الفصل 17 / 25

الحب الحلال

لقاءٌ مصيريٌّ في زمنِ الشك

بقلم مريم الحسن

تسللَ نورُ الفجرِ الباهتُ عبرَ ستارِ النافذة، يرسمُ خيوطًا فضيةً على وجهِ زينبَ الشاحب. لم تنمْ تلكَ الليلة، كانتْ غارقةً في بحرٍ من الأفكارِ المتلاطمة، تستعيدُ كلَّ كلمةٍ قالها والدها، وكلَّ سطرٍ كُتبَ في رسالةِ جدتها. كانتْ الحقيقةُ التي انكشفتْ كصخرةٍ ضخمةٍ سُحِقَتْ تحتها روحها. كيفَ يمكنُ لشخصٍ أن يعيشَ كلَّ هذهِ السنواتِ وهو يحملُ عبئًا كهذا؟ وكيفَ يمكنُ لعائلةٍ أن تُبنى على أساسٍ من الأسرارِ والأكاذيب؟

لم تستطعْ أن تحتفظَ بهذا السرَّ لنفسها. شعرتْ بأنها مدينةٌ لفارسَ بكلِّ الصدق، وأن علاقتهما، التي بدأتْ بزهرةِ حبٍ بريئةٍ في ساحاتِ الحلال، لا يجبُ أن تُلطخَ بهذا الظلام. لذلك، قبلَ أن تشرقَ الشمسُ تمامًا، كتبتْ رسالةً مفصلةً لفارس، وضعتها في ظرفٍ وأغلقتْ عليها. قررتْ أن تُقابلهُ في مكانٍ بعيدٍ عن أعينِ الفضوليين، في حديقةِ المسجدِ القديم، حيثُ كانا يلتقيانِ في بدايةِ تعارفهما.

عندما التقتْ بهِ، بدا فارسُ سعيدًا بلقائهما، بابتسامتهِ المعهودةِ التي كانتْ دائمًا تُشعُ بالدفءِ والأمل. لكن زينبَ لم تستطعْ أن تُقابلهُ بابتسامة. كانَ وجهها جامدًا، وعيناها تحملانُ ثقلَ العالم.

"ما بكِ يا زينب؟" سألَ فارسُ بقلقٍ ظاهر، وهو يمسكُ بيديها. "هل أنتِ بخير؟"

لم تستطعْ زينبُ أن تُخفيَ حزنها. سحبتْ يدها ببطءٍ، وقالتْ بصوتٍ متقطع: "فارس، يجبُ أن أخبركَ بشيءٍ مهم. شيءٌ يتعلقُ بتاريخِ عائلتي، وبأسرارٍ لم أكنْ أعرفُ عنها شيئًا."

نظرتْ إليها عينا فارسِ الزرقاوانِ بفضولٍ ممزوجٍ بالدهشة. "ما هو؟"

بدأتْ زينبُ تحكي، مستعينةً بذاكرتها القوية، مسترجعةً كلَّ تفاصيلِ ما سمعتهُ من والدها. كلُّ كلمةٍ كانتْ تُخرجُها من صدرها كأنها سهمٌ يُصيبُ قلبها. تحدثتْ عن جدتها، عن حبها الأول، عن الحاج محمود، وعن حادثِ فقدانِ الذاكرة. ثم تحدثتْ عن شقيقِ جدتها، فؤاد، وعن دوره المشبوه في الحادث، وعن إجبارهِ لجدتها على الزواجِ منه.

كانَ فارسُ يستمعُ بصمتٍ مطبق، ملامحُ وجهه تتغيرُ بينَ الدهشةِ والحزنِ والغضب. كلما سمعَ تفصيلةً جديدة، كانَ وجهه يزدادُ قتامةً. لم يتكلمْ حتى انتهتْ زينبُ من قصتها.

"هذا... هذا مروعٌ يا زينب." قالَ فارسُ أخيرًا، بصوتٍ يحملُ نبرةً من عدمِ التصديق. "لم أتخيلْ يومًا أن عائلتكِ تحملُ هذا القدرَ من الألمِ والظلام."

"وأنا أيضًا يا فارس." أجابتْ زينبُ، ودموعُها بدأتْ تتساقطُ على خديها. "لم أكنْ أعرفُ أن حياتي مبنيةٌ على هذهِ الأكاذيب. أشعرُ بالخجلِ من نفسي، ومن تاريخِ عائلتي."

"لا تخجلي يا حبيبتي." قالَ فارسُ، وهو يُعيدُ الإمساكَ بيديها، بحزمٍ هذهِ المرة. "أنتِ لستِ مسؤولةً عن أخطاءِ أجدادكِ. أنتِ روحٌ طيبةٌ ونقية، ولا يجبُ أن يتحملَ قلبكِ أعباءَ الماضي."

"لكن... هذا قد يُغيّرُ كلَّ شيءٍ بيننا يا فارس." قالتْ زينبُ، وهي تنظرُ إليهِ بعينينِ مليئتينِ بالخوف. "كيفَ يمكنُ أن نبنيَ مستقبلًا معًا، ونحنُ نحملُ مثلَ هذهِ القصص؟"

"بالصدقِ والإيمانِ يا زينب." ردَّ فارسُ بثقة. "علاقتنا مبنيةٌ على الحلال، على الحبِ النقي، وعلى تقوى الله. وأنا أؤمنُ بكِ، وأؤمنُ بقلبكِ الطيب. هذهِ الأسرارُ لن تُفرقنا، بل ستجعلُنا أقوى. سنواجهُ هذهِ الحقائقَ معًا، وسنجدُ نورَ المستقبلِ وسطَ هذا الظلام."

شعرَتْ زينبُ ببعضِ الطمأنينةِ في كلماته، لكنَّ القلقَ لم يختفِ تمامًا. ما زالتْ هناكَ أسئلةٌ أخرى عالقةٌ في ذهنها.

"لكن... ما هوَ دورُ فؤادَ بالضبط؟ هل كانَ متعمدًا؟ وما هيَ قصةُ الحاج محمود؟ هل فقدَ ذاكرتهُ تمامًا؟ وماذا حدثَ بعدَ زواجِ جدتي من فؤاد؟"

"هذهِ أسئلةٌ سنكتشفُ إجاباتها معًا يا زينب." قالَ فارسُ بحزم. "يجبُ أن نعرفَ الحقيقةَ كاملةً، وأن نفهمَ كلَّ التفاصيل. هذا مهمٌ لنا، وربما... مهمٌ لمن تركوا وراءهم هذا الإرثَ المعقد."

"ولكن كيفَ سنكتشفُ؟" سألتْ زينبُ. "والدي لم يعرفْ كلَّ التفاصيل."

"سنبحثُ." قالَ فارسُ. "سنسألُ كبارَ السنِ في العائلة، سنبحثُ في الأرشيفاتِ القديمة، وسنبحثُ عن أيِّ أثرٍ يدلُّنا على ما حدثَ بالضبط. هذا وعدٌ مني لكِ."

وفجأة، لمعتْ في ذهنِ زينبَ فكرةٌ أخرى. "فارس، إذا كانَ فؤادُ هوَ من تسببَ في الحادث، فهذا يعني أنهُ فعلَ شيئًا خاطئًا. وماذا عن عائلةِ الحاج محمود؟ هل يعرفونَ شيئًا عن هذا؟ هل يمكنُ أن يكونَ هناكَ من يسعى للثأر؟"

"هذا احتمالٌ واردٌ يا زينب." قالَ فارسُ، وارتسمتْ على وجههِ علاماتُ الجدية. "إذا كانتْ هناكَ مظلوميةٌ كبيرة، فقد يكونُ هناكَ من يحملُ حقدهُ عبرَ السنين. علينا أن نكونَ حذرين. وأن نتأكدَ من أننا لا نُسيءُ لأحدٍ في بحثنا عن الحقيقة."

"ولكن... ماذا لو علمَ شخصٌ من عائلةِ الحاج محمود بما حدثَ في الماضي، وبما فعلَ فؤاد؟ ماذا لو كانوا يعرفون أن جدتي كانتْ ضحيةً، وأنها أُجبرتْ على الزواجِ منه؟"

"إذا كانَ الأمرُ كذلك، فقد يكونُ هناكَ تفهمٌ. لكن لو كانوا يعتقدونَ أن فؤادَ هوَ الوحيدُ المذنب، وأن جدتكِ شاركتْ معه... فالأمورُ قد تكونُ معقدة."

"وماذا لو كانَ هناكَ شخصٌ لا يزالُ يحملُ الغضبَ والرغبةَ في الانتقام؟" سألتْ زينبُ، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقها.

"هنا يكمنُ الخطرُ يا زينب." قالَ فارسُ، وهو يُمسكُ بيدها بقوة. "لكن لا تخافي. أنا معكِ. وسنكونُ مستعدينَ لأيِّ شيء."

كانتْ كلماته كبلسمٍ لروحها المضطربة، لكنَّ الخوفَ لم يفارقها. شعرتْ بأن هذهِ الحقيقةَ ليستْ مجردَ قصةٍ قديمة، بل هيَ نارٌ كامنةٌ قد تشتعلُ في أيِّ لحظة.

"ولكن يا فارس، ماذا عن والدي؟ وماذا عن والدتي؟ هل يجبُ أن أخبرهما بكلِّ شيء؟"

"والدكِ يعلمُ جزءًا من القصة، وقد أخبركِ بما يكفي. ربما من الأفضلِ أن نُبقيَ الأمرَ بيننا وبينَ والدكِ في الوقتِ الحالي. حتى نكتشفَ كلَّ التفاصيل. ثمَّ يمكننا أن نقررَ معًا. لكن يجبُ أن نكونَ حذرينَ جدًا. فلا نعرفُ من قد يكونُ لهُ مصلحةٌ في إبقاءِ هذهِ الأسرارِ دفينة."

"ولكن... هناكَ شيءٌ آخرُ يقلقني." قالتْ زينبُ، وهي تتذكرُ آخرَ جملةٍ قالها والدها. "قالَ إن والدَ الحاج محمود هوَ جدُ جدتِكَ. يعني، عمُّ والدِ جدتي. هذا يجعلُ الأمرَ أكثرَ تعقيدًا. وكأنَّ القصةَ تتشابكُ بينَ فرعينِ من نفسِ العائلة."

"هذا يعني يا زينب، أن هذهِ القصةَ قد تكونُ قديمةً جدًا، وأن الأحقادَ قد تكونُ قد توارثت. يجبُ أن نكونَ يقظين. وأن نُفكرَ بكلِّ الاحتمالات. لا يجبُ أن نُصدرَ أحكامًا متسرعة."

"ولكن... كيفَ يمكنُ أن نفصلَ بينَ حبنا، وبينَ هذهِ الأسرارِ المعقدة؟" سألتْ زينبُ، بصوتٍ يملؤهُ اليأس.

"الحبُ الحلالُ يا زينب، هوَ حبٌّ قويٌّ، قويٌّ لدرجةِ أنهُ يستطيعُ أن يتجاوزَ كلَّ العقبات." قالَ فارسُ، وهو ينظرُ إليها بعينينِ تقدحُ بالحبِ والإصرار. "سنواجهُ هذهِ التحدياتِ معًا. وسنجدُ طريقنا إلى النور. أنا أؤمنُ بذلك."

كانتْ كلماته الأخيرةُ بمثابةِ شعلةِ أملٍ في ليلِ شكوكها. لكنَّ الظلالَ التي ألقتها تلكَ الأسرارُ القديمةَ بدأتْ تتكثفُ حولهما. ولم تكنْ تعلمُ زينبُ، أو فارس، أن الحقيقةَ التي يبحثانِ عنها، ستكونُ أكثرَ تعقيدًا وإيلامًا مما تخيلا. وأن ما بدا كـ"لقاءٍ مصيريٍّ" في تلكَ الحديقةِ الهادئة، كانَ مجردَ بدايةِ رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%