةٍ. ولكنهُ لمْ يجدْ أذانًا صاغيةً.

في تلكَ الأثناءِ، قررتْ ليلى أنْ تتحدثَ معَ جدتِها، الحاجةِ زينبَ. كانتْ الجدةُ دائمًا مصدرَ حكمتِها ونصيحتِها. "يا جدتي، أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ما يحدثُ خلفَ ظهري. والدتي تضغطُ عليَّ بشأنِ الزواجِ، وهيَ تتحدثُ عنْ صفقةٍ معَ عائلةِ السيدِ أحمدَ. ولكنْ، أنا لمْ أُقرِّرْ شيئًا. وأخشى أنْ يتمَّ الأمرُ رغْمَ أنفي." احتضنتْ الحاجةُ زينبُ حفيدتَها بحنانٍ. "لا تخافي يا حبيبتي. إنَّ اللهَ معَ الصابرينَ. ولكنْ، هلْ تحدثتِ معَ السيدِ خالدٍ؟" "نعم يا جدتي، تحدثتُ معهُ. وكانَ رأيهُ مشابهًا لرأيي. إنَّهُ لا يريدُ زواجًا مفروضًا. ولكنهُ لا يستطيعُ فعلَ الكثيرِ أمامَ والدتِهِ." "إذاً، يجبُ أنْ تكونَ قويَّةً يا ليلى. إنَّ قصةَ حبِّكِ معَ خالدٍ، إنْ كانتْ ستكونُ حقيقيةً، يجبُ أنْ تبدأَ بصوتِكِ أنتِ. أنْ تكوني أنتِ منْ يقولُ لا، عندما يجبُ قولُها." "ولكنْ كيفَ يا جدتي؟ والدتي لنْ تستمعَ لي." "حاولي يا ابنتي. تحدثي معَ والدكِ. لعلَّهُ يستطيعُ أنْ يؤثرَ عليها. وإذا لمْ يكنْ ذلكَ ممكنًا، فكوني مستعدةً لاتخاذِ موقفٍ حازمٍ. تذكري، أنَّ اختيارَ شريكِ الحياةِ هوَ قرارٌ مصيريٌّ، ويجبُ أنْ يكونَ نابعًا منْ القلبِ والعقلِ، لا منْ مجردِ مصلحةٍ دنيويةٍ."

قررتْ ليلى أنْ تتحدثَ معَ والدِها، العمِّ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ. وجدتهُ جالسًا في مكتبِهِ، يتأملُ أوراقًا متناثرةً. "أبي، هلْ يمكنُني التحدثُ معَكَ قليلًا؟" نظرَ إليها والدُها بعينينِ تحملانِ حزنًا خفيًّا. "تفضلي يا ابنتي. ما الذي يُقلقُكِ؟" حكتْ لهُ ليلى كلَّ شيءٍ. عنْ ضغطِ والدتِها، عنْ حديثِها عنْ صفقةٍ معَ عائلةِ السيدِ أحمدَ، وعنْ مشاعرِها الممزوجةِ بينَ الأملِ والخوفِ. بعدَ أنْ انتهتْ، نظرَ إليها والدُها بحزمٍ. "لا تقلقي يا ليلى. أنا أفهمُ ما تمرينَ بهِ. لقدْ تحدثتُ معَ والدتِكِ مرارًا، ولكنَّها لا تسمعُ. لقدْ أصبحتْ مهووسةً بالمصنعِ والمكاسبِ الماديةِ. ولكنْ، سأتحدثُ معَها مرةً أخرى. وسأحاولُ أنْ أُبينَ لها أنَّ سعادتَكِ أهمُّ منْ أيِّ صفقةٍ." "ولكنْ يا أبي، ماذا لوْ لمْ تسمعْ؟" "إذا لمْ تسمعْ، فسنواجهُ الأمرَ معًا. لا تخافي. أنا هنا لأحميكِ."

في مساءِ ذلكَ اليومِ، قررتْ والدةُ خالدٍ، الحاجةُ فاطمةُ، أنْ تقومَ بخطوةٍ جريئةٍ. اتصلتْ بليلى. "يا آنسةَ ليلى، أنا سعيدةٌ جدًا بأنَّ والدتَكِ قدْ وافقتْ على فكرةِ الزواجِ. لقدْ أخبرتُها بأنَّنا سنجتمعُ قريبًا. هلْ أنتِ مستعدةٌ للقاءٍ رسميٍّ؟" شعرتْ ليلى بالبردِ يتسللُ إلى عظامِها. لقدْ وصلَ الأمرُ إلى هذهِ النقطةِ. "عفوًا يا سيدتي، لمْ أُقرِّرْ شيئًا بعدُ. لمْ أُعطِ موافقةً رسميةً." "موافقةٌ؟ وما شأنُ موافقتِكِ؟ هذهِ الأمورُ تُحسمُ بينَ العائلاتِ. أنتمْ فقطْ تقومونَ بالتنفيذِ." "ولكنْ، إنَّهُ زواجي!" قالتْ ليلى بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً، فقدْ نفدَ صبرها. "يجبُ أنْ تكونَ لي كلمةٌ في هذا الأمرِ." "هذهِ طريقةٌ غيرُ لائقةٍ للتحدثِ معي يا آنسةَ ليلى. لقدْ وضعتُ خططًا كبيرةً لمستقبلِكِ. يجبُ أنْ تكوني ممتنةً." "الشكرُ للهِ وحدهُ. ولكنْ، إذا كانتْ خططُكِ لا ترضي اللهَ، أوْ لا ترضي قلبي، فلنْ أقبلَ بها."

أنهتْ ليلى المكالمةَ، تاركةً الحاجةَ فاطمةَ في حالةٍ منَ الغضبِ والاستنكارِ. لقدْ كانتْ هذهِ المواجهةُ نقطةَ تحولٍ. ليلى لمْ تعدْ الفتاةَ الهادئةَ التي ترضى بالواقعِ. لقدْ اكتشفتْ قوتَها الداخليةَ، وبدأتْ تدركُ أنَّ عليها أنْ تحاربَ منْ أجلِ سعادتِها، حتى لوْ كانَ ذلكَ يعني الوقوفَ في وجهِ أقربِ الناسِ إليها. لكنَّها لمْ تكنْ تعرفُ كيفَ سيواجهُ خالدٌ والدتَهُ، وماذا ستكونُ ردةُ فعلِ والدتِها تجاهَ هذا التحديِّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%