الحب الحلال
ظلالٌ من الماضي وخيوطٌ تتكشف
بقلم مريم الحسن
بعدَ لقائهما في حديقةِ المسجد، شعرَتْ زينبُ وفارسُ بثقلِ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقهما. لم تعدْ القضيةُ مجردَ فضولٍ حولَ ماضي عائلةٍ، بل أصبحتْ رحلةً للبحثِ عن الحقيقةِ الكاملة، وإمكانيةِ وجودِ أخطارٍ كامنةٍ تتجاوزُ حدودَ التاريخِ الشخصي. قررا أن يبدأا بالبحثِ عن أيِّ شخصٍ قد يكونُ لديهِ معلوماتٌ إضافيةٌ عن عائلةِ الحاج محمود، وعن الأيامِ التي سبقتْ الحادث.
بدآ بزيارةِ بعضِ كبارِ السنِ في الحيِّ القديم، حيثُ عاشتْ عائلةُ الحاج محمود. كانتْ البدايةُ صعبة، فالذكرياتُ كانتْ متداخلةً، والكثيرُ من التفاصيلِ قد تلاشتْ معَ مرورِ الزمن. لكنَّ إصرارهما، وصدقَ بحثهما، بدأَ يُثمر.
في أحدِ الأيام، بينما كانا يتحدثانِ معَ سيدةٍ عجوزٍ تدعى أم حسن، ذاكرتها قويةٌ رغمَ سنها المتقدم، تلألأتْ في عينيها شرارةُ تذكُّر.
"آه... الحاج محمود." قالتْ أم حسن، وهي تُمسكُ بيدِ زينبَ برفق. "كانَ شابًا طيبًا، وصالحًا. خطبَ ابنةَ عمِّ أبيهِ، السيدةَ العفيفةَ فاطمة. كانَ حبهما حديثَ الناس. لكنَّ القدرَ كانَ لهُ رأيٌ آخر."
"هل تعرفينَ شيئًا عن الحادثِ الذي تعرضَ لهُ يا خالتي؟" سألتْ زينبُ، بلهفة.
تنهدتْ أم حسن. "نعم، أتذكر. كانَ حادثًا غريبًا. قيلَ إنهُ سقطَ من على جوادهِ، أو ربما اصطدمَ بشيء. المهمُ أنهُ فقدَ ذاكرتهُ. لم يعدْ يتعرفُ على أحد. كانتْ فاطمةُ في حالةٍ يرثى لها. تبكي ليلَ نهار."
"ولكن... هل سمعتِ يومًا عن أيِّ شائعاتٍ حولَ الحادث؟ هل كانَ هناكَ من يشكُّ في أنهُ لم يكنْ مجردَ حادث؟" سألَ فارسُ، متابعًا بتركيز.
نظرتْ أم حسنُ إليهما، بعينينِ تحملانُ حكمةَ السنين. "في تلكَ الأيام، كانتْ الأمورُ تُناقشُ همسًا. لكنْ نعم، سمعتُ بعضَ الأشياء. سمعتُ أنَّ شقيقَ فاطمة، الشابَ فؤاد، كانَ لديهِ دائمًا طموحاتٌ كبيرة. وكانَ يُشاعُ أنهُ لم يكنْ راضيًا عن زواجِ أختهِ من الحاج محمود. كانَ يرغبُ في تزويجها لرجلٍ ذي نفوذٍ أكبر، أو ربما... لأحدٍ من عائلتهِ. لم أفهمْ جيدًا يومها. لكنْ سمعتُ أنَّ فؤادَ كانَ دائمًا يتجولُ حولَ مكانِ الحادثِ في تلكَ الليلة. ولم يكنْ أحدٌ يعرفُ لماذا."
"هل سمعتِ عن أيِّ علاقةٍ بينَ فؤادَ والحاج محمود؟" سألتْ زينبُ.
"لم تكنْ علاقتهما جيدةً أبدًا." أجابتْ أم حسن. "كانَ فؤادُ يرى الحاج محمودَ كعائقٍ أمامَ طموحاتهِ. وفي النهاية، وبعدَ أن فقدَ الحاج محمود ذاكرتهُ، رأينا فؤادَ يُسرعُ في خطبِ أختهِ. كانَ أمرًا غريبًا، أليسَ كذلك؟ فتاةٌ تعيشُ في حزنٍ وألم، يتزوجها شقيقها بهذهِ السرعة؟"
"ولكن... هل عرفتْ عائلةُ الحاج محمود بما حدث؟ وهل تحدثتْ معَ فؤاد؟" سألَ فارسُ.
"عائلةُ الحاج محمود كانتْ عائلةً محترمةً جدًا. والدُ الحاج محمود، رجلٌ كريمٌ وصالح. لكنَّ الأمرَ كانَ محيرًا. فقدَ ابنهُ ذاكرتهُ، وبدلًا من المطالبةِ بالحقِ، رأيناهم يتراجعونَ. سمعتُ أنَّ والدَ الحاج محمود تحدثَ معَ فؤاد، وربما معَ جدتكِ. وكانَ الأمرُ يبدو وكأنهم أرادوا التسترَ على الموضوع. ربما خوفًا على سمعةِ العائلة، أو ربما... خوفًا من فؤاد نفسه."
"هل تعتقدينَ أنهم عرفوا بدورهِ في الحادث؟" سألتْ زينبُ.
"هذا ما كانَ يُشاعُ همسًا. لكنْ لا أحدَ استطاعَ أن يُثبتَ شيئًا. فالأدلةُ كانتْ قليلة، والشهودُ قليلون. وفؤادُ كانَ ذكيًا، يعرفُ كيفَ يُخفيَ آثاره. ومعَ مرورِ الزمن، اختفتْ القصةُ في غياهبِ النسيان. حتى أتى هذا السرُّ القديمُ الذي كشفتموهُ."
خرجتْ زينبُ وفارسُ من بيتِ أم حسن، وشعورهما يزدادُ تعقيدًا. كلُّ كلمةٍ جديدةٍ كانتْ تزيدُ من رقعةِ الظلام، وتُوضحُ حجمَ المأساة. كانتْ القصةُ تتجاوزُ مجردَ حبٍ ضائع، لتصلَ إلى مؤامرةٍ قاسية، وتلاعبٍ بالحقائق.
"يا فارس، هذهِ القصةُ أكبرُ مما تخيلت." قالتْ زينبُ، وهي تشعرُ بالثقلِ يتضاعف. "يبدو أن فؤادَ لم يكنْ مجردَ شخصٍ أناني، بل كانَ ماكرًا ومخططًا."
"وهذا يعني يا زينب، أن هناكَ احتمالًا قويًا بأن عائلةَ الحاج محمود قد تكونُ على علمٍ بما حدث. أو على الأقل، لديهم شكوكٌ قوية. وربما... ربما كانَ والدُ الحاج محمود هوَ من أمرَ بالتسترِ على الأمر. خوفًا من إلحاقِ الأذى بابنهِ أكثر."
"ولكن لماذا؟ لماذا لم يُطالبوا بحقهم؟" سألتْ زينبُ.
"ربما لم يكنْ لديهم دليلٌ قوي. أو ربما... كانَ فؤادُ يمتلكُ شيئًا عليهم. أو ربما... كانَ هناكَ خوفٌ أكبر. شيءٌ لم نكتشفهُ بعد."
"ولكن... من هوَ الحاج محمود بالنسبةِ لنا؟" سألتْ زينبُ، وعلاماتُ الحيرةِ باديةٌ على وجهها. "هل لهُ أيُّ صلةٍ بوالدِ جدتي؟"
"حسبَ ما فهمتُ من حديثِ والدكِ، فإن والدَ الحاج محمود هوَ عمُّ والدِ جدتكِ. يعني، هوَ عمُّ أخوالِ جدتكِ. هذا يعني أنهُ من فرعٍ قريبٍ من العائلة. ربما كانَ هوَ من أرسلَ الرسالةَ إلى جدتكِ، أو ربما... كانَ يعرفُ الحقيقةَ كاملةً. وهناك احتمالٌ كبيرٌ بأن يكونَ لديهِ أبناءٌ أو أحفادٌ لا يزالونَ يتذكرونَ هذهِ القصة."
"وهذا يعني أننا قد نجدُ عائلةً أخرى تبحثُ عن الحقيقةِ أو عن الثأر." قالتْ زينبُ، وشعرتْ بالخوفِ يتغلغلُ في قلبها. "ماذا لو كانوا يعتقدونَ أننا نعرفُ الحقيقةَ، وأننا نتسترُ عليها؟"
"لهذا السببِ يا زينب، يجبُ أن نكونَ حذرينَ جدًا." قالَ فارسُ. "يجبُ أن نُظهرَ لهم أننا نبحثُ عن الحقيقةِ، وأننا نريدُ تصحيحَ الماضي. وأننا لا نملكُ أيَّ علاقةٍ بأفعالِ فؤاد."
"ولكن... ما هوَ موقفُنا تجاهَ عائلةِ الحاج محمود؟ هل يجبُ أن نتواصلَ معهم؟"
"هذا قرارٌ صعبٌ يا زينب. يجبُ أن نفكرَ مليًا. فلو اتصلنا بهم، فقد يكشفونَ عن حقائقَ لا نعرفها، أو قد يثيرونَ عداوةً. ولو لم نتصلْ، فقد نفقدُ فرصةً ثمينةً في الحصولِ على المعلومات."
"ولكن... ماذا لو كانَ الحاج محمود قد تزوجَ بعدَ ذلك؟ أو ربما كانَ لديهِ عائلةٌ لم يسمعْ عنها أحد؟" سألتْ زينبُ.
"هذا احتمالٌ ضعيفٌ جدًا، نظرًا لحالتهِ النفسيةِ بعدَ الحادث. لكنْ لا نستطيعُ استبعادهُ تمامًا."
في تلكَ اللحظة، تذكرتْ زينبُ شيئًا آخر. "والدي قالَ إن جدةَ جدتي، والدةَ والدِ الحاج محمود، كانتْ قد أرسلتْ رسالةً إلى جدتي. هل هذهِ الرسالةُ التي وجدتها؟"
"لا، الرسالةُ التي وجدتها كانتْ من جدتكِ فاطمة. تقولُ إنها كانتْ تتحدثُ إلى شخصٍ كانتْ تحبهُ، وتبدو الرسالةُ كاعتذارٍ أو كـ"شكوى" من القدر."
"يعني، هناكَ رسائلٌ أخرى؟" سألتْ زينبُ.
"لا أعرف. لكنْ ما أعرفهُ هوَ أننا يجبُ أن نبحثَ عن أيِّ وثائقَ أو رسائلَ قد تكونُ تركتْها جدتكِ. فربما تكونُ تركتْ شيئًا يشرحُ تفاصيلَ أكثر."
قررا أن يبدأا بالبحثِ في مقتنياتِ جدتها القديمة، في صندوقِ الذكرياتِ الذي تركتهُ والدتها. كانَ الأمرُ أشبهَ بالحفرِ في أرضٍ مليئةٍ بالأسرار.
وبينما كانا يُقلبانِ الأوراقِ القديمة، وبينَ الصورِ الباهتةِ والرسائلِ المكتوبةِ بخطٍ جميل، وجدتْ زينبُ شيئًا لفتَ انتباهها. كانتْ ورقةٌ صغيرةٌ، مطويةٌ بعناية، ومكتوبةٌ بخطٍ مختلفٍ عن خطِ جدتها.
"ما هذا؟" سألَ فارسُ، وهو ينظرُ إلى الورقة.
فتحتْ زينبُ الورقةَ، وتفحصتْ الكلمات. كانَ النصُّ قصيرًا، لكنَّ معانيهُ كانتْ عميقةً ومقلقة. "يا فاطمة، إنّما النّجاةُ في الصّمتِ، والحكمةُ