الحب الحلال
خيوطٌ تتشابكُ في الظلام
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تتسارع، وباتت وتيرة الأحداث تتخذ منحىً خطيراً. كان الحاج محمود، أو السيد هاشم كما باتت هويته الحقيقية تتكشف، قد ضاعف ضغوطه على الشيخ أحمد. لم يعد الأمر يقتصر على مجرد اقتراحات، بل امتد إلى تهديداتٍ مبطنة، تحمل في طياتها وعيداً بتدمير سمعة العائلة، والإضرار بمصالحها التجارية.
"يا شيخ أحمد،" قال الحاج محمود في لقاءٍ جمعهم في مكتب الشيخ أحمد، بينما كانت ليلى تنتظر في غرفةٍ أخرى، "الوقت يمضي، والمنافع تضيع. ابنتك ليلى، فتاةٌ طيبة، ولكن خطيبها فهد، يبدو أنه رجلٌ طموحٌ، ولا يريد التنازل عن بعض حقوقه. هذا قد يعرقل صفقةً كبيرةً لنا."
تأوه الشيخ أحمد في داخله. كان يعلم أن الحاج محمود لا يتحدث عن "صفقة" بل عن "غنائم". "يا سيد هاشم،" أجاب بهدوء، "نحن نسعى لزواجٍ مبارك، لا لصفقاتٍ تدنس سمعتنا."
"السمعة؟" ضحك الحاج محمود ضحكةً مكتومة. "السمعة تبنى على القوة والنفوذ يا شيخ أحمد. وإذا لم نتعاون، فقد تكتشف أن سمعتك أنت، أو سمعة ابنتك، قد تتعرض لبعض الشوائب التي يصعب محوها."
شعر الشيخ أحمد ببرودةٍ تسري في جسده. كان يدرك أن هذا الرجل لا يمزح، وأن لديه القدرة على إلحاق الأذى. "وماذا تريد بالضبط؟" سأل، بعد أن جمع قواه.
"أريد أن يوافق فهد على التنازل عن بعض حصصه الإرثية، وأن يتعاون معي في مشروعٍ استثماريٍ جديدٍ لنا. مشروعٌ سيحقق لنا ربحاً هائلاً، وسيكون سبباً في نهضةٍ اقتصاديةٍ لمنطقتنا. ثم، لتسريع الأمور، أود أن تتم خطبة ليلى وفهد في الأسبوع القادم، وزواجهما بعده مباشرةً. وسأقوم أنا، بالمقابل، بتسريع زواج ابنتي سارة من شخصٍ مناسبٍ لها."
كانت شروطاً تعجيزية. لم يكن فهد ليقبل التنازل عن حقوق والده، ولا أن يشارك في مشروعٍ يبدو مشبوهاً. وكان الزواج السريع، دون قسطٍ كافٍ من التعارف والتقارب، مخالفاً لنهج الشيخ أحمد في تربية ابنتيه.
في هذه الأثناء، كان فهد يشعر بأن الأمور تزداد تعقيداً. كان قد استشار بعض المقربين، وعرف أن الحاج محمود، أو السيد هاشم، يملك سجلاً حافلاً من الصفقات المشبوهة، وأن مشاريعه غالباً ما تتضمن تبييض أموال.
"يا فهد،" قال له صديقه المقرب، خالد، "هذا الرجل ليس بالهين. إنه يلعب لعبةً خطيرة. ولابد أنك تعلم أن زواجك من ليلى، يمنحه نفوذاً إضافياً في بعض الدوائر التي كان يعمل بها والدك. وقد يكون هذا هو هدفه الأساسي."
"ولكن، لماذا يسعى لهذا؟" تساءل فهد.
"ربما ليحكم قبضته على أموالٍ معينة، أو ليشغل مناصبٍ كان يسعى إليها والداك. لا أعرف بالضبط، ولكن الأكيد أنه ليس لديه نوايا حسنة."
"إذاً، علينا أن نفضح أمره."
"هذا يتطلب دليلاً قوياً يا فهد. وهو رجلٌ حذرٌ للغاية. وقد يحاول أن يوقعك في فخٍ، ليجعلك تبدو أنت المخطئ."
في منزل الحاج محمود، كانت سارة تشعر بضيقٍ متزايد. كانت ترى في والدها رجلاً غريباً، يسعى لتحقيق مآرب غير مفهومة. كانت تتحدث مع والدتها، ولكن السيدة هدى، كانت تبدو وكأنها تعيش في عالمٍ آخر، مقتنعةً بأن والدها يفعل الصواب.
"يا أمي،" قالت سارة، "أبي يريد أن يجعلني أتزوج فهد بسرعة. ولكنني لست مستعدةً. وأنا لا أعتقد أن هذا صحيح."
"ولماذا يا ابنتي؟ ألا ترين أن فهد شابٌ جيد؟"
"إنه جيد، ولكنني أشعر أن أبي يستخدم زواجي لتحقيق غاياته. وجدتي قالت لي شيئاً جعلني أشك."
"جدتك،" تمتمت السيدة هدى، "ربما هي خائفةٌ عليك. ولكن والدك، هو الأدرى بمصلحتك."
"ولكن يا أمي، إن لم تكن مصلحتي، بل مصلحة أبي؟"
"هذا الكلام لا يليق بك يا سارة. والدك رجلٌ كريم، ويعمل من أجلك."
شعرت سارة بالإحباط. كانت تشعر بأنها محاصرة، وأنها لا تستطيع أن تتخلص من شبكةٍ من الأكاذيب والمصالح.
في تلك الليلة، قرر فهد أن يزور الشيخ أحمد سراً. كان يريد أن يعرف بالضبط ما الذي يجري، وأن يتأكد من سلامة ليلى. وصل إلى منزل الشيخ أحمد في وقت متأخر، وكان الجميع قد ناموا. طرق الباب بلطف، وانتظر.
فتح الشيخ أحمد الباب، وكان وجهه شاحباً. "فهد؟ ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟"
"أردت أن أطمئن عليك يا عمي، وعلى ليلى. هل كل شيءٍ بخير؟"
"الحمد لله. ولكنني قلق. الحاج محمود، أو السيد هاشم، يضغط عليّ بشدة. إنه يريد أن أوافق على تنازلاتٍ خطيرة، وأن أسرّع زواجك من ليلى. وإلا، فإنه يهدد بفضح بعض الأمور التي قد تضر بسمعتنا."
"وما هي هذه الأمور؟"
"لا أعرف بالضبط. ولكن يبدو أنه يملك معلوماتٍ قديمة، معلوماتٍ تتعلق بأعمال والدي. وهو يسعى لاستغلالها."
"ولكن، ما هي علاقته بسارة؟"
"يبدو أن زواج سارة هو جزءٌ من صفقةٍ أكبر. إنه يريد أن يظهِر للعالم أنه رجلٌ يحرص على سعادة ابنته، بينما هو في الحقيقة يسعى لفرض سيطرته. وقد ألمح لي بأن لديه نفوذاً كبيراً، وأنه قادرٌ على إلحاق الأذى بمن يعارضه."
"إذاً، علينا أن نفضح أمره."
"ولكن كيف يا فهد؟ إنه رجلٌ محتال، ويملك المال والسلطة. وقد يكون لديه حلفاءٌ أقوياء."
"ولكن، يا عمي، هل حاولت أن تخبر ليلى بكل شيء؟"
"لقد حاولت أن أخفي عنها، ولكنها ذكيةٌ وتشعر. وهي قلقةٌ جداً. وقد تحدثت معي اليوم، وسألتني عن أسباب هذا التوتر."
"إذاً، ربما نحتاج إلى مساعدة ليلى. إنها تحمل من الإيمان والعزيمة ما قد لا ندركه."
قرر الشيخ أحمد أن يستشير ليلى. كانت ابنته الوحيدة المتبقية، وكان يعتمد على حكمتها. بعد فترةٍ قصيرة، اجتمع الشيخ أحمد وليلى وفهد في غرفةٍ جانبية.
"يا أبي،" قالت ليلى بصوتٍ ثابت، "لقد سمعت ما يدور. وأنا لا أستطيع أن أرى حبيبتي ليلى، أو أرى فهد، يقعان في فخٍ كهذا. يجب أن نفعل شيئاً."
"ولكن ماذا يا ابنتي؟" سأل الشيخ أحمد.
"علينا أن نبحث عن دليلٍ يدين هذا الرجل. يجب أن نعرف لماذا يسعى بكل هذه القوة وراء هذه الصفقة. ولماذا يريد أن يسارع بزواجنا."
"ولكن كيف؟"
"أعتقد أن الحاج محمود، أو السيد هاشم، قد يكون لديه شخصٌ ما في الداخل، شخصٌ يبلغه بالأمور. إذا استطعنا معرفة هذا الشخص، ربما نكشف الحقيقة."
"وهل لديك فكرةٌ عن هذا الشخص؟" سأل فهد.
"لقد لاحظت خلال اجتماعاتنا، أن هناك شاباً يدعى سمير، كان يعمل لدى أبي، ثم اختفى فجأة. وهو الآن يعمل لدى الحاج محمود. وقد رأيته يتحدث إليه مرتين بشكلٍ سري."
"سمير؟" قال الشيخ أحمد. "لم أكن أعلم أنه يعمل لدى الحاج محمود."
"ربما يكون هو المفتاح،" قالت ليلى. "إذا استطعنا الوصول إليه، ربما يكشف لنا ما يدور."
كانت خطةً جريئة، لكنها كانت الأمل الوحيد. بدأت خيوطُ المؤامرة تتكشف، وباتت المعركةُ الوشيكةُ مرسومةً في الظلام. هل سينجحون في كشف الحقيقة، أم سيقعون هم أنفسهم فريسةً في شباك السيد هاشم؟